الأراضي المخصّصة للسكن: كان للدولة مشاريعَ سكنية

04 May 2022

المقال الثالث في إطار مشروع بحثي بعنوان «ويني (أراضي) الدولة؟» 

كتابة: ريان علاءالدين
بحث: ريان علاءالدين، تالا علاءالدين، عبير سقسوق، كريستينا أبو روفايل

اليوم، تظهر أهمية تأمين المسكن للعدد الأكبر من الناس، في ظل غياب أي نقاش حول هذه الموضوع، أو طرح تطرحه الدولة يبيّن ولو اهتمامها لما يجري كل يوم من تهجير وإخلاءات. لكن غياب الدولة عن هذا القطاع لم يكن هو الحال دائماً، والإثبات هو في عدد العقارات المسماة "أراضي الدولة المخصصة للسكن"، ومشاريع الإسكان الإجتماعي\الشعبي التي قامت بها الدولة اللبنانية، في يومٍ من الأيام.
بين عام 1945 وأوائل السبعينيات – أيّ خلال مرحلة ما يُسمى بالعصر الذهبي لدول الرعاية الاجتماعية،1 كان الإسكان الاجتماعي هو الأداة الأكثر أهمية ووضوحاً لسياسة الدولة الرعائية في العديد من بلدان العالم. تركت مشاريع الإسكان هذه، والتي دعمتها السلطات العامة وتولّت إدارتها أو حتى بنتها بنفسها، بصمات جريئة على البُنية المكانية للمدن وعلى التطوّر المعماري للمساكن الميّسرة. ولكن منذ أوائل الثمانينيات، ساد النموذج الاقتصادي النيوليبرالي معلناً "نهاية الإسكان الاجتماعي". خُفّضت ميزانيات الإسكان الاجتماعي في العديد من الدول، ممّا كان له تأثيرٌ كبيرٌ على توفير السكن للفئات ذات الدخل المنخفض والمتوسط، كما تمّ توجيه الإسكان الاجتماعي ليعمل ضمن منطق النيوليبرالية وأنظمة الخصخصة لأصول الدولة وإدارة مشاريعها. وفي الوقت عينه، تمّ تبنّي خطاب مقلق، قائم على خرافات مفادها أن الإسكان العام فشل في خلق الاختلاط الاجتماعي، ممّا أدى إلى ارتفاع نسبة الجرائم وتعاطي المخدرات نتيجة للفصل العنصري والطبقي للمناطق.

محلياً، هل يمكن القول بأن لبنان خاض تجربةً مع السكن الاجتماعي؟
إنّ التزام لبنان بالمقاربة الليبراليّة منذ عام 1943، أتى على تناقضٍ مباشرٍ مع السياسات الرعائية المعتمدة في دول المنطقة العربية في مرحلة ما بعد الاستعمار. فلم يكن التوجّه العام مرتبطاً بالدولة الرعائية، إنمّا كانت السياسة تقوم على الإسترخاء والتهاون بإسم تشجيع الإقتصاد الحرّ.2 نتيجةً لذلك، نرى الحق في السكن في لبنان اليوم مهملاً من الدولة إلى حدٍّ كبيرٍ، إذ يأخذ شكل تدخّلات مُجتزأة في مجال السكن، قائمة على قوانين متفرّقة، أو كردّة فعل على كوارث.3 إنما بالنظر الى أملاك الدولة المخصّصة للسكن، نجد أن الدولة اللبنانية قد لجأت في فترة ما – تحديداً بين عامي 1956 و1974 – إلى إقامة المساكن الاجتماعية على أراضٍ تملكها أو استملكتها.

في هذا المقال – الثالث ضمن سلسلة مقالات حول أملاك الدولة العقارية – نركّز على الأراضي المخصّصة للسكن التي تملكها الدولة، فضلًا عن المشاريع السكنية التي أنجزتها. ففهم ماهية هذه العقارات، وموقعها، واستخداماتها الحالية، من البديهيات عند الخوض في أي حديث عن حلول للأزمة السكنية الحالية والمتفاقمة على صعيد كل لبنان. كما يحاول المقال تقييم نجاعة إدارة الدولة للمساكن الاجتماعية التي أنشأتها تاريخياً على بعض هذه الأراضي.

