hadjen

 

كامب هاجين مُهدّد:

هل يستمرّ الدور الاجتماعي للمشروع؟

22 June 2022
بحث ميداني وكتابة: ريان علاءالدين

في أوائل القرن الماضي، كانت الأرض التي يقع عليها كامب هاجين اليوم على حدود مدينة بيروت، بموازاة النهر، أي في المنطقة التي لم يكن قد وصلها التمدّد العمراني للمدينة بعد. وكانت المنطقة ذاتها قد استقبلت قبلها، اللاجئات\ين الأرمن في مخيمات جديدة في الكرنتينا، كرم الزيتون، وبرج حمود المجاورة، ممّا يدلّ على نظرة السلطات لهذه المناطق حينها كهوامش، كأراضٍ بعيدة عن الناس، على حدود المدينة وخارجها. 

اليوم، أصبح كامب هاجين في قلب المدينة، محاطاً بأحياء مركزية وعقدٍ حيوية، للعمل والسكن واللهو. وفي حين نشأ الكامب ليستجيب لحاجات اللاجئين الأرمن لسكن ميسّر يحافظ على العلاقات الاجتماعية لأهل المدينة الأرمنية ذاتها (هاجين)، لم يغِب الموقع الجديد للكامب عن عيون المطوّرين الذين تملّكوا في السنوات الأخيرة أعداداً متزايدة من العقارات والشقق والمباني.

يلقي هذا النص الضوء على كامب هاجين، أسباب بنائه وتطوّره، كمكان لسكن الطبقة المفقّرة في منطقة مركزية في المدينة. كما نظهر التناقض بين تهديدات الإخلاء والهدف من إنشاء كامب هاجين، من خلال فهم لتاريخ نشأة هذا الكامب، وطبيعة سكانه، كما نوثّق حالات تهديد جماعية تحصل فيه مؤخّراً.

"زاد عليّي الأجار وقلّي إذا ما فيكي تدفعي بدّك تطلعي. بعد مفاوضات، أعطاني مهلة ثلاثة أشهر لفتّش عبديل. فتّشت كتير وما لقيت إلا شقق بِتفتلها مي، أو وضعها كتير تعبان أو أجارها أغلى بكتير… خبّرتو إنو ما رح فيني اطلع من البيت، بس المشكلة إنو صار بدو الأجار بالدولار. ما بنكر إنو الليرة انخفضت كتير قدام الدولار، بس معاشاتنا بقيت على حالها… فعلياً نحن ما بدنا شي، بدنا بس الأجار يصير ثابت". 

هذا ما قالته إحدى المستأجرات الأرمن لدى الأخوان ديكاسيان، وهو لسان حال معظم المستأجرات\ين في المباني التي امتلكها الأخوان في كامب هاجين عبر عمليات شراء ممنهجة على مدى سنوات عديدة.

بالفعل، يعيش اليوم المستأجرات\ون في كامب هاجين - ومعظمهن\م من الفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة والطبقة المفقّرة- خطر خسارة مساكنهم، مع تدهور الوضع الاقتصادي وانهيار قيمة الليرة اللبنانية مقابل الدولار. ويزداد هذا الخطر بفعل إجراءت تعسّفية وتهديدات بالإخلاء يقوم بها بعض المالكون.

كامب هاجين: توفير السكن الميسّر في المدينة

سنة ١٩٢٢، وصل إلى بيروت حوالي عشرة آلاف لاجئ أرمني هرباً من مجازر كيليكيا.  يومها، أقدمَ الصليب الأحمر وسلطات الاستعمار الفرنسيّ على إقامة آلاف الخيم في منطقة المدوّر، وتحديداً في مخزن الترامواي والأراضي غير المبنية المحيطة به1. ابتداءً من سنة ١٩٢٦، وبمبادرة من جمعيات أرمنية ومساعدة من سلطات الاستعمار، تم اقتراح حلول دائمة لسكن اللاجئين الأرمن خارج المخيمات، فانتقل هؤلاء من المخيّمات وسكنوا في مناطقَ مجاورة2 نذكر منها كامب هاجين حيث تم إنشاء مشروع سكني سنة ١٩٢٩ بهدف لمّ شمل الأقارب والأحفاد والأصدقاء الذين عاشوا في مدينة هاجين ولكن تفرقوا في مناطق مختلفة من لبنان. في حينه، تمّ  تأسيس جمعية تحت إسم "إتحاد رفاق هاجين" التي استطاعت شراء ثلاث عقارات كبيرة بمساحة إجمالية  تبلغ ٢٥ ألف متر مربع - بدعم من أثرياء أرمن3- ومن ثم ضمّتها وأعادت فرزها إلى قطع صغيرة بمساحات تتراوح بين ٦٤ و ١١٥ متر مربع. وقد قام المعماري الأرمني شيرينيان برسم الخريطة الشاملة للحيّ وتصميم ١٩٢ مبنى لا يتجاوز ارتفاع كلٍ منها طابقَين، لإيواء ٤٠٠ عائلة. وتمّ إنشاء سوق على الطريق العام، ومحال تجاريّة وحرفية، وثلاث مدارس وكنيسة في داخل الحيّ. وكان نظام المشروع الأساسي يمنع أيّ عمليّات هدمٍ في الحيّ حتى مع مرور الزمن. لكنْ عام 1958، تمّ افتتاح أوتوستراد شارل حلو، واستُملك الجزءُ الشماليُّ من الحيّ وهُدم، لتُصبح مساحة الكامب 18 ألف مترٍ مربّع.

