طرابلس: نكبة مشاريع إسكان غير مكتملة

12 April 2022
المقال الثالث ضمن إطار مشروع بحثي بعنوان "طرابلس: مَن سلَبَ منّا الأرض؟"
 

كتابة: كريستينا أبو روفايل 
بحث: ريان علاءالدين، تالا علاءالدين، عبير سقسوق، نادين بكداش 

 
سنة ١٩٧٦، انتقل خالد وعائلته إلى المساكن الشعبية التي شكّلت له ملجأً ومأوىً بعد هربه من مجزرة تلّ الزعتر. نمت عائلته مع الوقت وبغياب قدرته على شراء منزل ثانٍ، أُجبر على الانتقال مرةً أخرى الى خارج الحيّ. سكنت اكتمال مع زوجها الذي دفع بدلاً للحصول على منزل في المساكن الشعبية، كما أجرى تعديلات مختلفة على المنزل. تروي اكتمال كيف ازدادت الكثافة السكانية في الحيّ بشكل ملموس مع ارتفاع أعداد المساكن، نتيجة إضافات تدريجيّة وغير رسمية على المباني لاستيعاب زيادة حجم الأسر أو لاستقبال القادمين الجدد. استدّل شادي، مستأجر من الجنسية السورية، على المساكن الشعبية من خلال أقاربه، وهو اليوم يسكن فيها منذ حوالي ١٠ سنوات وينتقل ضمنها من منزل إلى آخر بسبب رفع بدلات الإيجار فيها. بجواره، تسكن عائلتان في بيتٍ واحد. انتقلت إحداهما إلى الميناء بعد بداية الثورة في سوريا، ثمّ إلى التبانة، ثمّ إلى الحارة الجديدة إلى أن وصلت إلى المساكن، واستأجرت فيها غرفاً مبنية على جزءٍ من أرض كانت حديقة سابقاً وبُنيت عليها مجموعة من الغرف بالتزامن مع ازدياد أعداد اللاجئين السوريين في لبنان. هكذا أيضاً كانت حالة عائلة سورية أخرى انتقلت من منطقة ضهر العين إلى حيّ التنك قبل أن تستقرّ أخيراً في غرفة واحدة كانت سابقاً جزءاً من معمل، على أطراف المساكن. 

ما يجمع هؤلاء اليوم إلى جانب الهشاشة السكنية، هو الوضع المتدهور للمساكن الشعبية، من بنى تحتية معطلة (أبرزها شبكات الصرف الصحي) أو من تسرّب مياه الأمطار إلى داخل المنازل عبر الأسقف المؤلّفة أحياناً من ألواح "إترنيت". بين الفينة والفينة، يضطرّ هؤلاء السكّان إلى القيام ببعض أعمال الترميم والتصليح بأيديهم حتى يتمكّنوا من الاستمرار في العيش في هذا المشروع السكني الذي بنته الدولة اللبنانية على أراضٍ تملكها، والذي يقع على عاتقها أعمال صيانته. 

"المساكن الشعبية" هي أحد أبرز المشاريع السكنية التي بَنتها الدولة في طرابلس. في واقع الأمر، لا يمكن التغاضي عن قيمة الأراضي التي خصّصتها الدولة للسكن ضمن المدينة، أي التي استملكتها، أو استعملتها لبناء مشاريع سكنية، لدورها في تأمين السكن الميّسر من جهة، ولقدرتها على عكس سياسات الدولة الإسكانية ومقاربتها للحق بالسكن. نتطرّق اذاً، من خلال هذا المقال، إلى موضوع أملاك الدولة التي خُصصت عبر التاريخ لبناء مشاريع سكنية  في طرابلس. سوف ننظر بدايةً إلى مختلف أنواع أملاك الدولة في طرابلس والميناء والبداوي، ثمّ نتناول تاريخ بناء المشاريع السكنية فيها، لنتعمّق أخيراً بمشروع المساكن الشعبية ووضعها الراهن والإشكاليات المحيطة بها.

