lebanon_fires

تصوير وسيم بزيع

حرائق لبنان 2021 أو أشكال التأقلم مع الإنهيار

24 December 2021
جنى نخال

قد لا يكون الانهيار الاقتصادي الذي نمرّ به -على الرغم من سورياليته- أسوأ ما يحصل لنا. 
فما جرى خلال نهاية الأسبوع الثاني من شهر تشرين الثاني تخطّى توقّعات الدفاع المدني لآخر موسم حرائق قبل الشتاء. صباح يوم السبت 13 تشرين الثاني بدأت الحرائق في زبقين- وادي العزية، وامتدّت إلى عدّة مناطق جنوبية، ثم بقاعية وأخيراً إلى المتن وكسروان وعكّار. 
وعلى الرغم من أن فرق الدفاع المدني كانت متأهّبةً خلال نهاية الأسبوع تلك، إلّا أنّ قوة الحرائق وسرعة انتشارها فاجأت الجميع.

يرجّح الناشطون أسباب الحرائق خلال هذا الموسم لستة مصادر: أولاً، نحن في موسم قطاف الزيتون، حيث تجمع المزارعات\ون الأعشاب اليابسة والأغصان من أرضهن\م ويحرقونها عند أطراف حقولهن\م، ممّا يمكن أن يتسبّب بحرائق في المناطق المحيطة لسهولة انتقال الشرارة من منطقة إلى أخرى. وهو على الأرجح ما جرى في المتن وكسروان.
ثانياً، غالباً ما يحرق رعاة الماعز الأشجار للقضاء عليها وتحويل المساحات الحرجية إلى أراضٍ مناسبة لرعي قطيعهم. 
ثالثاً، يُشعل بائعو الحطب على أبواب الشتاء، الجبال المغطاة بالشجر بهدف الحصول على الحطب. 
رابعاً، يتسبّب بعض الأشخاص بحرائق كي تتحوّل الأرض المشاع إلى أرض محروقة، فيتمكّنون من وضع يدهم عليها والبناء فيها. 
خامساً، تنتشر المزابل بشكل كثيف في المناطق الحرجية، وهو ما اعتبرته عدد من البلديات حلاً وحيداً لمشكلة النفايات. 
والسبب الأقلّ تأثّراً بنشاط الإنسان، وهو أنّ تشرين الثاني هو موسم حرائق لأن الأعشاب يابسة جداً بعد حرّ أيلول وقبل الشتاء. 

في وادي زبقين الأكثر تأثّراً، طالت الحرائق مشاعاتٍ، وعقارات عامة وخاصة، ومساحات حرجية كثيفة وكروم زيتون وأراض زراعية مختلفة، وهناك خشية من "أن يكون بعض الحرائق قد افتُعل لتمرير مشاريع أو لوضع اليد عليها، بعد حرق الأحراج فيها."1 يختلف الناشطات\ون البيئيات\ون بين سببين ممكنين لحرائق تشرين هذه السنة، في زبقين بالذات. فبحيث يعتقد البعض بأن أغلبها مُفتعل، يؤكّد آخرون بأن السبب هو المكبّات\المزابل العشوائية. في حالة زبقين سيمكّن تحويل المنطقة إلى محمية من تحييدها عن أطماع الكثيرين ممّن يريدون الاستيلاء عليها، خاصة وأن زيارة وزير البيئة للمنطقة بهدف إعلان الوادي محمية، كانت مقرّرة في اليوم الذي بدأت فيه الحرائق. من جهة أخرى، شرّعت البلديات نشوء المكبّات\المزابل في القرى والمشاعات، وحرق النفايات كطريقة وحيدة للتخلّص منها، ممّا يحمّلها مسؤولية هذه الحرائق إن كانت المزابل هي السبب الأساسي.

بغض النظر عن أن أهل المنطقة عامّة يدعمون تحويل وادي العزية ومحيطه إلى محمية ستضمّ أكثر من 10 قرى على طول 22 كم، فإن بلديات هذه القرى ستضطر، إن تحوّل الوادي إلى محمية، إلى تحمّل مسؤوليتها في حمايته. والقرى هي بيت ليف، رامية، عيتا الشعب، مروحين، الصالحاني، زبقين، ياطر، شيحين، القليلة، مجدل زون، العزية، المنصوري، الحنية، العامرية. 