وفّر كامب هاجين - وبفضل تشكّله العمراني ونظامه الذي يمنع الهدم - وعلى مدى سنين عديدة، فرص سكن متنوّعة تتناسب مع شرائح اجتماعية مُختلفة من ذوي الدخل المحدود. كما ساهم انتقال العديد من مالكي الشقق الصغيرة إلى خارج الكامب وتأجير شققهم، بإتاحة فرص السكن هذه، بالإضافة إلى تأجير الوقف الأرمني وجمعية المرسلين الأرمن في أميركا شقق يملكانها بأسعار ميسّرة، أدنى من سعر السوق.

الكامب في قبضة المستثمرين

خلال السنوات العشر الأخيرة، طرأت تغييرات مفاجئة على الحي تمثّلت بموجة استثمارات عقارية، بحيث استطاع ثلاث مستثمرون4 شراء عدد كبير من العقارات في الحي ما جعل لهم نفوذاً فيه، بفعل تركّز أكثرية العقارات بيدهم. ويمثّل الأخوان آرا ومهير ديكاسيان سوياً، أكبر هؤلاء المستثمرين. ابتداءً من عام 1995، قام الأخوان، مالكا مشغل ومحلّات مجوهرات تحت اسم "Armanor Jewelry" التجاري، بشراء العقارات فوصل عدد العقارات التي يملكانها في كامب هاجين عام 2015 إلى 8 عقارات، هذا فضلاً عن شراء مبنى سكني (عام 2011) يقع في شارع أرمينيا الرئيسي وتحويل استخدامه إلى مطعم.

ولأن المباني في الكامب تتألّف من طابقين فقط، بتنا نلاحظ، من حينه، أنه أصبح شائعاً تحويل بعض الشقق أو مبانٍ بكاملها - بخاصة تلك التي يملكها هؤلاء المستثمرون - إمّا إلى فويّهات\مساكن للطلاب أو إلى غرف يتم تأجيرها بشكل فردي ضمن الشقق، وذلك لمضاعفة الأرباح، مع استغلال قوة جذب كامب هاجين للسكان بفعل الحاجة المتزايدة إلى السكن الرخيص وقلّة وجود مساكن مشابهة في مدينة بيروت، وقربه من مراكز العمل. وخلال السنوات القليلة الماضية، خصوصاً مع تدفق العائلات السورية النازحة إلى لبنان، ازدادت نسبة تأجير ترتيبات سكنية مماثلة لحملة الجنسية السورية في الكامب. وبات ينتج عن ذلك، في الكثير من الأحيان، أوضاع سكنية غير لائقة في ظل غياب أي ضوابط أو سياسات سكنية وطنية لتأمين السكن اللائق. 

كما نتج عن الاستثمارات الجديدة المتزامنة مع صدور قانون الإيجارات الجديد عمليات إخلاء لعدد كبير من المستأجرين القدامى الذين يسكنون الكامب، فحلّ مكانهم مستأجرون جُدد، أو أبقى المالكون الشقق التي أُخلي المستأجرون القدامى منها شاغرة. في هذا السياق، وبحسب نتائج بحث ميداني وورشة عمل قام بها استديو أشغال عامة سنة 2016 تحت عنوان "أن نرسم بيروت من روايات مستأجريها"5، تبيّن أن المستأجرين الجدد يشكّلون ٤١ ٪ من سكان الكامب، مقابل ٢٥ ٪ من المستأجرين القدامى، وحوالي ٢٣٪ من المالكين القدامى، أما الشقق الخالية فتشكّل ١١٪ من مجموع الشقق الإجمالي.

