سوق البالة في طرابلس:

البلدية "تنظّف" المدينة من فقرائها

المصدر: سلسلة أخبار نشرتها صفحة “موقع طرابلس الوطنية” ابتداءً من 29 حزيران 2024

بدءاً من نهار السبت في 29 حزيران، وعلى مدى أيامٍ متتالية، شهد سوق البالة في طرابلس عملية إزالة شاملة طالت كافة البسطات الموجودة ضمنه. فأثناء توجّه المتسوقين كالعادة نحو السوق نهار السبت، تفاجؤوا بوجود قوى الأمن والجيش الذين منعوهم من التوجّه نحوه بحجة وجود عمليات إطلاق نار بين أصحاب البسطات، ليتبيّن لاحقاً أنّ إطلاق النار ناجم عن مواجهة أصحاب البسطات لعمليات هدم بسطاتهم وأرزاقهم من قبل جرافات بلدية طرابلس، ومقاومتهم لها. وقد قال البعض أنّ هذه العملية “الأمنية” نُفِّذت، ولم تتبلَّغ بها وزارة الداخلية إلا بعد انطلاقها، خشيةً من أن يتأمّن غطاء سياسي لمن أسمَوهم “محتلّي الأملاك العامة”. مع العلم أنّ ما أسموه عمليات إزالة المخالفات والتعديات على الأملاك العامة لم تقتصر على السوق، بل عُلم أن القرار قد اتُّخذ لإزالة كافة المخالفات في شوارع مدينة طرابلس وأسواقها الداخلية، حيث شهدت منطقة الضمّ والفرز، وسوق الكروش والطريق المؤدية إلى مسجد محمود بيك في التبانة، محطة ملص في البرانية وسوق الأحد ممارسات مشابهة في الأسبوع نفسه.

يُعتبر سوق الخضار الشعبي وألبسة البالة الذي يمتدّ على الضفة الشرقية لنهر أبو علي ويضمّ مئات المحال التجارية المتراصة (بعضها يعمل منذ أكثر من 30 عاماً) التي تبيع الملبوسات والأحذية القديمة المستعملة وغيرها من البضائع، مقصداً رئيسياً لمحدودي الدخل والمفقّرين في المنطقة ولبنان ككلّ، كذلك للطبقة الوسطى التي تستفيد من شراء الخضار والبضائع الأخرى بأسعار تنافسية. وبالتالي إلى جانب الخسائر التي تكّبدها أصحاب البسطات وفقدان سبل عيشهم، خسرت الفئات المفقّرة مركزها الأساسي لتسوّق حاجاتها بأسعارٍ مقبولة في ظلّ تفاقم الأزمة الاقتصادية.

لم تكن هذه الحادثة الوحيدة التي شهدها السوق في الآونة الأخيرة، ففي عام 2019، امتدّ حريق على كامل السوق بسبب قنبلة رُميت على إحدى البسطات على إثر خلاف بين صاحب بسطة وأحد الأشخاص. حاولت البلدية بعد ذلك “تنظيم” السوق، لكن محاولتها باءت بالفشل بحيث سارع أصحاب النفوذ داخل السوق إلى إعادة تأهيله منعاً لسيطرة البلدية عليه. وفي تشرين الأوّل 2023، تعرّض السوق لحريقٍ آخر، ما زالت أسبابه مجهولة حتى اللحظة، بينما أكدّ البعض أنّ الحريق كان مفتعل لاستهداف البسطات والخيم في السوق التي لطالما حاولت البلدية إزالتها أو نقلها إلى البحر أو إلى دوار أبو علي كما أكدّ نقيب سوق البالة السابق. وما يؤكّد هذه السردية هو تأخّر البلدية وامتناعها عن إخماد الحريق، باعتبار أنّ البسطات والخيم تشوّه محيط الجسر الخاضع لمشروع الإرث الثقافي.