 

تاريخ من الإخفاق في المشاريع السكنية

تتراكض أطراف السلطة الحاكمة لطرح قوانين خصخصة أملاك الدولة، محاولةٍ في الوقت عينه تظهيرها طريقاً وحيداً لإنقاذ الدولة من الإفلاس. لكن هذه الأملاك بالذات تكتسب قيمةً، أكثر من أي وقت مضى، خلال الأزمات الاقتصادية. فأملاك الدولة العقارية هي ما يشكّل بيئتنا الطبيعية والتنوّع الإيكولوجي المطلوب لاستمرار الحياة من جهة، ومصدر رزقٍ وسكن لشريحةٍ واسعة من الناس من جهة أخرى، مرتبطة في الحالتين، بطُرقِ حياتنا وانتمائنا وممارساتنا الثقافية. فأين أراضي الدولة العقارية في طرابلس وما هي استخداماتها؟

تملك الدولة اللبنانية 481 عقاراً في مدينة طرابلس، يقع أغلبها في منطقتي بساتين طرابلس والزيتون العقاريتين.1 أما في مدينة الميناء، فيصل عدد عقارات الدولة إلى 94 عقاراً، 60% منها ضمن نطاق منطقة بساتين الميناء العقارية. وأخيراً بالنسبة لعقارات الدولة في البداوي، فيبلغ عددها الإجمالي ٣٥ عقاراً. العدد الأكبر من هذه العقارات مسجّل بإسم بلديتي طرابلس والميناء، وبإسم مجلس تنفيذ المشاريع الإنشائية – وهو مجلسٌ أُلغي وأصبحت عقاراته منضوية تحت إدارة مجلس الإنماء والإعمار–، كما أن عدداً ملحوظاً منها مسجّلٌ بإسم مصلحة معرض لبنان الدولي الدائم. يمكن ربط استملاك معظم هذه العقارات بتنفيذ مشاريع تطوير الواجهة البحرية، وإنشاء المعرض الدولي – الذي يُعرف اليوم ب"معرض رشيد كرامي"–، بما يتماشى مع الرؤية التي رُسمت للمدينة بشقّيها النهري والبحري (الميناء) بداية من الخمسينات والستينات. كما أن عدداً منها ناتج عن مشاريع الضم والفرز التي أتاحت حصول الدولة على ٢٥٪ من مساحة الأراضي الإجمالية الخاضعة للضم والفرز ضمن المدينة.2

والملفت بشكلٍ خاص في هذا السياق، هي العقارات التي استُملكت أو تمّ استعمالها لبناء مشاريع سكنية في طرابلس والميناء والبداوي. بالفعل، بالنظر إلى خريطة توزّع أراضي الدولة المخصّصة للسكن في لبنان - في سياق بحث أجراه استوديو أشغال عامة عن أملاك الدولة انطلاقاً من بيانات وزارة المالية - نجد أنّ طرابلس تحوي عدداً لا يُستهان به من هذه الأراضي، مقارنةً مع باقي المناطق والمدن اللبنانية. 

 

١٩٥٦: المنكوبين في البداوي

لم يكن مشروع المساكن الشعبية الذي نتناوله في هذا المقال، المشروع الوحيد الذي أنجزته الدولة في طرابلس كمحاولة لتأمين مساكن للطبقة المفقّرة من المعوزين وذوي الدخل المتواضع والمحدود. في عام ١٩٥٦، ضربت عدّة كوارث طبيعية لبنان: فيضان نهر أبو علي في طرابلس وزلزال ضرب قرى الشوف والجنوب، وبالتالي صبّت المساعدات الماليّة والتقنية من الدول المجاورة والأمم المتحدّة في عملية إعادة الإعمار. فتمّ إنشاء "المصلحة الوطنية للتعمير" للمباشرة بإعادة الإعمار، وتّم التخطيط لبناء ضاحية لطرابلس تضمّ ٧٥ مبنى. كانت الكوارث الطبيعية المزدوجة التي ضربت المناطق اللبنانية بما فيها طرابلس، هي السبب الأساسي لمحاولة توفير السكن الفعلي هذه.

