pw_absense_government.jpg

تصوير مروان طحطح

عن غياب سياسات الدولة الإسكانيّة: قوانين متفرّقة وتدابير مؤقّتة

03 August 2021

كتابة: مايا سبع أعين
بحث: عبير سقسوق وتالا علاء الدين
تحرير: نادين بكداش وجنى نخال
تصميم الجدول الزمني: جنى مزهر

إن "توفير المسكن للمواطن هدف ذو قيمة دستورية ينبغي على السلطتين الاشتراعية والإجرائية رسم السياسات ووضع القوانين الآيلة إلى [تحقيقه]"1 هذا ما صرّح به المجلس الدستوري اللبناني في أحد قراراته الصادرة عام 2014، بعد إقراره أنّ الحق في السكن "هو من الحقوق الدستوريّة الأساسيّة إستناداً إلى الشرعات الدولية." لكن  ثمة تساؤلات تطرح نفسها بإلحاحٍ شديدٍ، حول النهج الذي اتّبعته السلطات العامة في سبيل تحقيق هذا الهدف، وحول حقيقة وحجم ما حقّّقته إجراءات الدولة الإسكانية من إنجازات على صعيد ضمان حيازة السكن الملائم لجميع الأفراد. فإشكالات السكن والإسكان لم تغب يوماً عن خطاب الناس في لبنان، بل يبدو وكأنّها تزداد حضوراً -وتأزماً- مع الوقت.
عليه، وفي ضوء أزمة السكن الحادة التي تمرّ بها البلاد حالياً، يهمّنا في هذا المقال رصد إجراءات الدولة في القطاع الإسكاني ومدى تلاؤمها مع متطلّبات المجتمع في لبنان، في محاولة منّا للإجابة على الأسئلة التالية: كيف تعاطت الدولة اللبنانية مع ملف الإسكان؟ وهل نجحت في إحداث تغييرات جذرية في هذا المجال، أم أنّ نهجها هو ما دفع الأمور نحو المزيد من التفاقم؟ سنمرّ أوّلاً على مراحل تطوّر التشريعات المتعلّقة بالإسكان في لبنان، بهدف تأريخها، ثم سندخل في تفاصيل هذه المراحل والظروف التي خلقتها.

مراحل تطوّر التشريعات

إنطلاقاً من تحليل كافة التشريعات المتعلّقة بالسكن والصادرة منذ 1943 حتى اليوم، في علاقتها مع التطوّرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي شهدها لبنان، نستخلص أن تدخّلات الدولة في مجال السكن إنقسمت على ثلاث توجهات مرتبطة بثلاث مراحل زمنية:

مرحلة أولى: 1943 – 1962

في هذه المرحلة، شهدت بيروت نمواً هائلاً جاوز قياسه ووتيرته التوقّعات. وقد أتى هذا النمو نتيجة سلسلةٍ من التطورات التي اجتاحت المنطقة في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات، كالتراكم المتسارع لرأس المال خلال الحرب العالمية الثانية، وتدفّق رؤوس الأموال من فلسطين ومصر وسوريا والخليج العربي بسبب الإحتلال والتأميم، والاستثمار المتسارع للحقول النفطية العربية. ومع تمركز النشاط الاقتصادي في العاصمة، انتقل عدد كبير من سكان الأرياف إلى المدن. وكان الإيجار وسيلة أساسية للوصول الى السكن، إذ لم يكن مفهوم تملّك البيوت وقتها أمراً شائعاً. تمثلت تشريعات هذه المرحلة بقوانين لضبط الإيجار، لكنها لم تتطرّق لسياسات سكنية أشمل، تحاكي حاجات الأكثر احتياجاً. وعليه، فقد بدا في كثيرٍ من الأحيان أنّ الحل الوحيد المتاح لسكن ذوي الدخل المتدنّي يتمثل في اللجوء إلى البناء أو الاستئجار أو التملّك بشكل غير رسمي في عقارات إمّا عامة أو خاصة، لا تعود إليهم في السجلات الرسمية. فانتشرت في هذه المرحلة المناطق غير الرسمية في كافة المدن اللبنانية، أبرزها بيروت وطرابلس وصور وصيدا.