فقد كان هذا السوق جزءاً من مشروع الإرث الثقافي والتنمية المدينية بالشراكة بين بلدية طرابلس، البنك الدولي ومجلس الإنماء والإعمار، وقد تمّ تنفيذه عام 2012 وتضمنّ إنشاء سقف ضخم (منصة) من الباطون المسلح فوق النهر نُقلت إليه عربات الخضار والمحلات التي كانت تنتشر على ضفتي النهر، بهدف تحسين قدرة الوصول إلى المراكز التاريخية المحيطة وإدارة حركة المرور. شمل السوق 280 بسطة، وقد تمّ تحديد هذا العدد انطلاقاً من المسح الذي أُجري حينها للأشخاص المتأثرين (258 شخصاً) من مشروع الإرث الثقافي. وقد كان من المفترض أن تكون إدارة السوق وصيانته من مسؤولية بلدية طرابلس. كما تضمّن المشروع إعادة تأهيل ضفتي النهر ومحيط جامع البرطاسي، إعادة تنظيم طرق المرور ومواقف السيارات، إعادة تأهيل الأماكن العامة وإعادة تأهيل واجهات المباني والمعالم الأثرية القديمة.

مع الوقت، ونظراً لكون مساحة السوق مرنة ومفتوحة، تزايد عدد البسطات، واعتبرت السلطات المحلية هذه البسطات الإضافية على أنّها “غير شرعية”. كما لم تعمل البلدية على إدارة السوق أو تشرف عليه، إلّا من حيث استلام الرسوم التي تُدفع سنوياً كبدل إيجار من قبل أصحاب البسطات المسجلين رسمياً لدى البلدية من جهة، ولإزالة البسطات “غير الشرعية” بين الحين والآخر بعد إرسال الإنذارات من جهة أخرى. وكانت البسطات ما تلبث أن تعود بموافقة أصحاب النفوذ في المنطقة، القائمين الفعليين على السوق.

بالتالي، وعلى خلفية مشروع الإرث الثقافي والمحاولات المتكررة للإزالة، لا يسعنا اليوم سوى القول بأن إزالة البسطات بحجة إزالة التعديات على الملك العام هو ببساطة استهداف لمفقّري المدينة. فإذا كانت حجة البلدية السابقة بإزالة بعض البسطات كونها “غير شرعية” وليست جزءاً من مشروع الإرث الثقافي الأساسي، فما هي الحجة اليوم لهدم السوق بكامله مع العلم أنّ عدداً كبيراً من البسطات “شرعيّ” بنظر البلدية نفسها ومسجّل لديها، وبالتالي لا يشكلّ تعدّياً على الأملاك العامة. وقد أذنت البلدية أساساً إقامة البسطات الإضافية على الملك العام، وسمحت لها بالاستمرار كونها تشكل جزءاً من الاقتصاد غير الرسمي، وأعطتها نوعاً من الشرعية، فبأيّ منطق تستعمل تجاهها اليوم كلّ الوسائل العنفية والقسرية لتثبيت إزالة السوق كأمر واقع؟ الجدير بالذكر أنّ نسبة سكان المناطق غير الرسمية بلغت 61.1% من النسبة الإجمالية لسكان المدن في لبنان؛ كذلك فإن 48.3% من القوى العاملة في لبنان في العام 2022، هي عمالة في القطاع غير النظامي، و62.4% منها كانت منخرطة في عمالة غير نظامية، بحسب منظمة العمل الدولية.

بعد هذه الحملة الواسعة، كشف رئيس بلدية طرابلس الدكتور رياض يمق أنّ البلدية بدأت تُمهّد لإعداد دراسة لكيفية تأمين التمويل وإعادة ترميم المنطقة الواقعة ضمن الإرث الثقافي “للإسهام في تجميلها وتنشيط الحركة فيها كونها الطريق إلى معظم آثار طرابلس”. وقد تمّ تبرير هذه الحملات، التي “كانت بحاجة إلى قرار أكبر من البلدية”، بحجة تكرار الأحداث الأمنية وسقوط قتلى وجرحى، كما مطالبة البعض باستمرار العمل على “تنظيف” المدينة من كلّ المخالفات وضبط الأمن فيها. كما أكدّ أنّ الحملة ستشمل كلّ المخالفات بما فيها تلك التي تطال الأبنية التي بات بعضها مهدداً بالسقوط.

