أطلق “استديو أشغال عامة”، يوم الخميس 11 حزيران 2026، اللقاء الأول من سلسلة اللقاءات المفتوحة بعنوان “الجنوب يقاوم” في “بيت عام” – سامي الصلح، وهي سلسلة تهدف إلى خلق مساحة للّقاء والتفكير وعرض مختلف ممارسات المقاومة والصمود في القرى والبلدات الجنوبية رداً على سياسات المحو التي تفرضها حرب العدو الإسرائيلي.
افتُتح اللقاء الأول حول “النسيج العمراني الثقافي في الجنوب” بكلمة للمديرة الشريكة في “استديو أشغال عامة” عبير سقسوق، التي وضعت الندوة في سياق الجهود المستمرة لتوثيق آثار الحرب والتحوّلات التي تشهدها المناطق الجنوبية. وأشارت إلى أن هذا التوثيق ينطلق من الحاجة إلى سدّ فجوات معرفية متراكمة حول المنطقة، في ظل إهمال التاريخ النابع من تجارب الناس وحياتهم اليومية، وضعف التوثيق والإحصاءات الرسمية، وتأثير عقود من الاحتلال التي طغى خلالها البعد العسكري على سائر أوجه الحياة. كما لفتت إلى أن حجم الدمار الذي طال القرى الجنوبية خلال الحرب الأخيرة، وما رافقه من فقدان للأرشيفات والسجلات والوثائق، يضاعف أهمية توثيق الأماكن وسردياتها بوصفه جزءاً من التفكير بمستقبل هذه المناطق وإعادة بنائها.
وتناول اللقاء مداخلتين رئيسيتين، حيث عرضت الباحثة زينب نمر نتائج وأفكاراً بحثية تتعلّق بالعلاقة بين الأرض والأرشيف والتحوّلات التي شهدتها المناطق الجنوبية عبر العقود، متوقفةً عند آثار الاستعمار والحروب المتعاقبة على المشهد الطبيعي وأنماط استخدام الأرض، إضافةً إلى التحديات البيئية المرتبطة بالتجريف والتلوّث وتداعيات العدوان الإسرائيلي. كما طرحت أسئلة حول مستقبل إعادة الإعمار ودور المجتمعات المحلية في رسم ملامح هذا المستقبل والمشاركة في اتخاذ القرارات المرتبطة بأراضيها وقراها.
من جهتها، تناولت المختصة في الأرشفة غادة دمشق قضايا التوثيق والأرشفة في أوقات الحرب، مشيرةً إلى استهداف الأرشيفات والمكتبات والمواقع الثقافية كأداة لفبركة التاريخ ولتسهيل المشروع الاحتلالي الاستيطاني. ومن هناك أعربت عن أهمية إنتاج أرشيف مضاد يقارم أرشيف العنف الذي يمثل جزءاً من محاولات محو الذاكرة الجماعية وإعادة تشكيل السرديات. كما تطرّقت إلى التحديات المرتبطة بتوثيق الأحداث الجارية في ظل الحرب، وإلى الدور المتزايد للمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي في إنتاج المعلومات والصور وتداولها، في مقابل محاولات إسرائيل السيطرة على السرديات الإعلامية والتحكّم بما يُنشر ويُتداول حول الحرب وتداعياتها، وأيضاً تفعيلها في معارك السردية في الداخل.