مرحلة ثانية: 1962 – 1992
سياسة إسكانية هامشية عبر تشريعات تقرّ الحق في السكن ضمنياً

خلال "المرحلة الشهابيّة" اعتمدت السلطات سياسةً جديدةً قامت على تقوية دور الدولة المركزية وتعزيز مؤسّساتها. فنظّمت المؤسسات الرسمية الموجودة وأنشأت مؤسسات جديدة. فقامت الدولة بإنشاء مؤسسات إسكانية الواحدة تلو الأخرى، وأعطتها بعض الأدوار في سبيل تأمين المسكن لبعض الشرائح غير الميسورة. إلا أنه في المقابل، غابت عن التشريعات أي رؤية شاملة ومتكاملة لتحقيق الوصول إلى سكنٍ لائقٍ للجميع. في الواقع، بين 1950 و1975، إرتفع عدد سكان بيروت من 300 ألف نسمة الى 1.2 مليون نسمة، وتفاقمت هذه الأرقام لاحقاً مع الاحتلال الاسرائيلي لجنوب لبنان، وبالتالي نزوح السكان إلى بيروت وضواحيها. وقد ساهم غياب سياسة وطنية للأرض المتاحة بأسعار معقولة، بتوّسع المناطق غير الرسمية لا سيّما في بيروت. وقد أدّى تفكّك الدولة المركزية وإضعافها خلال سنوات الحرب الأهلية إلى انهيار شبه نهائي لمؤسسات الدولة، ومن ضمنها تلك المعنية بالسكن. 

مرحلة ثالثة: 1992 – 2020
سياسة إسكانية في خدمة مصالح رأس المال

مع نهاية الحرب الأهلية اللبنانية، حلّت مرحلةٌ نيوليبرالية واسعة النطاق شهدت تكريس استثمارات ضخمة لإعادة ترسيخ بيروت كمركزٍ للخدمات الإقليمية. فعملت الحكومات المتتالية على تسهيل شروط عمل المستثمرين المحليين والأجانب في العقارات، وزادت النسب المسموح بها للبناء. وتمّ إنشاء إطارٍ مؤسساتيٍ للاستثمار العقاري في لبنان، من شأنه تقديم الحوافز للمستثمرين وخفض الضرائب على الاستثمار. ومع زيادة الطلب على الأبنية ووجود سيولة فائضة لدى المصارف، قامت سياسة قوامها التسليف من أجل تملّك مسكن. وكان المصرف المركزي راعي هذه السياسة، خدمةً لسياسته النقدية القائمة على تثبيت سعر صرف الليرة، ممّا اختصر السياسة الإسكانية للدولة لمصلحة المصارف والمستثمرين، تحت ذريعة قدسية الملكية الخاصة. انعكست هذه السياسات سلباً على سوق الإسكان، حيث دفع الإرتفاع الجنوني لأسعار الشقق الأسر ذات الدخل المتدني و المتوسط نحو الضواحي البعيدة، التي شهدت اكتظاظ في الأحياء، و نمو في أعداد المساكن غير الائقة، و البناء المخالف أو ما يسمّى بالعشوائيّات، لاستيعاب تلك الأسر. في حين إستُبدِلت المساكن في المدن بمخزون من العقارات الفاخرة و الشاغرة.

 

 

توالي المؤسسات الإسكانيّة دون استراتيجيّة واضحة

بينما تقدّم هذه المراحل ملخّصاّ تأريخياً للتشريعات والقوانين المتعلّقة بالسكن في لبنان، سنحاول عبرها قراءة السياسات الإسكانية وعلاقتها بالسياق السياسي الاقتصادي العام في لبنان. تبلورت فكرة مساعدة المواطنات\ين على تخطّي مشاكلهم الإسكانيّة عبر مؤسسات متخصّصة لدى الدولة اللبنانيّة تحت تأثير فيضانات نهر أبو علي المستمرّة، وعقب زلزال عام 1956 والذي أدّى إلى تشريد آلاف المواطنات\ين. فأُنشِأت "المصلحة الوطنيّة للتعمير" بموجب مرسوم صدر بتاريخ 9 نيسان 1956، وهي مصلحة تابعة لوزارة الأشغال، "غايتها تعمير المنطقة المنكوبة في طرابلس والشمال بفيضان 17 كانون الأول سنة 1955 والمناطق المنكوبة بزلزال شهر آذار سنة 1956". وبالفعل، اقتصرت مهام هذه المصلحة على التعمير والترميم إذ لم تلعب أي دورٍ سكنيٍ خارج نطاق فيضانات أبو علي وأضرار الزلزال، ثمّ ألغِيَت المصلحة وإستُبدِلَت ب"إدارة التعمير" بموجب المرسوم رقم 15 تاريخ 1959/1/30.
إلّا أنّ تفاقم مشاكل السكن وقتها دفع الدولة بتاريخ 17 أيلول 1962 إلى تأسيس أول مؤسسة إسكان في لبنان من خلال قانون "تسهيل إسكان المعوزين وذوي الدخل الوضيع والدخل المحدود" أو ما يعرف ب"قانون الإسكان"، الذي أنشأ "مجلس الإسكان"، وهو هيئة تابعة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية تهدف لإسكان أصحاب هذه المداخيل مقابل شروط محددة يجب أن تتوفّر لديهم، وذلك عن طريق:

  • تأمين بناء هذه المساكن؛
  • تمكين المستفيدين من شرائها من التقسيط لآجال متوسطة وطويلة
  • تقديم مساعدات وتسهيلات لتحوير المساكن القائمة، أو توسيعها، أو تحسينها أو ترميمها."

