ويني (أراضي) الدولة؟

23 February 2022
كتابة: تالا علاءالدين / بحث وتحليل بيانات: تالا علاءالدين، ريان علاءالدين، عبير سقسوق
المقال الأول من سلسلة مقالات بحثية عن أراضي الدولة العامة
 

«ليس الهدف من هذا المشروع التنازل المطلق عن أملاك الدولة أو بيعها، إنما...»
بهذه الكلمات، حاول وزير البيئة السابق محمد المشنوق إخفاء الأخطاء الكبيرة التي تعتري المشروع الذي قدّمه في العاشر من آذار 2020 لرئيس الحكومة ك«حلٍّ لأزمة المخاوف على أموال المودعين في المصارف». مشروع المشنوق هذا نسخة شبه مطابقة لخطّة قدّمتها جمعية المصارف اللبنانية لإدارة المرحلة. وإن بصيغٍ مختلفةٍ، تطرح هاتان الجهتان إنشاء صندوق تحت مسمّى «صندوق سيادي لإدارة أملاك الدولة» أو «صندوق تخفيف الدَين الحكومي»، يمكّن المصارف من وضع اليد على أصول الدولة المختلفة، من بينها أملاك الدولة العقارية1. هكذا، تُعفي المصارف نفسها من تحمّل أي عبء في إطار توزيع الخسائر في ظلّ الانهيار المالي والاقتصادي المستمرّ. وقد برز توجّه مشابه لإنشاء مثل هذا الصندوق عند رئيس الجمهورية ميشال عون. بعد طرح هذه الخُطط، توالت اقتراحات قوانين للتخلّي عن هذه الأملاك أو إعادة توزيعها، فقدّمت كتلة الوفاء للمقاومة على سبيل المثال، في أيلول 2020، اقتراح قانون لدمج الأراضي الأميرية – وهي جزء من أملاك الدولة العقارية – بالأراضي المُلك، كما لم تخلُ موازنة العام 2022 من بنود تمهّد لهذا التخلّي2.

تشكّل هذه المقترحات جزءاً من خطابٍ أوسع يهدفُ إلى خصخَصة الأملاك العامة بحجّة إنقاذ الدولة من الإفلاس. وبقدر ما يتجلّى هذا التهديد في الوقت الحالي، إلا أنه يستكمل إرثاً من السياسات الوطنية التي سلبت المجال العام أو عرّضته للإهمال.
بمواجهة هذا الخطاب وخطر الخصخصة المحدق، كان لا بدّ لنا من خوض بحثٍ معمّق عن أملاك الدولة العقارية، تلك الأملاك التي تكوّن بيئتنا الطبيعية، وتشكّل مصدر رزق وسكنٍ لشريحة واسعة من الناس، وترتبط مباشرةً بطُرق حياتنا ومعيشتنا المتنوّعة على امتداد المناطق اللبنانية.

تشكّل هذه الأملاك جزءاً أساسياً من محفظة أصول لبنان العامة، وقد تفوق قيمتها قيمة الأصول الأخرى مُجتمعة – كما هي الحال في معظم بلدان العالم، إذ تتراوح مساحتها بحسب التقديرات بين 20 - 25% من إجمالي مساحة لبنان3، إلّا أنها غير مفهومة بالشكل الكافي، بسبب عدم وجود نظام معلومات دقيقٍ يحدّد بوضوح بيانات جميع هذه العقارات، بما في ذلك عددها، حدودها، مساحتها، ملكيتها، استخداماتها، وقيمتها السوقية.
البحث، الذي غاص في نصوص القوانين والمراسيم وسجلات وزارة المالية، وسلّط الضوء على ماهية الأملاك العامة وتوزّعها الجغرافي وقيمتها الاجتماعية، هو أداةٌ أساسيةٌ لفتح نقاشٍ استراتيجي ضد خصخَصة هذه الأملاك، ولإطلاق مسارٍ يسعى إلى صون المجال العام والحفاظ عليه كحقٍّ أساسي للأجيال المقبلة. وبالاعتماد على نتائجه، التي سنعرضها من خلال تقريرٍ وأربع مقالات، نطمح إلى صوغ مطالبة مستنيرة بمواجهة خطاب السلطة، تُبيّن وترسّخ القيمة الاجتماعية لتلك الأملاك، وتشرح المعاني المتعدّدة للمجال المشترك.