 

أراضي الدولة المخصّصة للسكن في سجلات وزارة المالية

في سجلات وزارة المالية المتعلقة بكافة أملاك الدولة العقارية، نلاحظ وجود عددٍ ملحوظ من العقارات المبنية وغير المبنية التي تملكها الدولة، والمسجّلة في السجلات العقارية تحت أسماء وزارات، أو مصالح، أو مديريات تُعنى بالسكن. ,يتبيّن، بعد تحليل البيانات، وجود ٦٥٠ عقاراً – غالبيتها من النوع «المُلك» – تتوزّع على الشكل التالي: ٥١٢ عقاراً مسجّلاً باسم المصلحة الوطنية للتعمير وإدارة التعمير؛ 59 عقاراً مسجّلاً باسم وزارة الإسكان والتعاونيات؛ 50 عقاراً مسجّلاً باسم المساكن الشعبية؛ 28 عقاراً مسجّلاً باسم مصلحة الإسكان؛ عقاراً واحداً مسجّلاً باسم المؤسسة العامة للإسكان. كافة هذه المؤسسات – ما عدا المؤسسة العامة للإسكان – مؤسسات ملغية لا وجود لها اليوم، وبالتالي بقاء عقارات مسجّلة باسمها في السجلات ما هو إلا إهمال في تحديث بيانات أملاك الدولة الخصوصية. والجدير بالذكر هنا هو أن كافة هذه العقارات أصبحت اليوم في عهدة المؤسسة العامة للإسكان. 
تخلو محافظات بيروت، وعكار، وبعلبك - الهرمل من أراضي الدولة المخصّصة للسكن، وتستأثر محافظة الجنوب بالنسبة الأكبر منها – حوالي ٥٢٪ من إجمالي عقارات الدولة السكنية –، تتبعها محافظة جبل لبنان بنسبة تعادل ٢٨٪.  أمّا على صعيد الأقضية، فتتركّز النسبة الأكبر من هذه الأراضي في قضاء جزين مع ١٨٣ عقار، ويتبعها قضاء صيدا مع ١٥٤ عقار، ومن ثم الشوف مع ١٠٠ عقار (أنظر/ي إلى الخريطة).

ففي أيّ سياق سياسي واجتماعي تملّكت الدولة هذه العقارات؟

 

زلزال ١٩٥٦: التعمير أوّل مشروع سكني للدولة

بدأ تدخّل الدولة اللبنانية المباشر في قطاع السكن في منتصف خمسينيات القرن الماضي، عندما أقامت، للمرة الأولى، مشاريع سكنية عامة، عُرِفت بالمساكن الشعبية. جاء هذا التدخّل كحلّ عرضته الدولة على مواطنيها لمواجهة موجات التهجير الجماعي التي أصابتهم تحت تأثير كوارث طبيعية. في عام ١٩٥٦، ضرب زلزال مدمّر قرى الشوف والجنوب، وأسفر عن وقوع مئات الضحايا وترك آلاف البيوت المهدّمة والمتصدعة. ولتعمير المناطق المنكوبة بالزلزال، تمّ إنشاء ”المصلحة الوطنية للتعمير“ بموجب قانون صدر في ٩ نيسان ١٩٥٦، وغايتها بحسب المادة الأولى من القانون ”تقديم المساعدات لمنكوبي الزلزال، ووضع تصميم لتعمير القرى والمنازل المهدّمة، واستملاك العقارات اللازمة للتعمير بما فيها المشاعات، والإشراف على التعمير وتنظيم التسليف له، وإعداد الدروس، وتقديم الإقتراحات للحصول على المال اللازم لتحقيق غاية المصلحة مع صندوق مستقلّ“. كما تمّ الاتفاق على تمويل ”الصندوق المستقل“ من خلال التبرعات والإعانات الواردة إليه، إضافة إلى ضرائب ورسوم جديدة فرضت خصيصاً لهذه الغاية تحت إسم ”ضريبة التعمير“. على أثر القانون، تمّ استملاك عقارات في 67 منطقة عقارية في مختلف المناطق التي أصابها الزلزال. وأنشأت المصلحة آلاف الوحدات السكنية والأبنية4 وباعتها إلى المتضررين بموجب عقود بيع مؤقتة، أو أسكنتهم فيها قبل تنظيم عقود بيع معهم، أو باعتهم عقارات ليبنوا عليها مساكن.5 لم يقتصر عمل المصلحة على الزلزال، ففي السنة نفسها، حصلت فيضانات متتالية لنهر أبو علي في طرابلس، فوضعت المصلحة خطة متعلقة بمعالجة هذه المشكلة، وكان الهدف منها التعويض على المتضررين الذين أمرت الدولة بهدم بيوتهم المتصدعة والواقعة على مجرى النهر، وبناء مدينة للمتضررين في ضواحي طرابلس تتألف من ٧٥ مبنى يضمّ كلٌ منها ٦ وحدات سكنية.6 لم تتمكّن المصلحة من تحقيق غاياتها بالشكل المطلوب، خاصة بعد ”تكليفها بمهمات إضافية غير مرتبطة بنتائج الزلزال“، نتيجة طرح هواجس في مجلس النواب، أبرزها طرح سامي الصلح الذي اعتبر أن  الفقراء الذين يعيشون في ”بيوت قذرة من تنك“ على حسب وصفه، والموظفين الذين يدفعون نصف راتبهم لتأمين السكن، يجب عدّهم من جملة المنكوبين، وبالتالي توفير المسكن اللائق لهم.7 كما سُجّلت العديد من الخلافات داخل إدارة مصلحة التعمير، إلى أن تمّ تعطيل عملها، من خلال المماطلة في منحها الأموال المطلوبة، إلى أن ألغيت في العام 1959.