الجدير بالذكر أن عمليات إخلاء المستأجرين القدامى و/أو الإبقاء على بعض الشقق خالية ومهجورة، لم تكن من الممارسات المقتصرة على المستثمرين الكبار، بل حصلت أيضاً ضمن عقارات تعود ملكيّتها إمّا لمالكين صغار مغتربين أو مجهولين، وحتى ضمن عقارات تملكها جمعيّة المرسلين الأرمن في أميركا، ممّا يوحي بأن الجمعيّة لم تعد تمارس دورها الاجتماعي في الحي. 

عودة ديكاسيان

بعد تفجير المرفأ، ونتيجةً للممارسات التي لم يمنعها قانون حماية المناطق المتضررة 2020\194، تفاقمت التهديدات السكنية التي يتعرّض لها سكّان المناطق المتضرّرة، وتزايد، بالتزامن مع ذلك، عدد البلاغات التي تلقّاها مرصد السكن في استديو أشغال عامة عبر خطّه الساخن6. كجزء من هذه الضغوطات، تلقّى المرصد في شهر كانون الأول 2021، تبليغاً من أحد المستأجرين في كامب هاجين يشكو من تهديد وكيل الأخوين ديكاسيان له بالإخلاء. يأتي هذا التهديد بعد أن طالب الوكيل المستأجر المذكور بدفع قيمة إيجار تعادل ثلاث أضعاف ما اتُّفق عليه عند استئجار الشقة، وبالتالي تخلّف المستأجر عن دفع الإيجار لأربعة أشهر متتالية لعدم تناسب المبلغ المطلوب مع قدرته المادية. 

تعود تهديدات الأخوان ديكاسيان بقوة إذاً، والخطير أن الصحف العقارية تُظهر تزايد عدد العقارات/المباني التي يملكانها في كامب هاجين، إذ وصل عددها إلى 25 مبنى ضمن الكامب وحده، أي ما يوازي حوالي 17% من مجموع العقارات فيه، فيما يؤكّد سكان الحي أن عدداً كبيراً من المباني والشقق التي يديرها الأخوان عبر وكيلهما لا تزال غير مسجّلة باسميهما في السجلات العقارية، وبالتالي يتخطّى عدد أملاكهما الرقم المذكور، ناهيك عمّا يملكانه من عقارات خارج حدود الكامب. 

ارتفاع عدد الملكيات المتركّزة بيد الأخوين المستثمرين يضع عدداً أكبر من المستأجرين في خطر خسارة سكنهم. خلال زيارة ميدانية قمنا بها في شهر آذار ٢٠٢٢ إلى الكامب لرصد التهديدات السكنية، تحدّثنا مع عيّنة من 11 مستأجر في مبانٍ يملكها الأخوين ديكاسيان. أكّد هؤلاء أن زيادة على قيمة الإيجار فُرضت مؤخّراً على جميع المستأجرين، كما فُرض دفع القيمة بالدولار الطازج، ولم يُفرّق هذا القرار بين المستأجرات\ين الأرمن واللبنانيات\ين أو اللاجئات\ين السوريات\ين والعاملات والعمال الأجانب. هنا، يتعجّب المستأجرات\ون الأرمن (6 شقق من أصل 11) من هذه الضغوطات التي قد تُؤدّي حتماً إلى تهجيرهم لمرة أخرى من مخيم بني خصيصاً لإيوائهم بعد تهجيرهم للمرة الأولى من وطنهم الأم. يؤكّد هاغوب (إسم مستعار)، وهو رب أسرة أرمني، أنّ قيمة الإيجارات باتت مرتفعة جداً في الحي لدرجة أجبرته مرغماً على ترك الكامب والانتقال مع عائلته خارج بيروت. تجدر الإشارة إلى أنه بالرغم من تدخّل النادي الأرمني الأكثر نفوذاً في المنطقة، في حالات معيّنة، للتفاوض مع المالكين وإيجاد حل وسطيّ بينهم وبين المستأجرين الأرمن، غالباً ما تصبّ نتيجة المفاوضات لصالح الأخوين ديكسيان الذين يتخطى نفوذهما، بحسب السكان، نفوذ النادي. وبطبيعة الحال، يؤدّي ضعف دعم النادي الأرمني للمستأجرات\ين السوريات\ين أو العاملات والعمال الأجانب، إلى تعرّض هؤلاء لمضايقات وممارسات تعسفية  بشكل أوسع، من قبل المالكين إن تأخّروا عن الدفع أو رفضوا دفع الزيادة، مضايقات قد تبدأ بقطع اشتراك الدش والانترنت ولا تنتهي بمنعهن\م من دخول شققهن\م. وهنا، يستذكر أحد سكان الكامب حادثة حصلت من فترة ليست ببعيدة، حيث وُضع قفل على باب شقة إحدى العاملات الأجنبيات لمنعها من الدخول إليها. 