أملاك الدولة العقارية في سجلات وزارة المالية

غُصنا في سجلات وزارة المالية حيث اطّلعنا على ملف مفصّل يتضمّن لائحة بكل العقارات التي تدخل ضمن أملاك الدولة الخصوصية (تحديداً بيانات العقارات غير المبنية منها)، ممّا يستوجب قبل الاستطراد بشرح محتوى الملف، تعريف هذه الفئة، وإيضاح الفرق ما بينها وبين أملاك الدولة العمومية.
 بحسب قانون الملكية العقارية (القرار 3339 \ 1930) المرعي الإجراء في لبنان، هناك خمس أنواع من الأراضي، تنقسم إلى فئتين، أملاك الدولة الخصوصية والعمومية.

تشمل أملاك الدولة الخصوصية أربع أنواع من الأراضي، تختلف بحسب طبيعتها، وبحسب الحقوق العينية التي يمكن أن تجري عليها، وهي التالية:
1- الأراضي المُلك أي كل العقارات التي يكون حق الملكية فيها مطلقاً للدولة، كالعقارات التي يقع عليها مطار بيروت، أو تلك التي تقع عليها مباني الجامعة اللبنانية ومباني الوزارات غير المُستأجرة4.
2- الأراضي الأميرية أي كل العقارات التي يكون للدولة فيها حق ملكية الرقبة، فيما حقّ التصرّف بها يمكن أن يُكتسب من الغير، أي من أفراد أو جماعات، ضمن شروط معينة وبحسب القوانين والقرارات والأنظمة5. ويُكتسب حق التصرّف بمرور 10 سنوات من تاريخ وضع يد فرد أو أفراد على كامل العقار أو جزء منه بصورة هادئة علنية، إذا قام/ت/قاموا طوال هذه المدة بحرث الأرض أو زراعتها6. ويسقط الحق بعدم زراعة الأرض أو بعدم استعمالها مدة 5 سنوات متتالية، فتعود، في هذه الحالة، رقبةً وتصرّفاً إلى الدولة7.
3- العقارات الخالية المباحة أو الأراضي الموات، وهي أراضٍ أميرية خالية أو مهملة لم تُستغل في الفلح أو الزراعة - أو هي غير قابلة لذلك، وبالتالي لم يجر عليها حق التصرف من قبل الغير قبل أعمال التحديد والتحرير، وبالتالي تحتاج لإحيائها رخصةً من الدولة.
4- الأراضي المتروكة مُرفقة وهي أراضٍ تملكها الدولة (أو البلدية)، إنما يكون عليها لإحدى الجماعات (كأهالي بلدة ما) حق استعمال محددة ميزاته ومداه بالعادات المحلية أو بالأنظمة الإدارية. يكون حق ملكية الرقبة في الأرض المتروكة مرفقة للدولة (أو للبلدية)، والاستعمال لأهالي البلدة التي تقع الأرض ضمن حدودها8.

 أما أملاك الدولة العمومية، فتشمل نوعاً واحداً من الأراضي يُطلق عليها قانونياً تسمية «الأراضي المتروكة محمية». هذه الأراضي متروكة، بسبب طبيعتها، للاستعمال لمصلحة عمومية أو لاستعمال الجميع استعمالاً عادياً دون مقابل، وليس للأفراد حق انتفاع خاص بها. وتكون هذه الأراضي/الأملاك طبيعية إذا لم تتدخّل يد الإنسان فيها، كالأملاك البحرية (شاطئ البحر؛ الرمول؛ مياه البحر)، والأملاك النهرية (مجاري الأنهار وضفافها؛ الشلّالات؛ البحيرات الطبيعية)، أو تكون اصطناعية كالطرقات العامة، والشوارع، وقنوات الري، والمرافئ على سبيل المثال لا الحصر.
 