 

١٩٦٥: مشاريع في صور وزغرتا وطرابلس استجابة للأزمة السكنية 

بعد إلغاء المصلحة، تعاقبت اقتراحات مشاريع لبناء مساكن اجتماعية. ففي العام ١٩٥٩، أنشئت ”إدارة التعمير“، وكُلّفت شركة الاستشارات الدولية ” دوكسياديس“ بإجراء دراسة حول وضع قطاع السكن والظروف المعيشية في لبنان، وكانت التوجيهات التي وردت من رئاسة الجمهورية في حينها إشكالية، بحيث أشارت بوضوح إلى ضرورة إخلاء ما سمّوها بـ "العشوائيات" وإزالة "أحزمة البؤس"، بدلاً من معالجتها من منظور تحسين أوضاعها ودمجها في المدينة. على أثره، وُضعَ اقتراح لبناء 15800 وحدة سكنية، تشمل 4500 وحدة لإعادة إسكان واضعي اليد، و2000 وحدة في المناطق الريفية، والباقي لإسكان موظفي الخدمة المدنية (1600 أسرة) ولسكان الضواحي.8 كما تضمّن الاقتراح عرض مواقع لبناء المساكن، وأنواع برامج السكن والخدمات المحيطة بها. لكن المشروع لم يبصر النور.  
عام ١٩٦٠، وُضع اقتراحٌ آخر لتأمين سكن بديل لسكان الأحياء الفقيرة عبر بناء 2500 وحدة سكنية، لكن المشروع لم يبصر النور كسابقه، ولم يتم البحث عن البدائل تحت حجة نقص التمويل.9 عام ١٩٦٢، صدر أوّل قانون خاص بالإسكان، أُنشئ بموجبه "مجلس الإسكان" التابع لوزارة العمل والشؤون الإجتماعية. شجّع القانون مشاركة القطاع الخاص في قطاع السكن، لتسهيل السكن للأسر اللبنانية الفقيرة وذات الدخل المحدود، إما عبر شراء منازل بشروط سداد مدعومة متوسطة وطويلة الأجل، أو توفير  إيجار وحدات سكنية لقاء بدلٍ "عادل"، أو تنفيذ مشاريع سكنية عبر خلق شركات لبنانية مشتركة. كانت مشاركة الدولة في هذه المشاريع محدودة في إطار تأمين الأرض أو التمويل. وقد وضعت أدوات أساسية كحوافز أمام المؤسسات والهيئات الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص مثل الصناديق المستقلة والنقابات والتعاونيات، لإغرائها بالمشاركة في المشاريع. وبالرغم من أن القانون كان من المفترض أن يشجّع القطاع الخاص على المشاركة في توفير السكن الميسّر، إلا أن هذا الأمر لم يتحقق، ولم يتم تشكيل شركات مشتركة، وبالتالي لم يتم إنشاء أيّة مشاريع سكنية في هذه المرحلة.
لاحقاً، في عام ١٩٦٥، حاول المشرعون تعديل هذا القانون، فألغيت الشركات المشتركة، وكُلفَ مجلس الإسكان بتنفيذ مشاريع سكنية تشترك فيها مؤسسات القطاعين العام والخاص، من خلال مناقصات، قروض، مساعدات، أو حوافز، كما تقرّر إنشاء صندوق مخصّص للإسكان.10 لكن الصندوق افتقر إلى الميزانية الكافية، ورفض القطاع الخاص بناء مساكن اجتماعية بهامش ربح منخفض. إنما تحت ضغط النقابات، وباعتبار أن إحدى العقبات الرئيسية في بناء مساكن ميسورة التكلفة كانت ندرة الأراضي وارتفاع ثمنها، أصدر البرلمان تشريعات تسمح للحكومة باستملاك أراضٍ ثم إعادة بيعها للأطراف الراغبة في البناء.11 وعلى أثره، تقرّر أن تسهل وزارة الأشغال والشؤون الاجتماعية بناء ٤٠٠٠ وحدة سكنية، نصف عددها لذوي الدخل المنخفض (أقلّ من 1800 ل.ل. سنوياً)، والنصف الآخر للطبقة المتوسطة والميسورة (دخل أقلّ من 12000 ل.ل. سنوياً)، فبوشر ببناء ثلاثة مشاريع:

- ٢٠٠ مسكن في مدينة الميناء (طرابلس) لإسكان موظّفي معرض طرابلس الدولي والأشخاص من ذوي الدخل المحدود12

- ٩٦ مسكن في صور، فبدءاً من العام 1960، تزايدت فرص العمل في المدينة بعد عودة المغتربين واستثمارهم فيها، فجذبت سكان من القرى المحيطة، وظهرت الحاجة إلى مساكن إضافية لاستيعاب هذا العدد المتزايد من السكان (تحميل PDF لدراسة عن صور من موقع شربل نحاس)
- ٤٠٠ مسكن في إحدى ضواحي زغرتا.13

 

لم يتم الانتهاء من بناء كافة المساكن لأسباب عدة، وأُسقِط ما تبقّى من البرنامج،14إلا أن مجلس الإسكان كان يريد تنفيذ مشاريع أخرى بعد الانتهاء من الإجراءات اللازمة، وهي: استملاك 30 هكتاراً من الأراضي في ضاحية بيروت، و100 هكتار في مناطق أخرى، بهدف بناء 13000 وحدة سكنية. كما تمّ استملاك أراضٍ بمساحة 12 هكتاراً في المكلّس سنة 1975،15 بالإضافة إلى 15 هكتاراً في الحدث (ضاحية بيروت)، و5 هكتارات في حوش الأمراء (ضاحية زحلة)، وعقارات إضافية في صور وهبتها الدولة للمجلس.
 
اقتصر بناء مشاريع الإسكان الاجتماعي على تلك المرحلة، وغاب الحديث عنها بشكل جدّي بعد الحرب الأهلية، ليكون تأمين القروض السكنية لتملّك مساكن، الشغل الشاغل الوحيد تقريباً للمؤسسة العامة للإسكان القائمة حالياً. وبالتالي، نرى اليوم أنه من النادر أن تستملك الدولة عقارات جديدة بهدف الإسكان، لذا اقتصرت العقارات المخصّصة للسكن التي تملكها على العدد المذكور (650 عقاراً).16

 

سوء إدارة المشاريع السكنية: حي التعمير في صيدا مثالاً

على أعقاب زلزال 1956، خصّت المصلحة الوطنية للتعمير مدينة صيدا ومحيطها ببناء وحدات سكنية على عقارات استملكتها في المية ومية، والدكرمان، وصيدا القديمة. وكانت بلدية صيدا قد مارست ضغوطاً على المصلحة لتوسيع المشروع حتى يشمل، إلى  جانب المتضررين من الزلزال، كافّة سكان صيدا الراغبين بتحسين أوضاعهم السكنية.
انتهى المشروع في عام ١٩٦٨، وتسلّم الأهالي حوالي ١٢٠٨ وحدة سكنية توزّعت على الشكل التالي: 800 وحدة سكنية ضمن 54 مبنى في التعمير التحتاني الواقع ضمن الدكرمان التابعة لبلدية صيدا، و200 وحدة سكنية ضمن 13 مبنى في التعمير الفوقاني التابع لبلدية المية ومية، بالإضافة إلى 208 وحدة سكنية ضمن ما يُعرف بمنطقة الفيلات في المية ومية أيضاً. أما في نطاق مدينة صيدا القديمة، فبنيت 6 مبانٍ في محلة رجال الأربعين تحتوي على 45 وحدة سكنية.
 