لا بدّ من الإشارة إلى أن عدداً ملحوظاً من المستأجرات\ين في ملكية الأخوية ديكاسيان يسكنون في شقق تملؤها الرطوبة ولا يدخل إليها نور الشمس والهواء. زيدي على ذلك وجود شقق، في طوابق أرضية في مبانيهما، مؤجّرة دون الحد الأدنى من الخصوصية. فتعيش بوليت (إسم مستعار) مثلاً، في شقة مؤلّفة من غرفة واحدة ومطبخ وحمام، ويتوسّط الشقة ممرّ مشترك ودرج إلى الطوابق العليا من المبنى، ليفصل الدرج الغرفة عن المطبخ والحمام، وبالتالي، تضطرّ بوليت إلى إبقاء باب الشقة مفتوحاً لمرور الجيران إلى الطابق العلوي. 

كامب هاجين يفقد دوره

بالتزامن مع أزمة إقتصادية هي الأسوأ في تاريخ لبنان، يدلّ أداء الأخوين ديكاسيان على انسحاب الدولة من دورها في حماية السكان، بحيث أصبح بدل إيجار غرفة واحدة (قد لا تصلح للسكن اصلاً) في حيّ شعبي، يعادل الحدّ الأدنى للأجور أو يفوقه بأضعاف، الأمر الذي يجعل عشرات المستأجرات\ين لديهم مهدّدات\ين بفقدان مساكنهن\م أو التشرّد. يتعرّض كامب هاجين اليوم للموجة ذاتها التي تفتك بكل المناطق المتضرّرة من تفجير المرفأ، بداية من الزيادات غير القانونية بالإيجارات، إلى الإخلاءات والتهديدات والتهجير. ولا يمكن فصل ما يجري في الكامب عن عمليات تفريغ المدينة من سكّانها وتحويل حي سكني في منطقة أصبحت مركزية ومربوطة بعُقد المواصلات الأساسية، إلى مشروع تطويري يسلّع السكن. يأتي هذا في ظل انهيار اقتصادي كامل، وغياب سياسات إسكانية للدولة، ممّا يعني ترك السكان المفقّرين وحدهن\م في مواجهة كبرى الشركات العقارية والمتنفّذين. بطبيعة الحال، المسؤول الأول عن الأزمة السكنية وما وصلت إليه هو الدولة الغائبة عن وضع أي سياسات إسكانية عادلة قائمة على قانون إيجارات لائق أو وقانون سكن دامج. وبالرغم من تفاقم هذه الأزمة، لم تدرج الحكومة أي اقتراحات وحلول لأزمة السكن في برنامجها الانقاذي، بل أبقت الحق في السكن تحت رحمة الإنهيار الإقتصادي والحلول المجتزأة ومضاربات السوق. 

إنما، لكامب هاجين خصوصية تميّزه عن غيره من أحياء العاصمة، فهو كما ذُكر في المقال، مشروعٌ تم بناؤه لإيواء اللاجئين وذوي الدخل المحدود من الأرمن. وبالتالي، بُني الكامب ليكون مشروعاً سكنياً ذو قيمة اجتماعية لحماية الفئات الأكثر هشاشة سكنياً. وها هو اليوم يشارف على فقدان الهدف الأساسي الذي أُنشئ من أجله، مع تقصير واضح من الجمعيات الأرمنية في المحافظة على هذا الهدف. والأزمة هنا ليست فقط في عدم نجاعة تدخّلات الجمعيات الأرمنية، بل في مقاربتها للأزمة والحلول، من خلال استمرارها باعتبار الملكية الخاصة أولوية، وبالتالي تهميشها للحق في السكن كحقّ يعلو فوق حقوق الملكية، والسلطة والامتيازات والمال التي يستوجِبُها الحصول على هذه الحقوق. 

ما عُرض في المقال عيّنة بسيطة عن كيفية دفع سكان كامب هاجين، الأرمن وغيرهم، ثمن تغييرات جذرية في الحي ناتجة عن تراكم ملكيات بيد مستثمرين نافذين، تراكم يُنبّئ بمشاريع عقارية مستقبلية تُغيّر طبيعة الكامب السكنية إلى الأبد، وتهدّد ضمان استمرارية دور المشروع الإجتماعي.