تختلف أنواع الحقوق التي يمكن اكتسابها على الأملاك العمومية عن تلك التي يمكن اكتسابها على الأملاك الخصوصية. ويمكن للدولة أن تتصرّف بأملاكها الخصوصية تصرّف الأفراد العاديين بملكهم الخاص، كأن تبيع هذه الأملاك أو تتنازل عنها أو تؤجّرها لحسابها الخاص ضمن الشروط المفروضة بموجب قانون إدارة وبيع أملاك الدولة الخصوصية9. وتتولّى هذه العمليات وزارة المالية عبر مديرية الشؤون العقارية والمساحة فيها. أما الأملاك العمومية فلا إمكانية لبيعها، وإذا ما أُريد بيعها أو بيع جزء منها، فذلك يستلزم أولاً إجراء عملية تسمّى «الإسقاط»، تقوم على نقل المُراد بيعه من الأملاك العمومية إلى الأملاك الخصوصية، وبعد ذلك يجري البيع10.
 
بالعودة إلى بيانات وزارة المالية بشأن أملاك الدولة العقارية، فهي، كما ذكرنا، تشمل أملاك الدولة الخصوصية. ولكن قبل الخوض في نتائج تحليل بيانات الملف، سنعرض بعض التحديات التي شكّلت عائقاً أمام الاستحصال على نتائج دقيقة.

- يحتوي الملف أخطاءً مطبعية وفيه تكرار لبعض البيانات، ما استلزم منّا إجراء عملية تنظيف للبيانات قبل البدء بالتحليل.

- بما يخصّ «الأراضي المتروكة محمية» التي لا يجب أن تكون مشمولة في الملف كونها من أملاك الدولة العمومية وبالتالي فهي غير مرقّمة11، لكن الملفّ يتضمّن بيانات عقارية ضمن هذه الخانة.

- يظهر جلياً أن بيانات العقارات في الملف غير مُحدّثة، بالرغم من كون الملف النسخة الوحيدة المتوفّرة لدى وزارة المالية.

- يتضمّن الملف نقصاً في بيانات المساحة لعدد هائل من العقارات، ممّا يعيق عملية احتساب المساحة الإجمالية لأملاك الدولة.

- يحتوي الملف عدداً من البيانات المُبهمة. ففي خانة نوع الملكية، تُرك حوالي 209 عقاراً دون تحديد النوع مع تدوين عبارة «غير مذكور».12

 
يُصنّف الملف العقارات تحت عدّة خانات هي: رقم العقار؛ القضاء؛ المنطقة العقارية؛ عدد الأسهم؛ المساحة؛ نوع الملكية؛ اسم المالك. نشير هنا إلى أهمية التمييز بين خانتي نوع الملكية واسم المالك. فبنوع الملكية يُقصد أحد أنواع الأراضي الداخلة ضمن أملاك الدولة الخصوصية والعمومية والتي عرضناها سابقاً في سياق المقال، كالأراضي المُلك والأميرية والموات والمتروكة مرفقة والمتروكة محمية؛ أما اسم المالك فيُقصد به اسم أحد «أشخاص القانون العام»، أي اسم الإدارة التي يكون العقار مسجّلاً باسمها، وقد تكون الإدارة متمثّلة بالجمهورية/الدولة اللبنانية بذاتها، أو خزينة الدولة، أو إحدى البلديات، أو إحدى الوزارات، أو إحدى المديريات العامة، أو مصرف لبنان، الخ.
فيما يلي نقدّم أبرز الاستنتاجات التي قمنا بها.

 