شكّلت المباني الواقعة في منطقة المية ومية والدكرمان، وعلى تخوم مخيّم عين الحلوة، ما أصبح يُعرف اليوم بحي التعمير نسبةً لإسم إدارة مصلحة التعمير. كان على المهتمّين  باستلام مسكن في هذا الحي تقديم طلب لمصلحة التعمير (ولاحقاً لمجلس الإسكان بعد إلغائها)، على أن يُدفع سعر المسكن المخفّض بالتقسيط على مدى سنوات طويلة، وبناءً عليه يتمّ إعطاء سندات مؤقّتة للسكان إلى حين دفع المبلغ المطلوب كاملاً. إلا أن الدولة توقّفت عن قبض مستحقاتها عام 1975 مع بداية الحرب، إذ كان للتطورات الأمنية والسياسية والاختلالات المالية المتكرّرة تداعيات مباشرة على مدينة صيدا، حالت دون محاولات جدية لمتابعة فرز المساكن بشكل نهائي. إضافةً إلى ذلك، وضع التنظيم المدني سنة 1967 مخططاً توجيهياً لمدينة صيدا،17 شمل منطقة التعمير دون أن يلحظ وجود هذه المباني. وبالتالي زاد هذا المخطط، في حينها، التعقيدات أمام حصول قاطني البيوت على سندات ملكية بيوتهم. هذا فيما يتعلق بالسكان الذين دفعوا بعض أو كامل مستحقاتهم ولم يحصلوا على سندات بعد. غير أن الزلزال لم يكن الكارثة الوحيدة التي أصابت صيدا، فلحقه طوفان للبحر تهدّمت على أثره بعض مباني الواجهة البحرية في المدينة التاريخية. فسكن المتضررون الذين خسروا بيوتهم، شقق التعمير دون تقديم طلبات.18 إضافةً إلى ذلك، شغلت عائلات كانت بحاجة إلى السكن الميّسر بعض المساكن وبعلم الإدارة، ولم تشغلها عنوة، إلا أنّ الإدارة آنذاك لم تنظّم لهم العقود. كل هذا أدّى إلى التأخير في متابعة إجراءات الحيازة نتيجة التفاوت الكبير في المبالغ المترتبة بين متضرري الطوفان من جهة، ومن كانوا بحاجة لسكن ميسر فسكنوا التعمير دون أن تؤمن لهم الدولة عقود من جهة، وبين من كانوا يملكون عقوداً من جهة أخرى.19 إضافةً إلى ذلك، يروي أحد سكان التعمير أنه يسكن حالياً في شقة اشتراها بموجب عقد بيع مصدّق لدى كاتب العدل من أحد الأشخاص، وأنّ هذا الأخير كان اشتراها بدوره من شخص آخر، أي أن البيع كان قد تكرّر لعدة مرات. خلق هذا الأمر له إشكاليات كثيرة لدى طلبه الحصول على سند التمليك، فبالنسبة للسلطات لا يزال المسكن يعود لشاغله الأول الذي يتعذّر الوصول إليه. أمّا إذا انتقلنا للحديث عن حجم الشقق داخل المشروع، فيروي شخص آخر قصته، عندما انتقل والده إلى الشقة التي يسكن فيها حالياً ومعه 8 أشخاص من العائلة وكانت مساحة المسكن لا تزيد على التسعين متراً مربعاً، ما دفعهم في حينه إلى إنشاء إضافات. كما يؤكد أنها حالة معظم ساكني التعمير، فلا يكاد يخلو منزل من الإضافات غير الرسمية أو حتّى البيوت الملحقة بالأبنية الأساسية وخاصةً في حال زواج أحد أفراد الأسرة. وفي هذا الإطار، يذكر القانون رقم 525 "تمليك عقارات المصلحة الوطنية للتعمير الملغاة" الصادر عام 2003 التالي: "أقدم عدد كبير من المواطنين وفي أماكن كثيرة على البناء على عقارات مصنفة حدائق أو مساحات ناتجة عن إفراز عقارات المصلحة الوطنية للتعمير الملغاة. ولا يمكن فرز وتمليك هذه العقارات من شاغليها علما أن إخلاء وهدم هذه الأبنية يثير مشاكل اجتماعية واقتصادية كبيرة في الوقت الحاضر". فتبرز معضلة جديدة هنا، مفادها أنّ الدولة تصدّق على مشاريع إفراز ومخططات من دون النظر إلى حاجات المنطقة وسكانها، أو التغييرات الناشئة عن الحروب أو الأزمات. 