تُعرف هذه الضاحية اليوم بالمنكوبين، وهو حيّ على أطراف طرابلس سُميّ بالمنكوبين نسبةً إلى حال سكّانه الذين نكبهم طوفان النهر، وتعود ملكية أراضيها لمصلحة التعمير في الدولة اللبنانية وجزءٌ منها لشخص من آل أبو جودة. كانت المنطقة تتألّف من مبانٍ لإيواء الضباط الفرنسيين. بعد الفيضان، سمحت الحكومة للمتضرّرين3 بالانتقال إلى هذه المنطقة، وبدأت ببناء مساكن إجتماعية لهم. تمّ منح الناس الإذن بالانتقال، قبل اكتمال بناء هذه المساكن. منذ ذلك الحين، عمل السكان على إضافة مبانٍ على الحي، ممّا جعل السلطات تعتبر غالبية المباني في المنطقة غير قانونية. وتتوزّع المباني غير الرسمية في المنكوبين ما بين ٧٠% على الملك العام و٣٠% على الملك الخاص (سماحة، ٢٠١٥). يواجه سكان المنكوبين اليوم عدداً من التحدّيات، منها الافتقار إلى البُنى التحتية والخدمات الأساسية لمعيشة كريمة، بسبب غياب الدولة وتقاعس السلطة السياسية. معظم سكان الحي هم من مفقّري طرابلس أو من أبناء الضنية وعكار وهم غير مسجلين في سجلات الناخبين في البداوي.

 

١٩٧١: المساكن الشعبية في الميناء

خلافاً للمشروع السابق الذي أتى كردة فعل على كوارث طبيعية، حاولت الحكومة عام ١٩٦٢ اتخاذ إجراءاتٍ استجابةً لأزمة السكن المتصاعدة، وأصدرت تشريعاً لهذه الغاية. وفي عام ١٩٦٥، كُلّفَ مجلس الإسكان في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بتنفيذ مشاريع سكنية، كما أصدر البرلمان تشريعات تسمح للحكومة باستملاك أراضٍ لبناء مساكن شعبية. كان من المقرّر أن تسهّل وزارة الأشغال والشؤون الاجتماعية بناء ٤٠٠٠ وحدة سكنية نصفها لذوي الدخل المنخفض، والنصف الآخر للطبقة المتوسطة والميسورة (صادق، 1996). كان لطرابلس حصة من هذه المساكن، حيث تمّ في عام ١٩٧١ بناء ١٩٧ منزلاً فيها وهو ما يعرف اليوم بالمساكن الشعبية والتي سنتناولها لاحقاً في هذا المقال.

 

٢٠٠٥: مشروع القبة السكني في طرابلس

أما بعد نهاية الحرب، فكان الاستثمار الحكومي الوحيد في قطاع السكن يتعلّق بمشروع إعادة الإعمار بقيادة الصندوق المركزي للمهجرين في منطقة القبة، بهدف إعادة بناء منطقة مدمرة جزئياً خلال الحرب. كانت النية في البداية تخصيص تعويضات مالية للخسائر المتكبّدة بسبب التهجير القسري، لكن بسبب كثرة المخالفات، طُرحت فكرة بناء بدائل عن المساكن المفقودة. ارتبط الحجم الكبير للمشروع بالحاجة إلى تأمين مساكن للمهجرين ولكن أيضاً بمنطق الحصول على التمويل من المنظمات غير الحكومية والمانحين العرب، إضافةً إلى مصلحة الجهات السياسية القائمة مع شركات البناء الكبيرة،4 ولتعزيز موقع رفيق الحريري السياسي بين أبناء الطائفة السنية في طرابلس. بناءً على المرسوم رقم ٨٣٥٩/١٩٩٦ اعتُبرت الأشغال العائدة لمشروع إعادة إعمار المنطقة الواقعة بين باب التبانة والقبة في مدينة طرابلس، من المنافع العامة، واستُملك ١٩٢ عقاراً لهذه الغاية.5 تمّ تطوير المشروع في العام ٢٠٠٥ وتم تسويقه على أنه تدخّلٌ لإعادة توطين سكان المنطقة المهجّرين من ذوي الدخل المنخفض . بذلك، رحّب السكان به لأنه كان يهدف إلى خلق فرص عمل بالإضافة إلى تأمين مساكن جديدة لطبقة اجتماعية مفقّرة.

