Baalbak

قضاء بعلبك

التصميمات التوجيهية (4)

منطقة منظمة بمرسوم

منطقة غير منظمة صدر بشأنها
قرارات عن المجلس الأعلى للتنظيم المدني

منطقة غير منظمة

المناطق غير المنظمة تشكّل نسبة %84.5 من بعلبك – الهرمل

0%

مناطق منظمة

0%

مناطق غير منظمة

محافظة بعلبك – الهرمل

نقدّم في هذا القسم قراءة عمرانية للمحافظات اللبنانية بهدف فهم مدى تنظيم أراضيها، وأوضاعها السكنية، والأملاك العامة فيها، بالإضافة الى تلخيص مقاربة الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية. كما نبرز ملفات حول تدمير الموارد الطبيعية والاقتصادات المحلية نتيجة عدم مراعاة هذه الخطة الوطنية خلال عقود من تبديد مصالح الناس الاقتصادية، كدعوة للتفكير في هذه القضايا ومشاركة الحقائق عنها والتجارب حولها. ذلك لأنّنا نرى بأن العلاقة بين التخطيط والسكن والمرافق العامة، كما الرؤية الوطنية لها، هي متطلّبات مسبقة لأي نقاش مُنتجٍ حول مفهوم التنمية والعدالة المكانية. 

نستند في هذه القراءات الى تحليل جغرافي لمجمل  التصاميم التوجيهية الصادرة منذ 1954 حتى 2018، كما الى بلاغات مرصد السكن، وبيانات وزارة المالية لأملاك الدولة الخصوصية.

تنظيم الأراضي

تعتبر ١٥،٥% من مساحة محافظة بعلبك الهرمل منظمّة بمراسيم صادرة، وهي من النسب المنخفضة مقارنةً بباقي المحافظات ومقارنةً بنسبة المناطق المنظّمة على صعيد كامل الأراضي اللبنانية. أمّا المساحة المتبقية فهي إمّا غير منظمّة إطلاقا، أو صدر بشأنها قرارات عن المجلس الأعلى للتنظيم المدني. على صعيد الأقضية، ١٩% من مساحة قضاء بعلبك منظمّة، أمّا بالنسبة لقضاء الهرمل فهو بكامله غير منظّم، وقد صدر بشأنه بعض القرارات عن المجلس الأعلى للتنظيم المدني فقط. بشكلٍ عام، إنّ المناطق الساحلية والمناطق الواقعة حول المدن الرئيسية وضواحيها، حيث الانتشار العمراني الكثيف، هي بأغلبيها منظمّة، بينما تبقى المناطق الداخلية مهملة بشكلٍ اعتباطي وتخضع في أكثر الأحيان للتنظيمات الجزئية، مثل محافظة بعلبك الهرمل وهي من المحافظات التي تسجل النسبة الأقلّ من حيث المساحة المنظمة مقارنةً بالمحافظات الأخرى. إنّ غالبية بلديات بعلبك – الهرمل تعمل في ظلّ عدم وجود مخططات توجيهية ترسم لها نطاقاتها العقارية وتُصنفها. لكن التهميش لا يطال فقط المناطق غير المنظمة، بل أيضاً المناطق المنظمّة، كما هو الحال في مدينة بعلبك التي يتمظهر فيها التهميش كنتيجة مباشرة للرؤى والسياسات والمخططات العمرانية الصادرة منذ أربعينيات القرن الماضي حتى اليوم، والتي أدّت الى إقصاء سكان المدينة وقطع سُبل عيشهم. لقد لاحقت الصورة الأثرية الجامدة مدينة بعلبك، وساهمت الاجراءات التخطيطية في تكريس صورة المدينة السياحية. في العام ١٩٦٣، وفي المخطط الذي وضعه هنري إدّه للمدينة، اقترح تحرير الموقع الأثري عبر إزالة معظم الأحياء المعاصِرة ونقل سكانها إلى تجمعات سكنية حديثة بعيداً عن المدينة التاريخية وبناء «مدينة رومانية» مكانها. تصميم إدّه لم يُنفّذ، إلّا أنّه كشف أيديولوجية المخطّطين ومسؤولي الدولة آنذاك، القائمة على تهميش المدينة وسكانها وطغيان الآثار على المخطّطات التوجيهية. استمرت هذه الرؤية من خلال المخطّطات التوجيهية المتلاحقة التي سعت إلى تحرير الوسط والمنطقة الأثرية كي تصبح على مرأى من الجميع، وذلك دون أن تنبع هذه الرؤى والمخططات من حاجات سكان المدينة ومن ميّزات الأحياء كلها، الزراعية والتاريخية والاجتماعية. 