تتعدّد القصص وتكثر مشاكل سكان حي التعمير لا سيما لناحية نقل الملكية النهائية للوحدات السكنية إلى أسماء ساكنيها الحاليين. اليوم، بات الحصول على سند التمليك صعب جداً، بحيث أنّه لا يُعطى إلا استثنائياً، أو بعد تدخّلات حزبية، ممّا يضع السكان في خوفٍ دائم من فقدان مسكنهم.20 أما عن وضع الحي، فهناك تدهورٌ واضحٌ في أوضاع المباني التي تظهر فيها المشاكل الإنشائية والتشقّقات، كما يشهد الحي تردّياً شديداً في وضع شبكات توزيع المياه والصرف الصحي، ناهيك عن أزمة النفايات، والإنارة، والكثافة السكانية الكبيرة الناتجة عن الإضافات غير الرسمية التي سبّبت ضيقاً في الطرقات. كما يعاني السكان من غياب مساحات للعب الأطفال أو لتنظيم لقاءات ومناسبات اجتماعية داخل التعمير الذي يكاد يخلو من المساحات العامة، لولا وجود حديقة عامة واحدة تحيط بها من الجهتين أتوسترادات تشكّل خطراً على الأولاد فيتفادون القدوم إليها.
في التعمير الفوقاني، على سبيل المثال، تتجاهل بلديّة المية ومية طلبات السكان الحياتية وحاجاتهم بحجة كونهم من الفلسطينيين، أو من أهالي صيدا، وبالتالي من غير ناخبيها. أمّا في التعمير التحتاني، فتمتنع بلدية صيدا عن تقديم أي خدمات للسكان دون الحصول على تنفيعات، بحسب ما جاء على لسان أحد السكان. كما يعاني المشروع السكني من غياب إدارة رسمية له، فيما تتنصّل السلطة المحلية من مسوؤلياتها البديهية.

 

الإسكان العام في صلب الخطاب حول السياسات الوطنية

يلخّص المشهد السكني في حي التعمير ما وصل إليه الواقع السكني من تعقيدات متفاقمة داخل كل المشاريع السكنية للدولة، والتي أنشأتها بين الخمسينات والسبعينات على أراضٍ تملكها أو استملكتها. من يطّلع على حقيقة هذا المشهد يرى أن غالبية سكان هذه المشاريع مرغمة على البقاء في مساكنها، رغم ما تواجهه من مصاعب وشقاء لأن توفّر البديل محكوم بشروط مادية باهظة أو بشروط أخرى إجتماعية أو سياسية. من هنا تأتي أهمية الحديث عن هذه المشاريع، والبحث عنها، ودعم سكانها في الدفاع عن حقوقهم المسلوبة. كما لا بد من الضغط من أجل وضع آلية لتأهيل هذه المساكن للمحافظة على استدامتها، بالإضافة إلى العقارات غير المبنية التي تملكها مؤسسات الدولة الإسكانية والتي قد تكون جزءاً من استراتيجية لحلّ الأزمة السكنية الحالية وتأمين السكن الميسّر. في واقع الأمر، تشكّل هذه المشاريع نقطة انطلاق "ملموسة" باتّجاه وضع الإسكان العام في صلب الخطاب حول السياسات الوطنية، في مقاربة جديدة تفهم تجليات هذه المشاريع في السياق المحلي وتشرح إشكالياتها المختلفة. 