عُرف المشروع بمشروع القبة السكني أو مشروع الحريري6 وهو يتكوّن من ٦٥ مبنى (٧٧٨ شقة) ويتراوح عدد الطوابق فيه من ٥ إلى ٨ طوابق، كما يتضمّن مبانٍ مخصّصة للخدمات العامة. غير أنّ تخطيط المشروع من حيث التصميم، الحجم، عدد الطوابق، وغيرها، لم يأخذ بعين الاعتبار الممارسات الاجتماعية للفئات التي صُمِّم لإيوائها، وهم متضرّرون من فئة اجتماعية محدودة الدخل عاشوا سابقاً في منازل مؤلّفة من طابقين، اعتادوا على تكوين علاقة مباشرة مع الحيز الخارجي والنشاطات الاقتصادية التي تنشأ فيه، على عكس المباني المرتفعة التي تمّ نقلهم إليها. 

كان سكان هذه المنطقة هم المستهدفون بشكلٍ أساسي في هذا المشروع وتمّ تسميتهم بـ"أصحاب الحقوق". كان من المقرر سداد تكلفة الشقق بسعر مدعوم،7 على شكل قرض ميّسر على مدى ٢٠ سنة. أُعطيت الناس التي تملك حقوق شققاً، كما أصبح لهم أفضلية شراء شقق إضافية لأولادهم مع تسهيلات في الدفع، وتمّ بيع بعض الشقق في السرّ. لكن عدداً كبيراً من الأسر تخلّف عن سداد الأقساط الشهرية، ممّا أدّى إلى تعرّض إقامتهم في المشروع للخطر. وخلال سنوات النزاعات العنيفة بين جبل محسن وباب التبانة، بين ٢٠٠٨ و٢٠١٤، انتقلت مجموعة من الذين تهدمت منازلهم على إثر هذه النزاعات، إلى بعض الشقق غير المسكونة في مشروع القبة، البعض منهم كان الجيش اللبناني قد جلبهم إلى المشروع للاحتماء. كانت الدولة في طور عملية بيع الشقق التي شغلها المهجرون بشكل غير رسمي وبالتالي وضعت الساكن المستجدّ والمالك الجديد في مواجهة مع بعضهم البعض، ممّا هدّد المهجرين بالإخلاء والتهجير من جديد.8 يقف المشروع اليوم وبعد أكثر من عقد على اكتمال بنائه، متداعياً ومعطلاً، بواجهات مدمّرة، وطلاء باهت، ونوافذ محطمة، دون إنارة وبمصاعد خارجة عن الخدمة، ببنية تحتية متدهورة، ومساحات عامة غير صالحة للخدمة بسبب تراكم النفايات بعد سنوات من الإهمال ونقص واضح في الصيانة، نتيجة إهمال الصندوق المركزي للمهجرين والبلدية للمشروع.9

 