وشهد اللقاء نقاشاً مفتوحاً بين المشاركين تناول قضايا إعادة الإعمار، ولا سيما إعادة البناء بطريقة تأخذ بعين الاعتبار تاريخ الشعب، محافظة على الهوية العمرانية والاجتماعية للقرى الجنوبية. وفي هذا السياق، عبّر عدد من الحاضرين عن مخاوفهم من أن تؤدي مشاريع إعادة الإعمار إلى فقدان السمات والذاكرة المرتبطة بالأماكن، متسائلين عن كيفية إعادة الإعمار دون التفريط بالهوية المحلية والعناصر التي تشكّل ذاكرة السكان وعلاقتهم بأماكنهم. علما أن من شأن الحروب والتطور المدني التأثير على نسيج الضيع والبلدات، وهذا ظاهر في الجنوب لا سيما في التغير في الأراضي والممارسات الزراعية، وهنا تكمن أهمية التوازن بين المحافظة على التاريخ والتراث وتكييف التطور المدني ليستجيب لمتطلبات الحياة العصرية، من دون أن يطغى عليه النمط الاستهلاكي الهجين. وقد أشار أحد الحاضرين إلى تفضيله استخدام مصطلح “العمران” بدلاً من “إعادة الإعمار”، باعتبار أن مفهوم العمران يتجاوز البعد المادي ليشمل الأبعاد الاجتماعية والثقافية وغير المادية المرتبطة بعملية التعافي والعودةوإعادة البناء.
كما تناول النقاش أهمية إشراك المجتمعات المحلية في رسم أولويات مرحلة ما بعد الحرب، مع التشديد على ضرورة التفكير في إعادة الإعمار على مستويات متعددة، تشمل تطوير المخططات التوجيهية للأراضي وتعزيز التكامل بين المناطق وربط احتياجات البلدات المختلفة ضمن رؤية أوسع للتنمية تُفعّل دور البلديات والمؤسسات المحلية. وفي هذا السياق، يبقى عاملا الوقت والتمويل عنصرين أساسيين، ويطرحان سؤالاً أوسع أمام جميع الجهات المعنية بعملية إعادة الإعمار حول كيفية التفكير المشترك والتعلّم من التجارب السابقة.
وأخيراً، أكّدت المتحدثات أهمية الوعي بالحفاظ على الأرشيف وصون المواد التاريخية المعرّضة للخطر، ولا سيما في سياق المحو المكاني الذي تتعرض له قرى الجنوب وبيوته وشوارعه وذاكرته. كما استعرضن آخر التطورات المتعلقة بالمبادرة القائمة لإنقاذ المكتبات والمجموعات الأرشيفية المهددة في الجنوب، وتناولن مسؤولية الدولة ووزارة الثقافة والمؤسسة الوطنية للأرشيف في حماية هذا الإرث، وما يطرحه غيابها عن أداء هذا الواجب الوطني من تحديات خطيرة. كما أشرن إلى الجهود التي يبذلها الفاعلون الثقافيون والناشطون لإيجاد حلول عملية وأماكن آمنة لحفظ الأرشيف وحمايته.
وفي هذا السياق، ذكرت غادة دمشق مبادرة قيد التطوير لإنتاج مكنز عربي متخصص يُستخدم في أنظمة الفهرسة والأرشفة للمكتبات والمجموعات الأرشيفية في المنطقة العربية، بهدف كسر التبعية المعرفية للتصنيفات والمصطلحات الغربية السائدة، وتطوير أدوات وصف أكثر ارتباطاً بالسياق العربي وبتجارب المنطقة وتاريخها وذاكرتها.
في هذا اللقاء الأول، افتتحنا مساحة النقاش حول أهمية الحفاظ على النسيج الثقافي والتاريخي للجنوب من خلال ممارسات التوثيق والأرشفة، سواء للمواقع العمرانية التراثية أو المكتبات أو الذاكرة الجماعية. وتظهر أهمية هذه الممارسات كفعل مقاوم للاحتلال والعنف والمحو الذي تتعرض له القرى والبلدات في الجنوب بشكل متكرر منذ نشوء الكيان الصهيوني، فتسمح بإنتاج تاريخ الشعب من خلال هذه السرديات الجماعية المتعلقة بالأماكن وعلاقة الناس بها والتغيرات التي تشهدها والمعاني التي تحملها. من جهة أخرى، تُشكّل هذه الجهود ركائز أساسية لمسار تعافٍ يستجيب لأولويات السكان ويحافظ على علاقتهم بأماكنهم، فيُعدّ التوثيق المادي والغير المادي مادةً أساسية ومرجعاً ضرورياً في مسار إعادة الإعمار.