 

 

  • 1. Pierson, Christopher (1991). Beyond the Welfare State?: The New Political Economy of Welfare. Pennsylvania State University Press
  • 2. بحسب زياد أبو الريش (أستاذ مساعد لمادة تاريخ الشرق الأوسط في جامعة أوهايو، ومحرر مساعد في مجلة جدلية الإلكترونية)
  • 3. لتفاصيل إضافية مراجعة مقال استديو أشغال عامة بعنوان "عن غياب سياسات الدولة الإسكانيّة: قوانين متفرّقة وتدابير مؤقّتة"
  • 4. عام ١٩٥٧، كان قد تمّ بناء "ما يزيد على ٨٠٠٠ بيت جديد، وتصليح ما يزيد على ١٣٠٠٠ بيت آخر، وشق ما يقارب ١٨٠ كلم من الطرق وبناء بيوت أخرى لحساب الدولة وعلى استملاكات الخ." بحسب المدير العام للمؤسسة العامة للإسكان المهندس روني لحود.
  • 5. بحسب كلمة ألقاها المدير العام للمؤسسة العامة للإسكان المهندس روني لحود خلال حفل وضع حجر الأساس للبيت البلدي في أنان في تموز ٢٠١٩.
  • 6. لتفاصيل إضافية عن مشاريع الدولة السكنية في طرابلس، الاطلاع على مقال لاستديو أشغال عامة بعنوان "طرابلس: نكبة مشاريع إسكان غير مكتملة"
  • 7. مقال لرازي أيوب بعنوان: "مصلحة التعمير لإعادة إعمار ما خلّفه زلزال وفيضان 1956: معارك انتخابية وحسابات زبائنية حول الحق في السكن"، نشر في العدد 60 من مجلة المفكرة القانونية، حزيران ٢٠١٩.
  • 8. Verdeil, É. 2010. Chapitre 11 - L’État et l’urbanisme à la veille de la guerre civile. In Beyrouth et ses urbanistes : Une ville en plans (1946-1975). Beyrouth : Presses de l’Ifpo
  • 9. Nation-building and Housing Policy: A Comparative Analysis of Urban Housing Development in Kuwait, Jordan, and Lebanon, Rula Muhammad Sadik, 1996
  • 10. موارده مستمدة بشكل أساسي من اعتمادات الميزانية، وحصة ٢٥٪ من الرسوم المخصصة للهيئة الوطنية لإعادة الإعمار، و٥٠٪ من عوائد المشاريع الاجتماعية المستمدة من كازينو لبنان.
  • 11. Nation-building and Housing Policy: A Comparative Analysis of Urban Housing Development in Kuwait, Jordan, and Lebanon, Rula Muhammad Sadik, 1996.
  • 12. مشروع المساكن الشعبية. لكن الدولة أوقفت العمل بالمشروع عام 1975 مع اندلاع الحرب الأهلية، فبقيت المساكن دون توريق، طرش ودهان. وبعدها أتت إلى المساكن مئات العائلات التي انخرطت في ترتيبات غير رسمية من أجل الاستحواذ على السكن فيه.
  • 13. منطقة "المساكن"، كذلك أوقفت الدولة العمل بالمشروع في منتصف السبعينيات، فانتقلت إليه العائلات من المدينة القديمة والقرى الحدودية المحتلّة.
  • 14. Nation-building and Housing Policy: A Comparative Analysis of Urban Housing Development in Kuwait, Jordan, and Lebanon, Rula Muhammad Sadik, 1996.
  • 15. كان من المقرر أن تستوعب 1028 أسرة وكان فريق دوكسيادس مسؤولاً عن تطوير مشروع تجريبي لـ 72 وحدة سكنية.
  • 16. عام ١٩٧٣، وضعت الدراسات التمهيدية للمشروع الإسكاني في حوش الأمراء والذي كان يشمل بناء نحو ٤٠٠ مسكن ولكن سرعان ما تبخرت الآمال بتنفيذ هذه الخطة إذ أقر المعنيون أنه لا يمكن تمويلها إلا من القطاع الخاص "وهو ما تعذر تنفيذه بسبب تحديد فائدة بسيطة لرؤوس الأموال التي أجيز لها تمويل المشاريع وإصرار الحكومة على عدم ضمان هذه التثميرات".
  • 17. إستناداً إلى مخطط المهندس الفرنسي ايكوشار في العام 1956.
  • 18. بحسب المشاركين في لقاء نظمّه استديو أشغال عامة مع سكان مشروع التعمير في مدينة صيدا بتاريخ 2 كانون الأول 2021.
  • 19. بحسب القانون رقم 525 تاريخ 16/07/2003
  • 20. مع العلم أن المؤسسة العامة للإسكان أعلنت، في ٢٣ آب ٢٠١٩، أن جميع سندات الملكية لعقارات المصلحة الوطنية للتعمير في مناطق صيدا القديمة – الدكرمان والمية ومية قد أنجزت. وأن تمليك هذه العقارات لشاغليها أصبح ممكناً.