بالنسبة لوسيم بزيع، وهو أحد الناشطين البيئيين الذي يسعون لتحويل الوادي إلى محمية في زبقين، فالوادي هو ذاكرة حيوية لمنطقة جبل عامل، إذ يضمّ أربع ينابيع مياه، بالإضافة إلى الجداول والسيول، كما أنّه كان تاريخياً مرعى للمواشي ومكان بيادر القرية والترفيه لأهلها، كما يحوي أجراناً قديمة. بالإضافة إلى ذلك، فإن المنطقة غنية بتنوّع حيواني من حيوانات برية وطيور، خاصة من الحجل والضباع المخطّطة المعرضة للانقراض، وهي ملجأ أساسي للطيور المهاجرة. من ناحية أخرى، فإن الغطاء الحرجي هو مساحة كبيرة تؤمن مسكناً آمناً للحيوانات، من الصعب على الإنسان الوصول إليه. وهذا الغطاء الحرجي، في دوره كمسكن للحيوانات والطيور، هو ما فقدناه اليوم بعد الحرائق. 
من منطلق بيئي، من الضروري أن يتمّ العمل على حماية هذه المناطق، لا أن يُعاد زرعها أو يتمّ بيعها أو شق طرقات فيها والبناء عليها. ويتمّ بحسب بزيع، التواصل مع وزارات البيئة والزراعة والأشغال العامة، كي لا تُعطى تراخيص البناء، وللدفع باتجاه التشدّد بالمراقبة على الأراضي المحروقة كي لا يتمّ سرقة الشجر المحروق وبيعه حطباً.
تظهّر هذه الحرائق مجدّداً، الحاجة لحل مشكلة النفايات، بدلاً من المزابل\المكبّات التي تفرضها البلديات على أهل القرى، نتيجة غياب خطط مستدامة للتخلص من النفايات. 

يمكننا أن نرى بأن المسبّبات "غير الطبيعية" للحرائق، والتي تهدف إلى تحويل الأراضي الحرجية إلى مساحات لرعي القطعان، أو الاستفادة من حطبها، أو وضع اليد والبناء عليها واستثمارها، أو انتشار المزابل في المناطق الحرجية، وأخيراً، وخاصة في منطقة زبقين، عبر محاولة منع إعلان الوادي محمية، ليست سوى أساليب تأقلم مع الإنهيار. 

بهذا نعني بأن الانهيار الاقتصادي، مترافقاً مع تراجع مؤسّسات الدولة عن القيام بمسؤولياتها، وتوجّهها قبل ذلك لتقديم المصالح الخاصة والاستثمارات على المصلحة العامة، لم يؤدِّ فقط إلى تأزّم الوضع الاقتصادي للأفراد، بل إلى بحثهن\م عن طرق مؤذية لإنتاج الربح ولجوئهم إليها. ولم ينتج ذلك عن الإنهيار فجأة، بل تمّ مراكمته منذ الحرب الأهلية. فقد شجّعت الدولة وغذّت في الأفراد الفردانية والمبادرة لتفضيل المصلحة الشخصية المباشرة، عن المصلحة العامة. وهذا الاستغلال لا يحصل من قبل الأفراد العاديين فقط، بل وفي أغلبية الأحيان من قِبَل من يملكون، بدرجات متفاوتة، الرأسمال الاجتماعي القادر على حمايتهم في حال تمّ كشفهم، والقادر على استكمال مسعاهم في السيطرة على الموارد، من حيث بيع الحطب أو السيطرة على الأراضي في حالتنا هذه. بمعنى أن الأفراد الأكثر قدرة على استخدام أساليب التأقلم هذه لمصلحتهم الشخصية واستغلال الانهيار الاقتصادي، لديهم بشكل أو بآخر، علاقات مع السلطة الحاكمة وأحزابها أو هم جزء منها.
اليوم، تُظهر الحرائق التي تمدّدت بشكل غير متوقّع، كما غيرها من الأزمات التي تواجهنا كل يوم، أن أساليب التأقلم مع الإنهيار أنتجت أشكالاً من الاستغلال، هي في مراحل عدّة، بقسوة الانهيار ومستوى أذيّته للمجتمع والبيئة والصحة العامة. 
نحن اليوم بأمسّ الحاجة لمؤسسات الدولة، بداية من وزارة البيئة. ونحن بحاجة لها لا وزارة وموظفين يأخذون صور تذكارية في شارع تمّ تنظيفه من النفايات، بل وزارة تطرح سياساتٍ تحمي البيئة والناس، وتطبّقها بغض النظر عن تأثيرها على المصالح الخاصة للطبقة الحاكمة. نحن بحاجة لمؤسسات الدولة كي تدير الموارد الطبيعية، بشكل منحازٍ للمصلحة العامة في هذه الأوقات خاصة، ضدّ استغلالها والقضاء عليها. 

 

  • 1. من مقابلة مع ممثلي جمعية الجنوبيون الخضر