عقد “استديو أشغال عامة” و”مبادرة الإصلاح العربي” ندوة عامة في فندق سمولفيل في بيروت في 16 شباط/فبراير 2026، لإطلاق الورقة البحثية المشتركة بعنوان: “في مواجهة الإبادة البيئية في لبنان: توصيات للانخراط الرسمي والمجتمعي في التعافي المستدام”، بمشاركة ممثلين/ات عن البلديات وباحثين/ات وسكان من القرى الجنوبية الحدودية.
تتناول الورقة عملية توثيق الأضرار البيئية والزراعية الواسعة التي لحقت بالجنوب اللبناني جراء الاعتداءات الإسرائيلية، خصوصاً نتيجة استخدام الفوسفور الأبيض والتجريف والإحراق وتدمير البنى التحتية والأراضي الزراعية، وما نتج عنه من تهجير قسري ومنع فعلي للعودة. كما تُلقي الورقة الضوء على كفركلا باعتبارها نموذجاً حيّاً عن حجم الدمار البيئي والزراعي والمكاني الناتج عن العدوان، حيث تجاوزت نسبة الدمار الكامل للمباني 80%، فيما تضرّر القطاع الزراعي بشكل جذري، ما أفقد الأهالي مصادر رزقهم وهدّد النظم البيئية المحلية.
الإبادة البيئية كسياسة ممنهجة
خلال الجلسة الأولى، عرضت كريستينا أبو روفايل من “استديو أشغال عامة” حجم الإبادة البيئية والزراعية بالأرقام، مشيرةً إلى أن ما جرى لا يمكن فصله عن الإبادة المكانية الأوسع ومحاولات تحويل القرى الحدودية إلى مساحات عازلة غير صالحة للحياة. وبدورها، قدّمت يارا عبد الخالق من “استديو أشغال عامة” قراءة نقدية للاستجابة الرسمية اللبنانية، مؤكدةً أنها بقيت حتى اليوم مجتزأة ونظرية، من دون رؤية وطنية شاملة أو إدماج فعلي لقضية الإبادة البيئية ضمن مسار إعادة الإعمار.
أما الجلسة الثانية فشارك فيها رئيس بلدية كفركلا حسن شيت، عضو بلدية رامية حسين صالح، عضو بلدية الخيام ياسر شمعون، منسّق تجمع القرى الحدودية طارق مزرعاني، والمزارع هادي عواضة. وتحدّث المزارع هادي عواضة عن المبادرات الفردية لإزالة الركام وزراعة القمح والبذور البلدية تحت التهديد المباشر، مؤكداً أن التمسك بالأرض فعل معنوي قبل أن يكون اقتصادياً. كما أشار رئيس بلدية كفركلا إلى استمرار تحميل الدولة البلديات مسؤوليات من دون توفير الإمكانيات اللازمة، فيما عرض عضو بلدية رامية صعوبات محاولات العودة في ظل الاستهداف المتكرر وارتفاع كلفة المعيشة. ولفت عضو بلدية الخيام إلى أن عدد العائلات العائدة لا يزال محدوداً، مؤكداً دور البلديات في دعم بقاء الأهالي. بدوره، شدد طارق مزرعاني على أن الإبادة البيئية سياسة قديمة متجددة، تطاول الأرض والذاكرة معاً، معتبراً أن المزارعين كانوا من أكثر الفئات استهدافاً لتمسكهم بأرضهم.
التعافي لا ينفصل عن الحق في العودة
وفي الجلسة الختامية، شددت عبير سقسوق من “استديو أشغال عامة” على أن التعافي البيئي والزراعي لا يمكن أن يكون تقنياً أو منفصلاً عن الحق في العودة وإعادة الإعمار، بل يتطلب إطاراً سياسياً واضحاً يعترف بحق سكان الجنوب في أرضهم وبيوتهم ومشاركتهم في صنع القرار. وقدّمت توصيات الورقة، التي تتوزّع على 6 محاور أساسية: ضمان العودة ودعم العائدين، إعادة التأهيل البيئي والزراعي، دعم المزارعين، التوثيق والمساءلة القضائية والإدارية، إرساء إطار دامج للتعافي البيئي، وإرساء رؤية وطنية تعزّز الميزة الطبيعية والسكنية للمناطق الحدودية. ودعت سقسوق الوسائل الإعلامية إلى “إفساح المجال لأصوات أبناء الجنوب وتحدّي محاولات المحو الممنهج للبلدات الحدودية والسرديات المرافقة لها”، مشددةً على وجوب “ابتكار مساحات لمشاركة البلديات والمجتمعات المحلية في تبادل الأفكار التي من شأنها تسهيل وتحقيق تطلعاتهم”.
إعادة الإعمار خيار سياسي
في مداخلاتهم، شدد مشاركون إعلاميون وباحثون على أن غياب تمويل إعادة الإعمار هو خيار سياسي لا مسألة موارد، وأن الإبادة البيئية تُستخدم كأداة لاستدامة التهجير واستهداف المدنيين، ما يستوجب أولوية المساءلة القانونية الدولية.
من جهتها، أكدت الصحافية فيفيان عقيقي أن الحديث عن غياب الأموال لتمويل إعادة الإعمار خيار سياسي، إذ إن الموارد موجودة ويجب توظيفها لإعادة بناء الدولة بدل الاترهان للخارج. بدورها، لفتت الباحثة منى خشن إلى أن إعادة الإعمار لا يمكن فصلها عن قضايا المياه والزراعة والسيادة الغذائية. من جهته، شدد الصحافي علي سويدان على أن الإبادة البيئية تُستخدم كوسيلة لارتكاب جرائم أخرى وتشكّل أساساً لاستمرار التهجير واستهداف المدنيين، داعياً إلى أولوية المساءلة القانونية الدولية.
واختُتمت الندوة بالتأكيد أن المبادرات المجتمعية، رغم أهميتها، تبقى محدودة الأثر من دون سياسة وطنية شاملة تعترف بالإبادة البيئية كجريمة، وتضع التعافي في قلب مشروع إعادة بناء عادل ومستدام.