٢٠٠٩: مشروع خان العسكر

أخيراً، يجدر الإشارة إلى التجربة التي قامت بها بلدية طرابلس من خلال إخلاء خان العسكر10 من مهجري نكبة فيضان نهر أبو علي وإعادة توطينهم في مساكن اجتماعية مستحدثة لهم بهدف ترميم الخان. بين عامي ٢٠٠٩ و٢٠١١ تمّ تنفيذ هذه التجربة كجزء من مشروع الإرث الثقافي والتنمية المدينية في طرابلس، وقد تمّ تمويل مشروع إعادة الإسكان من خلال البنك الدولي ومن خلال تمويل محلي. وقد كان مجلس الإنماء والإعمار، من خلال الوحدة الإدارية في المشروع، المسؤول عن متابعة تنفيذ خطة النقل بالتعاون مع بلدية طرابلس. كان المشروع عبارة عن ثلاث بلوكات -تحتفظ البلدية بملكيتها- بُنيت شمال الخان على أرض تملكها البلدية. مُنحت العائلات فيها شققاً، وفقاً لعقد إيجار موّقع بين المستفيدين وبلدية طرابلس، ببدلات إيجار منخفضة\رمزية (٥٠٠ ل.ل. للمتر المربع في الشهر)، مدى الحياة،11 ومن المفترض أنّ يتمّ استعمال المال الآتي من عملية جمع الإيجار من أجل صيانة المبنى. تُشكل هذه العملية سابقة في قطاع السكن الشعبي أو الاجتماعي في لبنان، حيث موّلت الدولة والجهات المانحة بيوتاً سكنية بترتيبات ميّسرة. إلا أن المشروع حمل معه عدداً من الإشكاليات. فقد كان الهدف تحويل الخان إلى موقع أثري خالٍ من الناس وخارج إطار استخداماتهم (سكن، تجارة، إلخ.)، بدلاً من ترميمه وإبقاء السكان فيه، مع منحهم حقوق الحيازة. وقد اعتبر بعض السكان أنّ انتقالهم من الخان أشبه بانتزاع لهويتهم حيث كان الخان جزءاً من حياتهم وذكرياتهم بالرغم من الظروف السكنية السيئة فيه، خاصة وأن شكل الخان سمح بممارسات مكانية-اجتماعية لم تكن ممكنة في البيوت الجديدة، كما أضاف هؤلاء أنّ البلدية تمنعهم من التصرف بحرية داخل المساكن الجديدة التي انتقلوا إليها. بينما عبّر البعض الأخر عن عدم رغبتهم بالعودة إلى الخان خصوصاً وأنّهم كانوا يعيشون في غرفة واحدة مع حمام ومطبخ مشتركَين بين عدّة عائلات، وأصبحوا يعيشون في بيت مستقلّ مؤلّف من عدّة غرف. ورأى البعض الآخر أن البلدية لم تكن منصفة في توزيع المساكن بحسب حجم الأسر.12 كما كان من المفترض أن يُبنى المشروع قُرب مجرى نهر أبو علي على أراضٍ عامة، إلّا أن الدولة اضطرت إلى استملاك عقارات أخرى لبناء المشروع السكني بسبب سيطرة أحدهم على الأراضي المفترض البناء عليها. 

 

عندما تختفي "المساكن الشعبية" عن أجندة الدولة 

كما ذكرنا سابقاً، وفي إطار خطة اعتمدها مجلس الإسكان في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، تتعلّق بتنفيذ مشاريع سكنية في المناطق اللبنانية نصفها لذوي الدخل المنخفض، والنصف الآخر للطبقة المتوسطة والميسورة، أقرّت هذه الوزارة بناء ٢٠٠ مسكن في مدينة الميناء على أراضٍ تملكها الجمهورية اللبنانية13 بهدف بيع المساكن بالتقسيط لإسكان موظّفي معرض طرابلس الدولي والأشخاص من ذوي الدخل المحدود. وفي ٢٥ آذار ١٩٧١ وضع الحجر الأساس لهذا المشروع. تقع هذه المساكن بين كورنيش الجامعة العربية والحرش، وكانت تتألّف في البداية من طابقين، يتمتّع فيها الطابق الأرضي بحديقة أمامية وأخرى خلفية. نتيجة الأحداث التي بدأت في ١٣ نيسان ١٩٧٥ توقّفت أعمال هذا المشروع، بعد تشييد ١٩٧ مسكن وشق الطرق، بحيث لم يبقى سوى التوريق والطرش والدهان.

منذ آب ١٩٧٥، بدأت مجموعة من العائلات بالتوجّه إلى المساكن التي كانت شاغرة، وأهّلتها للسكن دون تنظيم رسميّ. أتى بعض السكان الأوائل من خارج المدينة خلال الحرب الأهلية وحرب التوحيد ومجازر تل الزعتر، وبعضهم الآخر أتى من الأحياء القريبة في الميناء كالحارة الجديدة وحي رأس الصخر أملاً بتحسين مستوى معيشتهم، لتردّي الظروف السكنية في الأحياء الأخرى من المدينة. بالنسبة للحارة الجديدة التي تجاور المساكن الشعبية ولا تبعد سوى نصف كيلومتر، فقد كانت تفتقد للطرقات وشبكات المياه والصرف الصحي السليمة. ممّا يعني بأن الانتقال من الحارة الجديدة إلى المساكن الشعبية كان بمثابة تحسين للوضع السكني، خصوصاً وأنَ المساكن الشعبية تميّزت بتصاميم أكثر جهوزية، فتألّفت أساساً من غرفتي نوم أو ثلاث، حمامين، مطبخ، صالون، وشرفتين أو حديقتين في الطابق الأرضي. كما انتقل البعض من الحارة الجديدة إلى المساكن الشعبية - والتي أصبح الحصول على المسكن فيها سهلاً من خلال وضع اليد - للتخلّص من عبء بدلات الإيجار التي كانوا  يدفعونها في الحارة الجديدة.