الأراضي الأميرية تشكّل النسبة الأكبر من أملاك الدولة

بعد تحليل البيانات المتوافرة في ملف وزارة المالية، يتبيّن على صعيد لبنان، وجود 57842 عقاراً تملكه الدولة ويدخل ضمن أملاكها الخصوصية. النسبة الأكبر من هذه العقارات من نصيب «الأراضي الأميرية» التي يبلغ عددها 31907 عقاراً، أو ما يشكّل 52% من إجمالي أملاك الدولة العقارية، تليها «الأراضي المُلك» التي تضمّ 17511 عقاراً أي ما يقارب 30% من إجمالي الأملاك، ثم «الأراضي المتروكة مرفقة» التي تشكّل بحدود 13% من العدد الإجمالي. أما العدد المتبقي من العقارات فيتوزّع على أنواع الملكية الأخرى بشكلٍ متفاوتٍ (أنظر/ ي إلى الخريطة).
في ما يتعلّق ب«الأراضي الأميرية»، يشمل قضاء بعلبك وحده أكثر من 33% من مجمل الأراضي الأميرية، في حين يقع حوالي 23% منها في قضاء البقاع الغربي، و17% منها في قضاء راشيا، و7% منها في قضاء عكار، ممّا يعني أن 80% من الأراضي الأميرية يتركّز في البقاع وعكار. وتتوزّع العقارات الأميرية الأخرى بأعداد ملحوظة في أقضية النبطية، وصور، وطرابلس. أما أقضية محافظة جبل لبنان، وكسروان - جبيل، وبشرّي، فتكاد تخلو كلياً من الأراضي الأميرية. ويعود ذلك إلى عوامل تاريخية عديدة سوف نستعرضها في مقال مقبل حول أهمية الأراضي الأميرية وخطر تخلي الدولة عنها.

لهذه الأرقام دلالات واضحة على استمرارية وجود وظيفة اجتماعية تلعبها معظم الأراضي التي تملكها الدولة. ففي حين تُستخدم أغلبية أراضي الدولة «المُلك» لتسيير حاجات الإدارات، إن وجود عدد هائل من «الأراضي الأميرية» يضمن إمكانية الوصول إلى الأرض كموردٍ للإنتاج الزراعي أو السكن لشريحة كبيرة من الناس في لبنان، بخاصّة للنساء، والفئات المهمّشة غير القادرة على الاستئجار أو التملّك لهاتين الغايتين، كذوي الدخل المحدود أو غير اللبنانيات\ين. فاكتساب حق التصرّف في أرض من النوع الأميري يجري دون دفع أي بدل للدولة، وبالتالي لا ينحصر بالفئات المقتدرة، بعكس عملية اكتساب حق الملكية في أرض من النوع المُلك، والتي قد تجري عبر شراء العقار مثلاً. كما أن اكتساب حق التصرّف غير محصور بحاملي الجنسية اللبنانية، إذ يمكن لأيٍّ من القاطنات\ين في لبنان اكتساب هذا الحقّ. والأبرز هو إمكانية توريث حق التصرّف في الأرض الأميرية بالتساوي بين النساء والرجال، ما يجعل إمكانية الوصول النساء إلى الأرض متاحاً بشكلٍ أوسع، بخاصة لدى معظم الطوائف الإسلامية التي يجري توريث حق الملكية في الأراضي المُلك لديها وفق الشريعة الإسلامية، أي على  قاعدة «للذكر مثل حظ الأنثيين». وتكمن أهمية وجود هذا النوع من الأراضي في لبنان أيضاً في إمكانية استخدام الأرض الأميرية الواحدة من قبل عدد كبير من الأفراد، ممّا يستوجب إدارة جماعية للأرض، بعكس ما تشجّع عليه خطابات تقديس الملكية الخاصة الطاغية.
(ترقّب/ي مقال خاص عن الأراضي الأميرية كجزء من المشروع البحثي "وينيه (أراضي) الدولة؟")

 