وأُوكِلَ هذا المجلس إعداد سياسة إسكانية، وأُجيزت له صلاحيات العمل على الحد من الاكتظاظ السكاني في بعض المناطق، من خلال إحداث مناطق سكنية جديدة. عُدّلَ قانون الإسكان عام 1965، فأُنيطَت هذه المهام مباشرة بوزارة العمل والشؤون الاجتماعية، ليتفرّغ مجلس الإسكان لمهمة اقتراح سياسة عامة لإسكان الفئات التي يتوجّه إليها القانون، وإبداء الرأي في مشاريع المراسيم التي تُتخذ تنفيذاً له.
كما تم إنشاء صندوق خاص للإسكان تمسك حساباته مصلحة الخزينة في وزارة المالية، يكون تابعاً لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية وذلك لتأمين الأموال اللازمة في سبيل تحقيق أهداف القانون، وأُقِرّت جملة من الإعفاءات الضريبيّة بغية مساعدة المواطنين على اقتناء مسكن.
أنّما أبرز ما تضمّنه قانون الإسكان في صيغته الجديدة هو إقرار ”الحق في السكن“ من خلال تأكيده مسؤولية الدولة في تسهيل حصول المواطنين والمواطنات اللبنانيين من ذوي الدخل المتوسط أو المنخفض على مسكن.
ولكن، وعلى الرغم من الصلاحيات الواسعة التي مُنحت لمجلس الإسكان من أجل تحقيق مهامه الإسكانية، لم يمنح هذا الأخير طوال فترة عمله، أي قرض أو مساعدة لأي شخص كان\ت ينوي ترميم مسكنه\ا أو تحسينه أو توسيعه. واقتصرت توجّهاته الأساسية على إقامة المساكن الشعبية الجماعية التي لم يكتمل بعضها أو لم تُنجز بشكل نهائي.

و بتاريخ 1973/12/21 صدر القانون رقم 73/31 والذي جرى بموجبه نقل كافة المهام الإسكانية التي كانت منوطة بوزارة العمل والشؤون الإجتماعية عن طريق مجلس الإسكان، إلى وزارة الإسكان والتعاونيات عن طريق المديرية العامة للإسكان.  كان الهدف الأساسي من إنشاء المديرية العامة للإسكان هو العمل على حلّ أزمة السكن التي بدأت تظهر معالمها بشكل حاد في مطلع السبعينات، بعدما ثبت عدم فاعلية مجلس الإسكان في هذا المجال. وأُوكِلَ إليها وضع سياسة إسكانية عامة، تستند إلى حاجة المناطق اللبنانية للمساكن الصالحة والملائمة، على أن تراعي إزالة كافة المساكن غير الصحية وغير الملائمة لحياة الناس والاستعاضة عنها بالمساكن المناسبة لهم. فعملت المديرية على منح القروض الإفرادية طويلة الأجل، تسهيلاً لإسكان المعوزين وأصحاب الدخل المتواضع والمحدود في مساكن ملائمة، أو لتمكّنهم من شراء أو بناء مساكن مناسبة لهم، أو لمساعدتهم على تحسين أو توسيع أو ترميم مساكنهم. كما زاد قانون 73/31 على الإعفاءات التي أعطيت للأفراد المستفيدين من تسهيلات مجلس الإسكان إمعاناً منه في تشجيع البناء السكني. فأُعفيت المؤسسات والشركات والهيئات التي تنشئ أبنية سكنية وفق أنظمة وقوانين المديرية العامة للإسكان، من رسوم الطوابع والتأمين ومن ضريبة الدخل عن الأرباح وضريبة الفائدة في حال التأمين العقاري.

ورغم الصلاحيات التشريعية والتنفيذية الواسعة التي خوّلت هذه الوزارة التعاطي بقضية السكن من الباب الواسع (إذ كان لها الحق بإلغاء ما تراه ضرورياً من نصوص تشريعية لمعالجة أزمة السكن، وتعديله واستحداثه)، اقتصر نشاطها من تاريخ تأسيسها وحتى تاريخ إلغائها على منح القروض لترميم المساكن المتضررة جرّاء الأحداث اللبنانية.

كما تجدر الإشارة إلى أنّه بتاريخ 1972/2/23 وبموجب المرسوم رقم 2981 جرى التصديق على النظام الأساسي للاتحاد الوطني للتسليف التعاوني، وبوشر العمل به، علماً بأن مرسوم إنشائه كان قد صدر بتاريخ 1968/5/4.