 الأملاك العامة

تحتلّ محافظة بعلبك – الهرمل المرتبة الأولى على صعيد محافظات لبنان من حيث عدد أملاك الدولة العقارية الخصوصية، إذ تحتوي وحدها على حوالي 30% من هذه الأملاك، أو ما يساوي 16937 عقاراً تتوزّع بين قضاءي بعلبك (12944 عقاراً) والهرمل (3993 عقاراً).

69% من مُجمل هذه العقارات من النوع الأميري، و17% منها من النوع المتروك مُرفق، أما العدد المتبقي من العقارات فمعظمه من النوع المُلك. تتركّز أراضي المحافظة الأميرية في قضاء بعلبك الذي يحتوي وحده على 10704 عقاراً أميرياً، أي ما يساوي 33% من مجمل الأراضي اللبنانية الأميرية، وبالتالي يحتلّ المرتبة الأولى بين الأقضية من حيث عدد هذا النوع من الأراضي. والجدير بالذكر أن أكبر 10 عقارات أميرية تقع في قضاء بعلبك أيضاً، وتتعدّى مساحة ثلاثة منها على الاقلّ حدود الـ 10 ملايين متراً مربعاً. 

نلاحظ في محافظات أخرى عدداً من أملاك الدولة الخصوصية المسجّلة في السجلات العقارية تحت أسماء مصالح رسمية معنية بالسكن، إنما اللافت عدم وجود أي أملاك مخصصة للسكن في محافظة بعلبك الهرمل، على الرغم من أن مدينتي بعلبك والهرمل شملتهما دراسات وبرنامج عمل لإنشاء مساكن شعبية في الأقضية اللبنانية قامت به مصلحة الإسكان في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بين عاميّ 1972 و1976.

اللافت أيضاً وجود 20 عقاراً فقط مسجّلاً تحت اسم مصرف لبنان في المحافظة: 18 عقاراً في قضاء بعلبك، وعقاران في الهرمل. عدد هذه العقارات ضئيل جداً مقارنةً بأعداد أملاك المصرف في محافظات أخرى، إنما الجدير بالذكر أن قضاء بعلبك بعقاراته الـ 18 يحتلّ المرتبة الأولى بين الأقضية اللبنانية من حيث مساحة عقارات المصرف. تصل المساحة الإجمالية لعقارات مصرف لبنان في قضاء بعلبك وحده إلى 32189230 م2، أي ما يشكّل حوالي 75% من المساحة الفعلية الإجمالية التي يملكها المصرف بحسب عدد أسهمه، على صعيد لبنان.

أما فيما يخصّ أراضي المشاع في المحافظة، تحجز مدينة بعلبك وبلدة مقنة (قضاء بعلبك) مواقعهما في المراتب العشرين الأولى بين البلدات – على صعيد لبنان – من حيث عدد الأراضي المشاع فيها، إذ تحتوي مقنة على 71 عقاراً مشاعاً، ومدينة بعلبك على 62 عقاراً مشاعاً.

القضية الأبرز في هذه المحافظة هي الأراضي الأميرية رهينة خطاب الملكية الخاصة. منذ سنوات، تصاعد خطاب عام مفاده أنّ منطقة البقاع، ومن ضمنها محافظة بعلبك – الهرمل، مهمّشة وتعاني من الإفقار نتيجةً لطبيعة الأرض فيها وملكيّتها العائدة للدولة، حيث لا مجال للربح المادي من عمليات البناء. وقد استُعملت هذه الحجّة لتمهيد الطريق أمام طرح قانون دمج الأراضي الأميرية بالمُلك، حيث جاء ذكر تهميش المنطقة وغياب الإنماء فيها ضمن الأسباب الموجبة في اقتراح القانون. كما جاءت الأسباب الموجبة على ذكر حق الملكية المقدّس الذي حُرِم منه أهالي المنطقة مقارنة بالمناطق الاخرى، كسبب يٌفاقم عدم المساواة. 