البيدر والمرعى والمشاع تسميات تعزّز علاقة الناس بالأرض

"البيدر؛ المرعى؛ المشاع؛ عموم أهالي و/أو سكان و/أو مالكي بلدة ما"، تَظهر هذه التسميات في بيانات وزارة المالية ضمن خانة "إسم المالك"، وربما تشكّل بمجرد وجودها دليلاً على العلاقة العضوية ما بين الناس والأرض. تعبّر هذه المصطلحات عن الممارسات المتنوعة لمستخدمي هذه الأماكن؛ ممارسات أوسع من المفهوم السائد والحداثي للمكان العام المرتبط بتوصيفات معيّنة ومُحدّدة كالحدائق أو المنتزهات. كما تعبّر عن تصوّر أشمل  للملكية، يتخطى الملكية الفردية، إذ تُبيّن هذه المصطلحات الوظيفة الجماعية والصفة العامة لاستخدام الأراضي.
هناك 125 عقاراً بيدراً في لبنان، و 408 عقاراً مخصّصاً كمرعى، و 1253 عقاراً مسجّلاً تحت اسم «عموم أهالي و/أو سكان و/أو مالكي بلدة ما»، و2773 عقاراً مسجّلاً تحت اسم «مشاع». تتوزّع هذه الأراضي بشكلٍ متفاوتٍ على عدد كبير من البلدات اللبنانية، فتخلو بعض البلدات منها، فيما يحوي البعض الآخر عدداً ملحوظاً.
فماذا تعني هذه التسميات؟
«المشاع» – وجمعُه «المشاعات» – هو عبارة عن أرضٍ يشترك في استغلالها عامة الناس، بالتساوي ودون استثناء، ولا تخصّ فرداً معيّناً.
«البيدر» – وجمعُه «البيادر» – هو عبارة عن أرضٍ بسطحٍ مستوٍ تُكدَّس عليها غلال القمح والشعير لتُدرس14 بعد حصادها من الحقل. ويكون البيدر في الغالب مشاعاً.
«المرعى» – وجمعُه «المراعي» – هو عبارة عن أرضٍ طبيعية غير مفلوحة تنبت فيها الأعشاب والنباتات المناسبة للرعي، أي التي يمكن لقطعان المواشي أن تقتات عليها. ويكون المرعى أيضاً في الغالب مشاعاً.
«عموم» - فهو يستعمل للتعبير عن الشمولية: فالأرض المسجّلة تحت اسم «عموم أهالي بلدة ما» هي أرضٌ يشترك في استغلالها كل أهالي هذه البلدة، أي جميع الأفراد المسجّلة نفوسهن\م في هذه البلدة من أجيال الماضي والحاضر والمستقبل. والأرض المسجّلة تحت اسم «عموم سكان بلدة ما» هي أرضٌ يشترك في استغلالها كل سكان هذه البلدة، أي جميع الأفراد المسجّل سكنهم في هذه البلدة، والسكان نفوسهم مسجّلة في بلدةٍ أخرى، حتى لو لم يكونوا من الجنسية اللبنانية. أما الأرض المسجّلة تحت اسم «عموم مالكي بلدة ما»، فهي الأرض التي يشترك في استغلالها كل المالكين في هذه البلدة، أي جميع الأفراد الذين يملكون أرضاً فيها، ولو لم يكونوا من سكانها أو أهلها. يسند البعض هذه التسمية إلى الثورة الاجتماعية في لبنان في أواسط القرن التاسع عشر، عندما سيطر الفلاحون على أراضي الأسياد والإقطاعيين التي كانوا يعملون فيها. وعندما بدأت الدولة العثمانية في إحصاء الأراضي بنية فرض الضرائب على السكان، لجأ هؤلاء إلى التصريح بأن مساحات واسعة هي ملك لعموم الأهالي تهرّباً من دفع الضرائب15.
هذه الأراضي، إن كانت بيادر أو مراعٍ أو مشاعات، تُركت وخُصّصت منذ القدم لخدمة الناس، وهي شبيهة بالأراضي المتروكة محمية، إنما استعمالها محصور بجماعة معيّنة من الناس، وغالباً ما تكون مرتبطة بإحدى البلدات. فيها، شعرت المجموعات الاجتماعية قديماً بالحرية والمساواة في الوصول للأرض والموارد وعبّرت عن رفضها لتقديس الملكية الخاصة والممارسات الناتجة عنها؛ وتكمن أهمية وجودها اليوم، في كونها تعزّز العلاقة العضوية ما بين الناس والأرض على الصعيد المحلي، كتعبير ملموس لأنماط العيش المتنوعة، والتقاليد، والأساليب الاجتماعية – الثقافية للسكان.