وجاء في هذا النظام أن الاتحاد الوطني للتسليف التعاوني ذو مسؤولية محدودة ويتكوّن رأسماله من خمسة أضعاف رأس المال الأساسي أو المتزايد المكتتَب به من التعاونيات الأعضاء فيه، ويشمل نطاق عمله الأراضي اللبنانية كافة.

كان الهدف من الإتحاد أن يقوم بجمع الموارد المالية الطليقة في القطاع التعاوني السكني لإعادة تسليفها إلى التعاونيات المنتسبة إليه والتي هي بحاجة إلى أموال لمنحها كقروض إسكانية إلى الأفراد الأعضاء فيها.

وكان  الإتحاد الوطني يحصر حق الإقتراض منه في الجمعيات التعاونية السكنية المسجلة رسمياً لدى المديرية العامة للتعاونيات، والتي بلغ عددها، حسب اللائحة التي أعدّها الإتحاد وقدّمها لوزارة الإسكان والتعاونيات بأسماء الجمعيات التعاونية التي تقدّمت منه بطلبات عام 1984، 28 جمعية. وبلغ عدد الأعضاء الراغبين بالحصول على القروض الإسكانيّة 3082 عضواً، بينهم 1128 عبّروا عن حاجة ملحّة للتنفيذ فوراً.
أمّا عدد الجمعيات التي تمكّنت من الإستفادة فعليّاً من القروض، فبلغ عددها 14 جمعيّة تعاونيّة تضم 599 عضواً.

لم يُحقّق العمل التعاوني الإسكاني في لبنان أي نجاح يذكر أو أي تقدّم ملموس على صعيد حلّ أزمة السكن، إذ لم يتمكّن إلّا من تقديم عدد ضئيل من القروض بحجّة محدوديّة الموارد الماليّة الّتي وفّرتها له وزارة الإسكان والتعاونيات. ويمكن نسب فشل الإتحاد في تحقيق أهدافه الإسكانية إلى جهل معظم أعضاء الجمعيات لمفهوم العمل التعاوني، كما لغياب جهاز إداري رقابي للتدقيق في مدى توفّر المقوّمات الإقتصادية والإجتماعيّة لدى الجمعيات التعاونية ومدى حاجتها فعلياً للتمويل. إذ أنّ معظم أعضاء التعاونيات السكنية استغلّوا هذا الواقع و شكّلوا الجمعيات فيما بينهم  بهدف الحصول على قروض طويلة الأجل بفوائد منخفضة، و بهدف الإستفادة من الإعفاءات والامتيازات التي كانت تقدّمها الدولة للمقترضين من الإتحاد.

عمد بعدها مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة بتاريخ 1977/1/8 إلى إنشاء "مصرف الإسكان"، بناءً على اقتراح وزير المالية ووزير الإسكان والتعاونيات، عملاً بمشروع القانون المُحال على مجلس النواب بموجب المرسوم رقم 10972 تاريخ 1975/11/29.

والمصرف شركة مغفلة لبنانية منشأة بموجب قانون خاص، مؤلّفة من الدولة اللبنانية والصندوق الوطني للضمان الإجتماعي ومن يكتتب من المساهمين الآخرين ومن ينضم إليهم فيما بعد. وينحصر دورها في القضايا الإسكانية دون سواها، عن طريق الإسهام في تمويل تملّك المساكن، وأعمال البناء والتجهيز من أجل السكن التي يقوم بها الأشخاص الطبيعيون والمعنويون سواء كانت هذه الأعمال إنشاءات جديدة أو لتوسيع وتجديد وترميم إنشاءات قائمة، أو عن طريق تملّك العقارات وتحضيرها وبيعها مبنية أو معدّة للبيع.

إنّما وعلى غرار المؤسسات التي سبقته، لم يتمكّن مصرف الإسكان من لعب أي دور فعّال في معالجة أزمة السكن واقتصر عمله على منح قروض على فترات زمنيّة متقطّعة وغير منتظمة، بحجّة الظروف التمويليّة الصعبة الّتي مرّ بها.

