“استديو أشغال عامة” يطلق اللقاء الثاني من سلسلة “الجنوب يقاوم”

انعقد يوم الخميس ٢٥ حزيران  ٢٠٢٦اللقاء الثاني من سلسلة “الجنوب يقاوم” ” التي ينظمها استوديو أشغال عامة لتسليط الضوء على المبادرات الناشطة في القرى والبلدات الجنوبية في سياق مقاومة ومواجهة سياسات المحو والعنف والاحتلال التي تستهدف الذاكرة والسردية وكل مكونات الحياة لأراضي وأهالي الجنوب. وتناول هذا اللقاء بلدة الخيام نموذجاً للقرى الحدودية التي تمتلك تاريخاً طويلاً من المواجهة مع الكيان الإسرائيلي، والتي عانت مستويات غير مسبوقة من  المحو التام والتهجير القسري خلال الحربين منذ ٢٠٢٣. وهدف اللقاء الى عرض مبادرات مختلفة أعضاء فاعلين في البلدة، مبنية على تفاعلهم مع المكان وخلق ممارسات مكانية، من التوثيق وإنتاج سردية تاريخية  الى الصمود الشعبي وإعادة الحياة للنسيج الاجتماعي عند العودة الى تصور واسع وشامل لمسار إعادة إعمار المكان بأبعاده المادية وغير المادية.

وافتتحت المعمارية والباحثة بتول فاعور أولى المداخلات، مستعرضةً مقاطع مصورة التُقطت يوم العودة في ٢٦ كانون الثاني ٢٠٢٤  تظهر مشاهد تختلط فيها فرحة العودة بمرارة الدمار. ووصفت رحلة العودة ليس كنقطة ثابتة بل كواقع متجدد ومتكرر  تتوارثه الأجيال في الجنوب. ثم قدّمت عملها الذي يتقاطع فيه البحث المعماري مع التوثيق البصري والعمل الميداني، من خلال توثيق الأماكن ذات المعالم التاريخية في الخيام بالاستناد إلى الروايات الشفوية والصور والأرشيف. وأوضحت أن مشروعها انطلق من روايات جدّيها، مؤكدةً أن ذاكرة كبار السن تمثّل الأرشيف الحي للتاريخ غير المكتوب للأرض. واستعرضت أمثلة على تحولات المكان عبر الزمن، من مستشفى عسكري تحت الأرض يعود إلى فترة الحرب العالمية الثانية، تحوّل لاحقاً إلى مساحة للعب ثم إلى متحف قبل أن يُقصف ويعود مجدداً مساحةً للأطفال، إلى مدرّج عسكري قائم في أعلى نقطة مطلّة على الجنوب وفلسطين، تحوّل خلال الاحتلال الإسرائيلي للبنان إلى معتقل الخيام، ثم دُمّر عام ٢٠٠٦ في محاولة لمحو الأدلة المادية على جرائم الحرب. وبعد ذلك، تحوّلت هذه الآثار العسكرية إلى أراضٍ زراعية ومراعٍ. ومن خلال هذه الأمثلة، تؤكد بتول أن الأرض، مهما تبدّلت وظائفها، تعود في النهاية إلى أهلها. واختتمت مداخلتها بالتشديد على أن توثيق تاريخنا قبل أن يمحوه العدو هو الخطوة الأولى في حماية الذاكرة الجماعية. كما لفتت إلى أن الاحتلال، عبر التاريخ، لم يكن محصوراً في نقاط محددة، وأن حدود بلدات الجنوب ومعالمها كانت عرضةً للتغيير المستمر. ومن هنا تنبع أهمية توثيق الأراضي ومعالمها وتاريخها، والتمسّك بحق الناس في العودة الكاملة إلى أماكنهم.

ومن الذاكرة، انتقل النقاش إلى الحاضر، حيث قدّم الدكتور ياسر شمعون، عضو المجلس البلدي في الخيام، تجربة البلدة عند  العودة لمواجهة التحديات، مركزًا على طرق التعايش والعيش التي ابتكرها الأهالي لإعادة الحياة الطبيعية رغم الدمار. واستعرض الأيام الأولى بعد العودة، حين تحولت الأماكن العامة والخاصة فبات بعض الأهالي في ساحة البلدة بينما لجأ آخرون إلى منازل أقاربهم، قبل أن تبدأ المبادرات المجتمعية باستعادة إيقاع الحياة. فتحدث عن عودة المزارعين إلى حقولهم، واستئناف سوق الخميس، واستئجار مبنى ليُستخدم مدرسة بتمويل من مجلس الجنوب، إلى جانب مبادرة “الخيام تنهض”، والإفطار الرمضاني الجماعي الذي شاركت في إعداده نساء البلدة وجمع نحو ٨٠٠ مشارك بعدما كان متوقعًا أن يضم ٣٠٠ فقط من العائدين الى البلدة، والاحتفال بعيد الميلاد، وحملات تنظيف وتأهيل الفضاءات العامة، وإنشاء حديقة صنوبر تُزرع فيها شجرة باسم كل شهيد، وتنظيم مسيرة الشموع من ساحة البلدة إلى المقبرة إحياءً لذكرى الشهداء. وأكد أن هذه المبادرات لم تكن مجرد أنشطة اجتماعية، بل ممارسات مكانية أعادت نسج العلاقات بين الناس ورسخت إحساسهم بأنهم عادوا إلى مكانهم قبل أن تكتمل إعادة إعمار الحجر.