استكملت العائلات بناء المساكن على طريقتها، وحوّلتها لتستوعب عدداً أكبر من العدد المخطط له من السكان، وانتشرت المحال التجارية والمؤسسات المختلفة والمصانع والمعامل، كما تم بناء مساكن إضافية معظمها من التنك وأُضيفَت طوابق على المباني الموجودة. هكذا نشأت هذه الضاحية في الميناء وبدأت بالتوسع حتى وصل عدد المساكن المعروفة بـ "المساكن الشعبية" إلى ٣٠٠ مسكن في التسعينيّات، وفق رئيس بلدية الميناء، إذ أنّ غالبية المساكن قُسمت إلى شقتين أو ثلاث لإسكان الأبناء عند زواجهم، أو للإستثمار. بذلك، يمكن ملاحظة اختفاء معظم الحدائق من أمام بيوت المساكن الشعبية لبناء الشقق والمحلات المسقوفة بالتنك (الزنك) أو الإترنيت. اليوم، تعيش في المساكن مئات العائلات التي انخرطت في ترتيبات استحواذ على السكن غير رسمية. استمرّت الكثافة السكانية بالارتفاع وترافق ذلك مع تضاؤل المساحات التي يمكن البناء فيها. 

ومن الجدير بالذكر أنّ الحي شهد ارتفاعاً كبيراً في الكثافة السكانية مع قدوم اللاجئين السوريين إلى لبنان بعد بداية الحرب في سوريا، حيث زادت الوحدات السكنية حوالي ١٠٠ إلى ١٢٠ وحدة، أولاً عبر تقسيم المنازل الموجودة لإسكانهم، من ثمّ عبر بناء وحدات جديدة. فقد استغلّ من لديه القدرات المالية الأزمة السكنية وقام ببناء غرفٍ جديدة على أراضٍ غير مشغولة أو غير مبنية في محيط المساكن الشعبية، إن كانت هذه الأراضي ملك الدولة أو أراضٍ خاصة. بادر الشيخ ماهر العبوشي ببناء أوّل غرفة عندما وجد عائلة سوريّة مشرّدة، وكان الهدف من ذلك إيوائها. وبحسب الشيخ العبوشي، تعرّض للتغريم ولدعوى قضائية بسبب بنائه هذه الغرفة، لكن لم يمنعه ذلك من بناء عدّة غرف لاحقاً، قام بتأجيرها والاستفادة منها. كما أنّه لم يكن الوحيد الذي خطى هذه الخطوة، فقد قام حرب العبوشي وفاطمة حمادة التي كانت تبني وتبيع باستمرار، بتشييد غرف لإسكان اللاجئين السوريين. لم يتعرّض هؤلاء أو غيرهم للتغريم لأنّ المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) رعت هذه العملية، كما قامت بتوزيع الشوادر لسقف المنازل وقامت جمعيّات أخرى ببعض أعمال الصيانة أو قدمت المساعدة من خلال دفع بدلات الإيجارات عن اللاجئين، أو عبر المساعدة الجزئية في تكاليف الطبابة. 