ثم أتى قانون البلديات 118/1977 الذي أعطى في المادة 50 منه الصلاحية للمجلس البلدي ضمن منطقته " [...] أن ينشئ أو يدير بالذات أو بالواسطة أو يسهم أو يساعد في تنفيذ الأعمال والمشاريع الآتية (ومن ضمنها) المساكن الشعبية...". إلاّ أن البلديات لم تستخدم هذه الصلاحية إلا في حالات نادرة ويعود ذلك لأسباب شتّى يمكن تلخيصها بغياب الإرادة السياسية في التدخّل في قطاع الإسكان وتخصيص الموارد اللازمة لدعم إعادة إنتاج السكن الميسّر، إنطلاقاً من النهج السائد الذي يعتبر أن الأرض والسكن سلع كغيرها تخضع لتقلّبات السوق.
وبتاريخ 1980/5/17 صدر القانون رقم 80/6 المتعلّق بإنشاء مؤسسة سكنية جديدة تحت إسم الصندوق المستقل للإسكان بهدف تمويل بناء عشرين ألف وحدة سكنية، تُخصَّص لأصحاب المداخيل المحدودة والمتوسطة. وقد تم ربط المساحات التي يموّلها هذا الصندوق بالمداخيل العائلية السنوية للراغبين في الاقتراض، على أن يكون مصدر تمويل هذه القروض من عائدات زيادة عامل الاستثمار. 
ولكن تمّ إلغاء هذا الصندوق مرّة أولى من خلال المرسوم الإشتراعي 1983/129 الذي قضى بإنشاء المؤسسة العامة للإسكان، وضمّ جميع موجودات الصندوق إليه. إلّا أنه وبعد سنتين، تمّ بموجب المرسوم الاشتراعي 33 تاريخ 1985/3/23 إلغاء المؤسسة العامة للإسكان وإعادة العمل بجميع المؤسسات الإسكانية (أي مصرف الإسكان والإتحاد الوطني للتسليف التعاوني والصندوق المستقل للإسكان) والنصوص القانونية والتنظيمية التي كانت قد ألغتها.
 ثم ألغي الصندوق من جديد مع إعادة إنشاء المؤسسة العامة للإسكان بتاريخ 1996/7/24 بموجب القانون رقم 539.

إن توالي المؤسسات الإسكانيّة على الساحة اللبنانية على هذا النحو يُظهر مدى ابتعاد الدولة اللبنانية عن كل ما له علاقة بالتخطيط والرؤية العلمية في تعاطيها مع قضية الإسكان. فجميع هذه المؤسسات، رغم تعدّد مهامها وصلاحياتها، لم تتمكّن من رسم أي خطّة أو خارطة طريق تؤمّن وصول المواطنات\ين إلى السكن الملائم. وعند تعثّرها، لم تبحث الدولة في أسباب هذا التعثّر أو في سبل إعادة تفعيل دور هذه المؤسسات وتعزيز قدراتها التشغيلية، بل اكتفت بإلغاءها وإنشاء أخرى بديلة عنها.

فضلاً عن ذلك، فارتكاز نشاط المؤسسات الإسكانية طوال هذه الفترة وفي المرحلة التي تلتها، على منح القروض السكنية  كوسيلة لتأمين المسكن، يدلّ على تعاطي الدولة مع الحق في السكن بالمنظور الضيّق الذي يشترط التملّك للوصول إليه.

 

تشريعات إسكانية في خدمة السياسات النقدية والاقتصادية

إتّجهت السياسة العامة في لبنان مع الخروج من الحرب الأهلية إلى تشجيع الاستثمار العقاري، بعد ربط مصرف لبنان لسعر صرف الليرة بالسوق العقاري في محاولة لجذب رأس المال من الخارج. فعملت الحكومات المتتالية على تسهيل شروط عمل المستثمرين المحليين والأجانب في العقارات، وزادت النسب التي يسمح بها البناء، كما خُفّضت الضرائب على الاستثمار.

ولعب مصرف لبنان دوراً بارزاً في دعم هذه السياسة عبر تقديمه سلسلة من الحوافز للمصارف من أجل الاستثمار في القطاع العقاري، وبالتالي دخولها كلاعب أساسي في المضاربة العقارية. حصل ذلك من خلال عددٍ من التعميمات والقرارات، منها القرار 1996/ 6180 الصادر بالتعميم رقم 25 والذي يمنح المصارف تحفيزات لوضع برامج ادّخار واقتراض سكني، لشراء أو تشييد أو ترميم مسكن، لقاء تنزيل قيمة الودائع العائدة لمثل هكذا برنامج، من مجموع الإلتزامات لأجل التي يحتسب على أساسها جزءًا من الإحتياطي الإلزامي. بمعنى آخر، سمح المصرف المركزي للمصارف باستخدام جزءٍ من احتياطها الإلزامي لمنح القروض الإسكانية، علماً بأنّه خفّض هذا الاحتياطي عام 2001، و عام 2007 و مجدداً عام 2009.