تُظهر هذه التصريحات، والحملة الواسعة التي تشهدها طرابلس لإزالة ما تعتبره البلدية تعديات، وحقيقة أنّ البسطات في السوق لم تكن جميعها مخالفة، إلى جانب وجود محاولات سابقة لإزالة السوق، أنّ مقاربة السلطة المحلية قائمة بشكلٍ واضح على إخفاء مفقّري المدينة وسحق الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع زاعمةً أنّها تنفّذ سياساتٍ مدينية قادرة على تجميل واقع المساحات العامة وتحفيز حركة السياحة الأثرية فيها، وضبط الأمن، بدلاً من وضع سياسات فعلية تتعامل مع نتائج الأزمة الاقتصادية المتفاقمة وتأثيراتها على المجتمع. بالإضافة إلى ذلك، تطرح البلدية هدفاً لها “تنشيط حركة المنطقة”، وهي منطقة كانت نشطة أساساً ومعروفة، يقصدها الناس لا من طرابلس فقط بل من كل الشمال وحتى من العاصمة لتنوّعها وانخفاض أسعارها؛ ممّا يشير إلى أن البلدية تقصد حقيقةً تنشيط المنطقة بشكل يستقطب طبقة مختلفةً من السكان والزبائن. كما تطرح البلدية “التجميل” كغاية، ممّا يذكّرنا بمفهوم السلطة الأُحادي للجماليات من جهة، كما بتقديمها لهذه الأخيرة دوماً على مصلحة الناس واستخدامهم للمكان وحقّهن\م في تغييره. كما يُظهر عمل البلدية أن مقاربتها للعمل البلدي على مستوى العمران هو بإزالة ما تسمّيه تعدّيات ومخالفات، في ظلّ حاجة سكّان أفقر مدينة في لبنان وعلى شاطئ المتوسط لأسواق تؤمّن لهن\م حاجاتهن\م اليومية من جهة، ومساكن آمنة لا تقع على رؤوسهم.

أخيراً، نرى السوق والبسطات غير المرخّصة مبادرة ناجحة وفعّالة من قبل أصحاب البسطات، لتطويع المكان وتغييره ليتناسَب مع حاجاتهم وحاجات السكان والمدينة، ليكونوا بذلك، قد أنتجوا مكاناً عاماً بشكل ناجح أكثر ممّا استطاعت فعله السلطة، وبالذات البلدية.

الأملاك العامة قضاء طرابلس لبنان محافظة شمال لبنان
 
 
 

وزير الطبقية: وزير الداخلية يدعو إلى إزالة أكشاك المفقّرين

دعا وزير الداخلية بسام مولوي “لإزالة كافة التعديات على الأملاك العامة الممتدة على الطريق الدولي من مدخل صور من جهة جل البحر – العباسية”. خدعنا هذا الخبر حين ظننّا بأنّه يدعو لإزالة التعديات …

طرابلس في عين العاصفة: الحرمان العتيق

عادت طرابلس إلى الشاشات ومواقع التواصل الإجتماعي في الأسابيع الأخيرة، ليس من باب المعاناة القديمة لأهلها، بل من باب العنف الذي تمّ رسمه في كثير من الأحيان كانفلات أمني، وخطر محدقٍ بأهل المدينة.

الدولة تتذكر طرابلس:

مجلس الشمال للمحسوبيات... ترقيع ما بعد الغرق

بعد فاجعة غرق قارب في طرابلس، ليل السبت 23 نيسان 2022، طالعتنا الحكومة بقرار في جلسة الثلاثاء 26 نيسان 2022 ينصّ على “تشكيل لجنة برئاسة السيد رئيس مجلس الوزراء وعضوية السادة وزراء: العدل، …

إنشاء حيّ جبل محسن:

عن الطائفة كمقياس لإنتاج المدينة

لحظ “المرصد البرلماني” في المفكرة القانونية ما أسماه حركة تشريعية خاصة بالطائفة العلوية، تمثّلت في سبعة اقتراحات\مشاريع قوانين حول إدارة شؤون هذه الطائفة، ومن ضمنها اقتراح قانون معجل مكرّر بإنشاء “حيّ جبل محسن” …

طرابلس: من سلَبَ منّا الأرض؟

طرابلس “الفيحاء”، العاصمة الثانية للبنان، عاصمة الشمال؛ هذه التسميات تشعرنا أن طرابلس محور اقتصادي وتنموي لكل الشمال كما نُظر إليها في الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية (2009). لكننا ما نلبث أن نصطدم بواقعٍ …