وفي المداخلة الأخيرة، طرحت المعمارية والفنانة آية عبد الله سؤالاً جوهرياً حول مستقبل العودة: كيف يمكن أن نتخيّل إعادة إعمار أماكن لا نستطيع الوصول إليها بعد؟ واستعرضت عدداً من المبادرات المعنية بإعادة الإعمار، أولها مسابقة رفعت الشادرجي “أجراء من أجل العودة”، التي أُطلقت عام ٢٠٢٤ قبل أن تتوقف بفعل الحرب. وقد جمعت المسابقة مهندسين وطلاب جامعات، بالتعاون مع بلدية الخيام، بهدف بناء قاعدة معرفية للتفكير في إعادة الإعمار. ونظراً لغياب البيانات والخرائط المحدثة، اعتمد الفريق على المسح العقاري لعام ٢٠٠٣ والخرائط التاريخية من ستينيات وسبعينيات القرن الماضي لإعادة قراءة تطور الخيام من قرية إلى مدينة وإنتاج معرفة يمكن البناء عليها مستقبلاً. وأكدت آية أن الهدف لم يكن إنتاج خرائط فحسب، بل ربط الجامعات والطلاب والباحثين والبلديات ضمن مشروع طويل الأمد يجعل من المعرفة عملية جماعية مستمرة. كما عرضت مبادرة الدكتور حبيب صادق بالتعاون مع مرصد القضايا العمرانية في نقابة المهندسين لحماية الذاكرة العمرانية والتراثية والتصدي للعدوان. وقد بدأت المبادرة عام ٢٠٢٤ بتوثيق الاعتداءات على المواقع التراثية في النبطية والخيام وبليدا، قبل أن تتحول عام ٢٠٢٦ إلى مبادرة وطنية أُدرجت ضمن برامج العمارة في عدد من الجامعات، وتستند المبادرة إلى مقاربة توثيقية وقانونية ومعمارية متعددة الأبعاد لمواجهة تدمير الإرث التراثي. واختتمت آية بعرض مشروع ثالث يرافق المبادرات المحلية الداعمة لعودة أهالي الخيام، انطلاقاً من قناعة بأن التخطيط يجب أن ينطلق من حاجات الأرض والناس. ومن هنا، تحوّل العمل البحثي الهندسي إلى عمل ميداني عبر ورش وتدريبات ولقاءات تشاركية تسعى إلى دعم العودة وإعادة الإعمار العفوية وتعافي النسيج الاجتماعي.

واختتمت مداخلتها بمجموعة من الأسئلة التي رافقت الندوة بأكملها: كيف يمكن التفكير في إعادة الإعمار قبل انتهاء الحرب؟ وما العلاقة بين إعادة الإعمار والتحرر؟ وكيف يمكن دعم صمود الناس في ظل استمرار العدوان؟ وتوقفت عند توسعة مقبرة البلدة لدفن الشهداء وإنشاء روضة الشهداء للمرة الأولى في الخيام، معتبرةً أن المقابر ليست مجرد أماكن للدفن، بل جزء من الذاكرة المكانية والسردية الجماعية، تماماً كما أن الخرائط ليست مجرد أدوات تقنية، بل وسائل لفهم علاقة الناس بأرضهم.

وشهدت الندوة بعد ذلك نقاشاً مفتوحاً بين المتحدثين والحضور تناول أسئلة تتجاوز بلدة الخيام لتلامس مستقبل البلدات الحدودية عموماً، بما في ذلك أهمية توثيق التاريخ غير المكتوب من خلال الروايات الشفوية، وبناء شبكات تعاون بين البلديات والمبادرات المحلية، ودور هذه الروابط في دعم مسارات الصمود والعودة وإعادة الإعمار. وتُشكّل الخيام حالة ناجحة لهذا النوع من التعاون، ولا سيما في ظل غياب الدولة وعجز مؤسساتها. كما تناول النقاش سبل الحفاظ على طابع البلدة، بوصفها أكبر من قرية وأصغر من مدينة، والتحديات والفرص المرتبطة بإعداد المخططات التوجيهية، وأهمية حماية المشاعات والأراضي الزراعية والسهول في الخيام خصوصاً وفي الجنوب عموماً. ورغم أن معضلات الوقت والتمويل والعودة، المرتبطة بسياسات الحرب وإعادة الإعمار، لا تزال تشكّل معركة مفتوحة، فإنها لا تلغي أهمية دعم ممارسات الصمود والتعافي التي تنبع من حاجات الناس، والسعي إلى فهمها وتطويرها وربطها ببعضها البعض. وبذلك قدّم اللقاء نموذجاً من تجربة بلدة الخيام الغنية بمبادرات التوثيق والتحرير وإعادة الإعمار، على أمل أن تتكرر تجارب مماثلة في مختلف البلدات الحدودية.

إعادة الإعمار والتعافيلبنان