حالياً، يعاني سكان حي "المساكن الشعبية" الواقع على الواجهة البحرية لمدينة الميناء، من مشاكل عدة، من كثافة سكانيّة كبيرة وانعدام في الخصوصية، إلى تردٍّ في شبكات البنى التحتية خصوصاً شبكات المياه والصرف الصحي والاتصالات، وأزمة نفايات من وقت لآخر، وتدهور أوضاع المباني وظهور المشاكل الإنشائية والتشققات، إضافةً الى الإهمال والرطوبة وعدم توفّر الشروط الصحية للسكن. علاوة على ذلك، وبحسب أحد سكان المساكن الشعبية، جرت محاولتان لشراء منازل سكان المساكن وإخراجهم منها، الأولى من قبل وليد العبوشي والثانية من قبل رفيق الحريري - بمساعدة عمر كرامي - الذي كان يرغب بضمّ المساكن لمشروع ضخم مرتبط بالكورنيش. كانت الخطة حينها قائمة على نقل سكان المساكن إلى مشروع القبة. لكن السكان رفضوا بسبب عدم رغبتهم بالانتقال إلى مشروع القبة السكني وطبيعة المساكن والمباني المؤلفة من عدة طوابق التي لا تتناسب مع ما اعتادوا عليه.

في ظلّ غياب الخدمات وأعمال الصيانة عن هذا المشروع -باستثناء إحصاء لعدد سكان المساكن أجرته بلدية الميناء على مشارف عام ٢٠٠٠- تعلو مناشدات الأهالي بشكلٍ دائم من أجل إيجاد الحلول المناسبة لمشاكلهم. لكن البلدية تتغاضى عن الاستجابة، وتمتنع عن تقديم أي خدمة لسكان الحي من منطلق عدم رغبتها بتشريع وجود مخالفين للقانون. فتمنع السكان عن صيانة مساكنهم وتحسينها وتتشدّد في منع إدخال مواد البناء إلى الحي لإجراء تعديلات أو لبناء مساكن إضافية، إلا خلال فترات معينة ، كخدمات انتخابيّة أو في حالات استثنائية خدمةً لعائلاتٍ كبيرة أو لمتنفّذين.

 

نحو إعادة تعريف دور الدولة في تأمين السكن الميّسر

تمارس الحكومات التدخّل في قطاع السكن بطرق متنوعة تشكّل الإطار العام للسياسة السكنية في البلد. بين أربعينيات وسبعينيات القرن الماضي، برزت المشاريع الإسكانية كالسياسة الأكثر أهمية والأكثر وضوحاً للدول الرعائية في العديد من البلدان حول العالم. في لبنان - على الرغم من الالتزام الواضح بالسياسة الليبراليّة وتشجيع الإقتصاد الحرّ منذ العام ١٩٤٣، تشير "المساكن الشعبية" إلى أنّ لبنان خاض تجربةً ما مع مشاريع إسكانية عامة. لم تقتصر هذه التجربة على مدينة طرابلس. كما ذكرنا، قد لجأت الحكومات المتعاقبة في فترة ما بين عامي ١٩٥٦ و١٩٧٤ إلى بناء بعض المشاريع السكنية لإسكان ذوي الدخل المحدود أو إلى استملاك الأراضي بهدف الإسكان في عدد من المناطق اللبنانية. بقيت هذه المشاريع جزءاً من تدخّلات مُجتزأة في مجال السكن، قائمة على قوانين متفرّقة، أو كردة فعل على كوارث. كما تُركت للإهمال وربما فقدت مع الوقت وظيفتها الأساسية في تأمين سكن لائق للعائلات والأفراد. إنمّا ممّا لا شكّ فيه - في ظل الانهيار الاقتصادي والأزمة السكنية المتفاقمة - فإن هذه المشاريع قادرة على تشكيل نقطة انطلاق "ملموسة" كي نضع الإسكان العام في صلب الخطاب حول السياسات الوطنية، في مقاربة جديدة تستوعب تجلّيات هذه المشاريع في السياق المحلي وتطرح معالجة لإشكالياتها المختلفة، وتقدّم طرحاً طويل المدى لإدارتها وصيانة بناها التحتية - كما ظهرت الحاجة من خلال هذا المقال. أخيراً، فإن إنتاج مشاريع إسكان شعبي دون التفكير بكيفية إدارتها، ثم تجاهلها في أوقات المحنة والأزمات التي لطالما تعرّض الناس لها، ودفع سكّانها نحو الهشاشة، هو ممّا لا لُبس فيه، شكل من أشكال سلب الأرض وتغريب الناس عنها. 