أراضي الدولة المخصّصة للسكن

تملك الدولة اللبنانية عدداً ملحوظاً من العقارات المبنية وغير المبنية المخصصة للسكن، أي مسجّلة في السجلّات العقارية تحت أسماء وزارات أو مصالح أو مديريات تُعنى بالسكن. إذ يتبيّن، بعد تحليل البيانات، وجود ٦٥٠ عقاراً – غالبيتها من النوع «المُلك» – تتوزّع على الشكل التالي: ٥١٢ عقاراً مسجّلاً بإسم مصلحة التعمير وإدارة التعمير؛ 59 عقاراً مسجّلاً باسم وزارة الإسكان والتعاونيات؛ 50 عقاراً مسجّلاً بإسم المساكن الشعبية؛ 28 عقاراً مسجّلاً بإسم مصلحة الإسكان؛ عقاراً واحداً مسجّلاً باسم المؤسسة العامة للإسكان. كافة هذه المؤسسات – ما عدا المؤسسة العامة للإسكان – مؤسسات ملغية لا وجود لها اليوم، وبالتالي بقاء عقارات مسجّلة باسمها في السجلات ما هو إلا إهمال في تحديث بيانات أملاك الدولة الخصوصية. من الجدير بالذكر هنا أن كافة هذه العقارات أصبحت اليوم في عهدة المؤسسة العامة للإسكان.
وبما أنه من النادر أن تستملك الدولة عقارات جديدة بهدف الإسكان -فتقتصر العقارات المخصّصة للسكن التي تملكها على العدد المذكور (650 عقاراً)- تأتي أهمية الحفاظ عليها لتكون جزءاً من حلّ للأزمة السكنية الحالية إن غير مبنية، أو لتكون المكان الأمثل، إن كانت مبنية، ليبدأ الضغط على الدولة كي تتحمّل مسؤولياتها في إدارة المشاريع السكنية وتأمين الخدمات اللازمة لضمان السكن اللائق لقاطنيها.
(ترقّب/ي مقال خاص عن أملاك الدولة المخصّصة للسكن كجزء من المشروع البحثي "وينية (أراضي) الدولة؟")
 

أملاك مصرف لبنان

يظهر إسم مصرف لبنان في بيانات وزارة المالية ضمن خانة "إسم المالك"، ويتبيّن من التحليل أن أملاك الدولة العقارية غير المبنية المسجّلة بإسمه يصل عددها إلى 1037 عقار. يملك مصرف لبنان كامل الأسهم في بعض هذه العقارات، وجزءاً من الأسهم في بعضها الآخر، فتصل المساحة الإجمالية التي يملكها على صعيد لبنان إلى حدود 43 مليون م2 – دون احتساب حصة المصرف من شركة انترا للاستثمار التي تملك من جهتها عدداً ملحوظاً من العقارات.
مصرف لبنان من الجهات المسؤولة عن الانهيار الاقتصادي والمالي وتضرُّر المودعين، والخوض في بحث معمّق لفهم حصة المصرف من أملاك الدولة العقارية وقيمتها، أساسي في ظل الحديث عن أهمية تقاسم الخسائر وكيفية تحصيل حقوق المودعين وتمويل الميزانية العامة.
(ترقّب/ي مقال خاص عن أملاك مصرف لبنان كجزء من المشروع البحثي "وينية (أراضي) الدولة؟")

بيّن التقرير أن الدولة اللبنانية تمتلك جزءاً يسيراً من الأراضي اللبنانية. وأوضحت نتائج تحليل البيانات المتوافرة في سجلات وزارة المالية أن النسبة الأكبر من أملاك الدولة العقارية تشكّل مصدر رزق لشريحة واسعة من الناس، وترتبط مباشرةً بطُرق حياتنا ومعيشتنا المتنوّعة على امتداد المناطق اللبنانية، سواء أكانت من النوع الأميري، أو كانت أراضٍ مسجّلة تحت اسم "بيدر؛ مرعى؛ مشاع؛ عموم أهالي و/أو سكان و/أو مالكي بلدة ما"، أو كانت أراضٍ مخصّصة للسكن، أو حتى كانت أملاكاً عمومية. من هنا، سيتمحور جزء أساسي من بحثنا المستمرّ، في ظلّ الخطاب القائم على خصخصة هذه الأملاك وسلبها، على توفير المواد البحثية اللازمة لمجابهة هذا الخطاب، والضغط وبناء التضامن الجماعي للحفاظ على هذه الأراضي كحق للأجيال القادمة في الوصول إلى الأرض والموارد والمسكن.