لا شك أن هناك نزاعات عدة متصلة بالأرض في منطقة البقاع. إنّما الطابع الخطير لهذا القانون، بذريعة المساواة ما بين المناطق وحق الملكية المكرّس دستورياً، يمهّد فعلياً إلى خصخصة أملاك الدولة الأميرية في كافة الأراضي اللبنانية والتفريط بالملك العام وإعادة توزيعه بحجة الاستجابة الى حاجات الناس؛ ويُطلق حركة بيعها وشرائها، ما سيؤدي إلى تراكمها بيد الأقليّة المقتدرة ماديّاً وتشريعيّاً وسياسياً التي ستوظّفها ضمن القطاعين العقاري والسياحي الذين لا يقدّما لمن خسر إمكانية الوصول الى الأرض إلّا فرص عمل تعاقدي هشّ لا يضمن العيش الكريم؛ ويضرب الإنتاج الزراعي في المنطقة؛ كما ينعكس سلبياً على السكان من غير اللبنانيين القاطنون على الأراضي اللبنانية؛ ويضرب المساواة في الإرث بين النساء والرجال. 

مقاربة الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية

تحدّد الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية أبرز التحديات التي تطال المناطق اللبنانية كافة. بالنسبة لمحافظة بعلبك – الهرمل، فهي تضمّ ثروة زراعية حقيقية هي السهول الفسيحة في البقاع. تتعرض هذه السهول لمخاطر طبيعية عديدة منها الفيضانات خصوصاً في البقاع الأوسط وسهول العاصي، وانزلاقات التربة على طول الفوالق الجيولوجية كفالق اليمّونة (اليمّونة والقسم الغربي من البقاع الغربي). كما حدّدت الخطة الشاملة لترتيب الأراضي المواقع الأكثر خطورة من حيث تسرب الملوّثات باتجاه المياه الجوفية، بعضها مشغول بأبنية وبعضها مزروع والبعض الآخر على حالته الطبيعية، ويقع جزءٌ من هذه المواقع في بعلبك – الهرمل. تواجه المنطقة أيضاً مخاطر طبيعية أخرى أبرزها خطر التصحر الذي يهدد المناطق الشمالية الشرقية في منطقة الهرمل والعاصي، إلى جانب خطر الزلازل الحاضر في جميع المناطق اللبنانية خاصة في المناطق الواقعة على الفوالق في اليمّونة. من جهة أخرى، تعتبر منطقة بعلبك – الهرمل من أكثر المناطق فقراً في لبنان، فالنسبة المئوية للأسر التي تعيش تحت خط الفقر المطلق هي الأكثر ارتفاعاً في الهرمل وبعلبك على صعيد لبنان.

الخيارات والتوجّهات التي تحدّدها الخطة الشاملة:

ملاحظة: لا يتبنّى استوديو أشغال عامة بالضرورة كافة طروحات الخطة الشاملة، بل يعتبرها أساسية لإطلاق نقاش مستنير حول نوع التنمية التي نريد في المناطق.