 

 

  • 1. تستحوذ بساتين طرابلس على ٢٣٠ عقاراً وزيتون طرابلس على ١٧٤ عقاراً.
  • 2. مراجعة المقال الأول ضمن المشروع البحثي "طرابلس: من سلب منا الأرض؟" بعنوان "السكان في مواجهة مشاريع الضم والفرز: حيّ التنك في الميناء مثالاً"
  • 3. سكان طرابلس القديمة (من السويقة، القبّة، باب التبانة، الميناء، التلّ…)، انتقل جزء منهم الى خان العسكر وجزء آخر الى أرض مشاع للدولة، عُرفت بالمنكوبين وسكنت فيها ٥٠ عائلة. تمّ وضع هؤلاء في منازل تابعة للملك العام من دون أن يكون لهم الحق في التملك والبناء والتوريث وفقاً لأحمد الأيوبي، الناشط الحقوقي في طرابلس.
  • 4. تمّ تصميم المشروع من قبل شركة Spectrum المعروفة بتبعيتها لبيت الحريري وتم التعاقد مع شركة المقاولات العربية (ACC) لتنفيذه.
  • 5. منها ١٤٦ في منطقة القبة و٤٦ أخرى في تبانة.
  • 6. جرى تقسيم بناء المشروع على ثلاث مراحل. خلال تنفيذ المرحلة الثانية، وُضع المخطط العام للمشروع ضمن المخطط التوجيهي للمدينة، حيث تبيّن أنّ مباني المشروع تتجاوز حدود المدينة التاريخية بعد عبورها محيط الحماية. فعملت عدة جهات، بما في ذلك البلدية، على وقف المرحلة الثالثة لأنها تهدد تصنيف المدينة التراثي.
  • 7. كان سعر الشقة حوالي ٢٠ ألف دولار أميركي إضافةً إلى بعض التخفيضات.
  • 8. في هذه الظروف، عملت جمعية "SHIFT" على إنشاء "لجنة تحت السقف" المكونة من واضعي اليد واستطاعت هذه اللجنة وقف عملية بيع الشقق. كما أُسست لجنة ثانية سُميت "لجنة قلب المشروع" تضمّ "أصحاب الحقوق" والذين وضعوا اليد على بعض المساكن لادارة المشروع معاً وتحسين البنية التحتية فيه، في ظلّ غياب الدولة عنه.
  • 9. كان من المفترض أن يسلم صندوق المهجرين المشروع وينسحب. بعد ذلك تمّ انتزاع المصاعد، والانارة، فاجبر صندوق المهجرين أن يستمر ويتابع أعمال صيانة بالاتفاق مع البلدية على أن تستلم البلدية المساحات العامة.
  • 10. تمّ تنفيذ الخطوة ١ في القسم الأكبر من الخان وتمّت إعادة إسكان ٣٨ عائلة ونقل ٢٩ متجراً في المباني المبنية حديثاً (المجمعين (أ)و(ب)). أما الخطوة ٢، فتقضي بإعادة إسكان ٣٣ أسرة من القسم الثاني من الخان في المجمع (ج) المبني حديثاً. وأخيراً، تقضي الخطوة ٣ بنقل وحدة ٣٥ (متاجر ومخازن) من خارج الخان إلى المتاجر والمخازن الجديدة في المجمع (ج). تشمل هذه المتاجر المحلات والمخازن ال ١٠ الواقعة عند الواجهة الخارجية للخان الصغير.
  • 11. البيوت تكون ملكاً للبلدية، لكنّ السكان يتوارثونها من جيل إلى جيل ولا يستطيعون بيعها. مدّة الاستثمار تكون ثلاثة سنوات لكن تجدد تلقائياً بعد انتهائها ولا أحد يستطيع إخلائهم، إلا في حال مخالفة أحكام العقد كتأجير المنزل أو التنازل عنه لشخص آخر.
  • 12. الاسمر, د. (2009, 12 11). مبان جديدة لنزلاء خان العسكر في طرابلس بعد مضي خمسين عام على تشريدهم.
  • 13. العقارات رقم 991 و1006 و1007 من منطقة الميناء العقارية.