 

  • 1. لتفاصيل إضافية عن المشاريع المطروحة، يمكن مراجعة مقال عماد صائغ في المفكرة القانونية بعنوان "صناديق سيادية لنسف الحاضر والمستقبل"، المنشور في تشرين الأول 2021.
  • 2. مراجعة تعليق استديو أشغال عامة على المواد 126 و117 و92 من موازنة العام 2022.
  • 3. بحسب ما ورد في التقرير البحثي لألبير كوستانيان بعنوان "خصخصة الأصول العامة في لبنان: لا حلول عجائبية للأزمة"، الصادر عن معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت في كانون الثاني 2021.
  • 4. من المهم التمييز بين هذا النوع من الأراضي، وبين الأراضي المُلك التي يكون حق الملكية فيها لغير الدولة.
  • 5. يُخوّل حق التصرّف صاحبه\ته - أي من اكتسبه - حق استعمال العقار والتمتّع والتصرّف به ضمن شروط معينة محدّدة في القرار 3339/1930، ويخوّله الحق في جميع ما يُنتجه العقار، إذ له أن يغرس فيه ما شاء من الأغراس، وأن يبني فيه ما شاء من الأبنية، وأن يجري فيه حفريات إلى أي عمق يشاء، وأن يستخرج من هذه الحفريات كل ما يشاء من مواد البناء، وأن يتصرّف بهذه المواد بملء حريته، ما خلا جميع المنتوجات الأخرى، وكل ذلك ضمن التقييدات المفروضة بالقوانين والقرارات والأنظمة. كما يخوّل حق التصرّف صاحبه إمكانية التنازل عن الحق المذكور لغيره (التفرّغ)، أو توريثه بالتساوي بين الذكور والإناث، أو رهنه، أو تأجيره، أو إعارته، إنما لا يخوّله وقف العقار أو بيعه ونقل ملكيته، فتبقى هذه العملية محصورةً بيد مالك العقار، أي الدولة صاحبة حق ملكية الرقبة.
  • 6. المادة 260 من القرار 3339/1930
  • 7. المادة 19 من القرار 3339/1930
  • 8. تسمية «مشاع» تُطلق على ما وقع من هذه الأراضي ضمن نطاق «جبل لبنان القديم».
  • 9. القرار رقم 275 \ 1926
  • 10. لتفاصيل إضافية عن عملية الإسقاط، يمكن مراجعة المقال الثاني لاستديو أشغال عامة ضمن المشروع البحثي بعنوان «إسقاط الأملاك العمومية أداة لتحقيق رغبات الحكّام».
  • 11. بعد معرفة العقارات الداخلة ضمن أملاك الدولة الخصوصية وتحديدها، يتمّ قيد كل عقار منها في السجل العقاري باسم الدولة ويُعطى رقماً، كما يتمّ تسجيله في سجلات دائرة أملاك الدولة. أما الأملاك العمومية فلا تُسجلّ في السجل العقاري ولا تُرقّم إلا إذا كان لها أو عليها حقوق عينية خاضعة للتسجيل كحق الإنتفاع وحق الإستعمال وحق الإرتفاق؛ وبالعكس كل عقار مسجّل يُحذف من السجل عندما يضاف إلى الأملاك العامة. ولكن تبقى الأملاك العامة مذكورة بهذه الصفة – أي كأملاك عامة – في خرائط المساحة.
  • 12. يطال عدم التحديث، على سبيل المثال، عدد العقارات الإجمالي في الملف. فالواضح أن بيانات العقارات الجديدة التي دخلت في ملك الدولة عبر الاستملاك أو الشراء أو غيرها من العمليات، لا يتمّ تنزيلها بشكل دوري، كما لا تُحذف من الملف العقارات التي خرجت من ملك الدولة.
  • 14. الدرس هو فصل الحبوب عن سنبلة القمح.
  • 15. مقال بعنوان "مشاعاتنا أرض متروكة نائمة" لغابي ميلان، نُشر على الصفحة الرابعة من جريدة السفير بتاريخ 29 تشرين الثاني 2016.