  • تقوم الخطة الشاملة على مبدأ إنماء كل منطقة من المناطق الكبرى (الشمال، المركز، الشرق والجنوب) على أن يكون الإنماء أكثر توحيداً وتكاملاً. فتنتظم وحدة الإنماء في كل منطقة حول نواة عمرانية قوية ولا يتأتّى الإنماء الاقتصادي عن طريق توزيع التجهيزات الصغيرة في كل بلدة وقرية، بل عن طريق الاستثمارات الصناعية والخدماتية ذات المستوى العالي. تعتمد مشاركة كل المناطق اللبنانية في إنماء الاقتصاد الوطني على خيار الإنماء المتكامل للوظائف العليا في أربع مجموعات سكانية كبرى تنتظم المدن والقرى حولها، وهي الشمال وعكار، البقاع وبعلبك الهرمل حول مدن زحلة – شتورة ومدينة بعلبك، الجنوب والنبطية حول مدن صيدا والنبطية وصور ومرتفعات جبل لبنان حول المنطقة المدينية المركزية. 
  • بالنسبة لمحافظة بعلبك الهرمل، إنّ نسبة سكان المدن في محافظتي البقاع وبعلبك – الهرمل هي الأقل في لبنان، حيث يمثل هؤلاء ٣٤% من عدد سكان المحافظتين وهم يقطنون في قطبي زحلة – شتورة من جهة، وبعلبك من جهة أخرى. ومن المرجّح أن تزداد هذه النسبة مع تزايد الأنشطة الخدماتية والصناعية ومع تطور قطب التوازن زحلة – شتورة، وانطلاق السياحة المتوخاة في بعلبك بحيث يمكن أن يتجاوز عدد السكان في هذه التجمعات العمرانية الكبيرة ٤٠% من عدد السكان الإجمالي في المحافظتين بحلول العام ٢٠٣٠. وبالرغم من الانطلاقة المدينية فإن القسم الأكبر من السكان، بحلول سنة ٢٠٣٠، سوف يواصل إقامته على الأغلب في المدن الصغيرة والقرى. هذه المناطق الريفية ستنتظم في الحياة المحلية حول إحدى عشر قطباً محلياً، منها الهرمل في منطقة الهرمل – القصر – فيسان، واللبوة في منطقة رأس بعلبك،  ودير الأحمر في منطقة دير الأحمر – اليمّونة، وشمسطار في منطقة غرب البقاع الأوسط، وبريتال في منطقة شرق البقاع الأوسط في محافظة بعلبك الهرمل. وينبغي إيلاء اهتمام خاص لنمو مدينة الهرمل في الشمال من بين هذه الأقطاب المدينية المحليّة، كونها الأكثر عرضة للإهمال، وأخذ الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية لقضاء الهرمل بالاعتبار.
  • تعتبر مدينة بعلبك من أهم وأكبر المواقع الأثرية والتراثية في لبنان. وتسمح مزاياها وموقعها الجغرافي بإعطائها تقديراً خاصاً، باعتبارها قطب تراثي مهم. إن هذا التركيز لمعنى التراث في بعلبك يستهدف تحديده اتجاه أساسي لتنميتها مع كل ما يحمله ذلك من فوائد ولكن أيضاً من ضوابط. هذه الثروة التراثية تشكل قوة جذب سياحية فائقة، إذا ما استثمرت بشكل صحيح تسمح  برفع مستوى معيشة سكان المدينة وتأمين فرص عمل لهم ولسكان المنطقة المحيطة بأسرها. فالمطلوب هو زيادة عدد السياح بشكل ملحوظ وتحويل بعلبك إلى مركز للفنادق مخصّص للإقامة المؤقتة، بحيث يتسنى للسياح أن ينطلقوا منها للتعرف على نهر العاصي في الهرمل ومواقع عيناتا واليمّونة المتميزة، وعلى الأرز ومطاعم زحلة وأقبية كسارة، الخ. ولكي يتحقق هذا المشروع لا بد من العمل على إيجاد حلول لمشاكل عدة في خدمات بعلبك المدينية، ولترتيب أحيائها بشكل يحسّن ربط المدينة بمنطقتها الأثرية، ولحماية الأراضي المتاخمة للموقع الأثري ولتنظيم حركة السير ووقوف السيارات والمتاجر، وأن تنظم حضورها الاعلامي لدى المكاتب السياحية وأن تطور صورة انفتاحها.
  • هذا كله يجب أن يتم بشكل متوازٍ مع تطوير أداء الوظائف الأساسية لمدينة بعلبك. إن تثبيت وضعها كمركز للمحافظة يفترض أن يساهم في تحقيق هذه الأهداف. كما لا بدّ أن تستفيد مدينة بعلبك وكل منطقة بعلبك – الهرمل من مشروع إنشاء منطقة صناعية وطنية حديثة في منطقة ريّاق عند منتصف المسافة بين زحلة وبعلبك، ترتبط بشكل فعّال بشبكة الطرق وبخط سكة حديد مع دمشق كما تلحظ الخطة الشاملة. إذ أن ما توفره هذه المنطقة من فرص عمل، إضافة إلى تطوير الوظائف الحالية من تجارة وزراعة وسياحة، سيساهم في إبقاء الشبّان والشابّات الوافدون إلى سوق العمل في هذه المنطقة.
  • أما مناطق البقاع الشمالي الواقعة خارج قطب مدينة بعلبك المديني، سيبقى النشاط الزراعي غالباً فيها، وسيكون من الضروري تحديثه ودعمه بمشاريع مناسبة أهمها الريّ، مع الأخذ بالاعتبار ضعف تكوين التربة وإدارة أفضل لقنوات التسويق والربط مع الصناعات الغذائية، وإدارة استعمال المراعي والنزاعات العقارية الناتجة عن الشيوع. كما ينبغي في الوقت ذاته إيجاد أنشطة أخرى في هذه المنطقة الريفية الواسعة من أجل تنويع مصادر الدخل ورفع مستواها لدى السكان. لقد قدّمت مشاريع التنمية المحلية المنجزة في المنطقة قاعدة أولية للعمل، ولكنها أظهرت أيضاً ضرورة التزام السلطات العامة الجديّ بمساعدة المنطقة للخروج من أزمتها الاجتماعية التي تفاقمت بعد منع الزراعات غير المشروعة. كما أن على كل مشاريع التنمية المعلنة في هذه المنطقة أن تأخذ بالحسبان ازدياد خطر التصحر بسبب سوء إدارة الثروات الطبيعية، بما في ذلك تدني مستوى مداخيل الأسر.
تدمير الموارد الطبيعية: قضايا بارزة