نتيجةً لذلك، سُخّرَ قطاع الإسكان في خدمة هذه السياسة النقديّة، وبهدف تحريك السيولة الفائضة لدى المصارف، وارتكزت التشريعات الإسكانية آنذاك على:

  1. خصخصة المؤسسات العامة الإسكانية، حيث صدر القانون 1993/283 والذي قضى بتحويل مصرف الإسكان إلى مصرف خاص عبر تخفيض حصة الدولة والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي مجتمعين من 50% إلى ما لا يتعدّى الـ 20% من رأسمال المصرف. وعند إعادة إنشاء المؤسسة العامّة للإسكان بموجب القانون رقم 539 عام 1996، حرص مجلس إدارتها على وضع نظام اقتراض يعتمد على مشاركة الهيئات الوسيطة في القطاع الخاص، لا سيّما المصارف، ممّا أدّى إلى توقيع بروتوكول التعاون بين المؤسسة العامّة للإسكان و جمعية المصارف بتاريخ 1999/5/4.
  2. التركيز على التسليف من أجل التملّك. ففضلاً عن الحوافز التي قُدّمت للمصارف لأجل تأمين قروض الإسكان، سعت الدولة إلى إعادة إنشاء المؤسسة العامة للإسكان الّتي قُدّمت كبديل فعّال للصندوق المستقل للإسكان، إذ نصّت المادّة 7 من قانون إنشاءها أن مهمة المؤسسة هي "تسهيل إسكان المستفيدين" من خلال:
  • "بناء المساكن وملحقاتها مباشرة أو بواسطة الغير
  • تشجيع الإدخار والتسليف للسكن
  • تقديم القروض المتوسطة والطويلة الأجل إلى:
    • الهيئات المنتفعة لبناء المساكن وتمليكها من المستفيدين الذين تتوفّر فيهم الشروط المطلوبة باستثناء الشركات التجارية.
    • المستفيدين لبناء مساكن على عقارات يملكونها، أو لشراء مساكن مبنية أو قيد الإنشاء أو لتوسيع مساكنهم أو ترميمها.
    • الهيئات المنتفعة لبناء المساكن من أجل تأجيرها من العاملين لديها."

إلّا أن المؤسسة أهملت أدوارها في بناء المساكن وتشجيع الادخار والتسليف للسكن، وتحوّلت إلى مجرّد كفيل للمقترض تجاه المصارف الخاصة. علماً أن القروض السكنية التي عملت المؤسسة على تأمينها لم تعُد بالفائدة إلّا على شريحة محدودة من الأفراد. إذ كان يقتضي على المستفيدين أن يتمتّعوا برأس مال أولي كافٍ لتسديد الدفعة الأولى لشراء المسكن، ممّا ترك الشرائح الأضعف إجتماعياً خارج إمكانية الإستفادة من هذه القروض.
بالفعل، يتبيّن أنّه في هذه الحقبة تحوّل الحق في السكن إلى أداة في خدمة سياسة مصرف لبنان لجذب الرساميل وتشجيع الإستثمار بدلاً من أن يكون هدفاً حقيقياً توضع السياسات من أجل تحقيقه.
وكان لهذه السياسة النقدية عدّة نتائج سلبية، لجهة ارتفاع أسعار العقارات نتيجة التضخّم المفتعل في الطلب على شراء العقارات، بفعل ربط سعر صرف الليرة بالسوق العقاري بحيث استوجب الإبقاء على أسعار العقارات عالية للحفاظ على سعر الصرف بعد تحويل رساميل المصارف والمستثمرين إلى ملكيات عقارية. وبالنتيجة، توسّعت شريحة الأفراد العاجزين\ات عن تأمين المسكن لانحسار قدرتهم الشرائيّة ولعدم استيفائهم شروط التسليف للتملّك.

تحرير الإيجارات: تملّص الدولة من مسؤولياتها مقابل تسليع السكن المأجور

على صعيد قوانين الإيجارات، لعب المشرّع دوراً رقابياً إيجابياً على عقود الإيجار بين الفترة الممتدّة من سنة 1940 حتى 1992، إذ صدر نحو 25 قانون لضبط الإيجارات، من ناحية تحديد الحدّ الأقصى

للزيادات على بدلات الإيجار الجديدة، وتكريس خفض بدلات الإيجارات القائمة (وتجدر الإشارة هنا إلى أن القانون الصادر في 30/3/1948 يعتبر أول قانون كرّس تخفيض البدلات)، أو لجهة وضع شروط للإخلاء واسترداد المالك للمأجور.
ورغم عدم تطرّق المشرّع لسياسات سكنيّة أشمل تحاكي احتياجات الفئات الأضعف إجتماعياً، إلّا أنه من خلال ممارسته لدوره الرقابي على تحديد معدّلات بدلات الإيجار، كان المشرّع يؤمّن الاستقرار النسبي على مستوى الوضع السكني للمستأجرين، ويمنحهم ضمانات ضد الإخلاءات التعسفيّة.
ثم وُضِعَ القانون 1992/160 أو ما يُعرف ب "قانون التعاقد الحر" الذي أعفى الدولة من دورها في ضبط معدلات بدلات الإيجارات، و الذي نجم عنه خلق نظامين قانونيين منفصلين لعقود الإيجارات:  

  • عقود الإيجارات المعقودة قبل 1992، التي لا تزال خاضعة لقانون إيجار العقارات المبنية القديم الممدّد مفعوله إلى حين تمكّن العمل بالقانون 2014/0 والقانون التعديلي عليه 2017/2، وهما يضعان شروط وآليات تحرير تلك الإيجارات.
  • عقود الإيجارات المعقودة بعد 1992، الخاضعة للتعاقد الحرّ بين المؤجّر والمستأجر، والمنظّمة بموجب المواد 533 إلى 601 من قانون الموجبات والعقود.

كان لإقدام الدولة على تحرير الإيجارات تداعيات سلبية عدّة أبرزها تحويل الإيجار من وسيلة أساسية للوصول إلى السكن، إلى سلعة أو خدمة تخضع أسعارها لتقلّبات العرض والطلب وارتفاع أسعار الأراضي والعقارات. أدّى الازدياد الحادّ الذي لحق ببدلات الإيجار في غياب رقابة الدولة وضبطها للعقود، إلى تقلّص حجم شريحة المواطنات\ين التي تسمح لهم مداخيلهم بالإستئجار من جهة، أو دفعهم إلى إبرام عقود إيجار لمهل قصيرة نسبيّاً لا يمكن خلالها ضمان حيازة السكن بشكل واقعي من جهة أخرى.
أمّا قوانين الإيجارات الجديدة التي كان من شأنها تسوية أوضاع المستأجرين والمالكين القدامى، فساهمت في رفع مستوى الخلاف بينهم، وذلك لأن الأجزاء القابلة للتطبيق من هذه القوانين هي تلك المؤدّية إلى استرداد المأجور للهدم أو للحاجة العائلية، ممّا يضع المستأجرين القدامى في موقع خطر فقدان مساكنهم. أمّا الآليات الّتي وُضِعَت لحمايتهم ولضمان حقهم في السكن -كصندوق المساعدة للمستأجرين القدامى من ذوي المداخيل المحدودة واللجان ذات الطابع القضائي التي تنظر في الخلاف على بدل المثل وتبتّ بأحقية الحصول على مساهمة الصندوق- فهي لم تطبَّق بالشكل المطلوب حتى اليوم. 
يضاف إلى ذلك عدم تقديم هذه القوانين لأي حل جدّي لمشكلة الإيجارات القديمة ضمن إطار سياسة إسكان شاملة، تخفّف الأعباء عن المستأجرين بما يتناسب مع مداخيلهم، وتنصف المالكين، وتحدّد مسؤولية الدولة في تنظيم سوق الإيجارات. 
عام 2006، أطلقت المؤسسة العامّة للإسكان مشروع "البناء والإيجار التملّكي"، المستحدث بموجب القانون رقم 2006/767، والموجّه خصيصاً إلى أصحاب المداخيل الصغيرة. وهو عبارة عن عقد إيجار يعطي المستأجر الحق في اختيار تملّك المأجور عند انقضاء مهلة محدّدة (بين خمس سنوات على الأقل و30 سنة كحدّ أقصى بحسب القانون)، لقاء الثمن متفق عليه عند إجراء العقد، مع احتساب الأقساط المدفوعة منه كبدلات إيجار من أصل الثمن. وكان يفترض على المؤسسة بموجب القانون 767 وخلال ثلاثة أشهر من تاريخ نفاذه أن تضع نظاماً خاصاً للإيجار التملّكي تحدّد فيه شروطه وإجراءاته، على أن يتم المصادقة عليه بمرسوم يتّخذ بمجلس النوّاب. إلّا إنّه حتى اليوم لم يصدر مثل هذا المرسوم.
لا يسعنا إلّا التعليق على سيئات هذا القانون، إن كان لجهة عدم تضمّنه أي تحفيزات تحثّ المالكين على إبرام هكذا عقود، أولجهة كون الإيجار التملّكي تكريساً آخراً لمنطق تأمين الحق في السكن عبر التملّك. فضلاً عن أنّه، ورغم توجّهه أساساً إلى ذوي الدخل المحدود، لم يكن ليستفد منه فعليّاً سوى أقلية ميسورة إقتصادياً.

 

إجراءات الدولة الإسكانية في ظلّ الأزمات: تدابير مؤقتة في غياب أي حلول طويلة الأمد

يرزح القطاع الإسكاني اليوم تحت وطأة الأزمات المتتالية التي عصفت بالاقتصاد المحلي خلال السنوات الأخيرة، وتسبّبت بأسوأ انهيار إقتصادي يشهده لبنان منذ عقود. أوّلها أزمة القروض السكنية التي بدأت معالمها تظهر سنة 2018 حين أصدر حاكم مصرف لبنان التعميم رقم 503 لضبط استخدام المصارف لإحتياطها الإلزامي2، بعد استنفاذ هذه الأخيرة للكوتا الممنوحة لها لتمويل بعض مشاريع القطاعات الاقتصادية الإنتاجية، ومنها مشروع التسليف للسكن، في فترة قصيرة جداً. أدّى العمل بهذا التعميم إلى إيقاف القروض السكنية، ونتج عن ذلك تعثّر عدد كبير من المواطنين عن دفع قروضهم السكنيّة.3 تحرّكت الدولة لحل الملفات العالقة من طلبات قروض الإسكان بعدما علت الأصوات المنتقدة غيابها،  فقدّم مجلس النواب أكثر من اقتراح قانون بهدف دعم تمويل القروض السكنية الممنوحة من المؤسسة العامة للإسكان، منها إقتراح قانون "طابق الواجهة الخامسة" الذي طرح تعديل قانون البناء (القانون رقم 2004/646) للسماح بزيادة طابق إضافي بسقف قرميد منحدر على المباني القائمة، شرط أن تعود نسبة 80 في المائة المستوفاة من رسوم العائدات منه إلى المؤسسة العامة للإسكان، واقتراح قانون تسوية مخالفات البناء الذي يمنح المؤسسة %30 من الرسوم التي يستوفيها. وأخيراً تم إقرار القانون رقم 95 القاضي بفتح اعتماد إضافي في موازنة عام 2018  وقدره مئة مليار ليرة لبنانية في باب وزارة الشؤون الإجتماعية- المؤسسة العامة للإسكان، كما تضمّنت الموازنة بنداً يقضي بتمديد مهل الدفع لأصحاب القروض الإسكانية المتعثّرة. فيكون جلّ ما فعله مجلس النواب هو البحث عن سبل لإمداد المؤسسة العامة للإسكان بالمزيد من المال دون محاولة معالجة أزمة السكن بشكل جدّي.
وفي أواخر عام 2019، نتيجةً لتضخّم الطلب على الدولار في ظل الهبوط الحاد في حجم التحويلات والإستثمارات الخارجية، والتقلّص التدريجي لحجم الكتلة النقدية بالدولار الموجودة في السوق، تدهورت قيمة الليرة مقابل الدولار وتفاوتت أسعار الصرف بين السعر الرسمي وسعر السوق.
وارتدّ هذا الواقع سلباً على السكن في لبنان، إن كان لناحية النزاع الذي نشأ بين المستأجرين والمالكين حول أي سعر صرف يجب اعتماده عند دفع بدلات الإيجار، ومطالبة بعضهم الدفع بالدولار حصراً تحت طائلة الإخلاء، أو لجهة رفض بعض المصارف استيفاء أقساط القروض السكنية الممنوحة بالدولار بالليرة اللبنانية.
وإن لم تكن كل هذه الضغوط كافية، أتت جائحة كورونا لتفاقمها. فبتاريخ 15 آذار 2020، أصدرت الحكومة مرسوم تعبئة عامة نصّ على "وجوب التزام المواطنين البقاء في منازلهم وعدم الخروج منها إلاّ للضرورة القصوى" وعلى "إقفال الإدارات والمؤسسات العامة والبلدية والمصالح المستقلة والجامعات والمدارس الرسمية والخاصة باستثناء البعض منها لتلبية حاجات المواطنين، وتعليق العمل في الشركات والمؤسسات الخاصة والمحلات التجارية على اختلافها ومكاتب أصحاب المهن الحرّة مع مراعاة الضرورة القصوى المرتبطة بالعمل بالتنسيق مع نقابات المهن الحرّة هذه". وتبعاً لهذا الإقفال (الذي مدّد العمل بمرسومه أربع مرّات) ما نتج عنه من ضررٍ على المستوى الاقتصادي من تراجع الإنتاج والقضاء على فرص العمل، وتدنّي المداخيل اليوميّة (أو فقدانها بشكل تام)، فقد أثّر بدوره على الأوضاع السكنية، فازدادت نسبة المتعثرين عن الدفع، إن كان لجهة دفع بدلات الإيجار أو لجهة دفع أقساط قروض الإسكان، وارتفعت نسبة الإخلاءات  في وقت كان "التزام المنازل" ضرورياً للحفاظ على الصحة والسلامة العامة.
و بعد ارتفاع الأصوات من جديد، تقدّمت الدولة بقانونين هما:

  • قانون تعليق المهل القانونية والقضائية والعقدية المعجّل، رقم 2020/160 بتاريخ 2020/5/8، والذي علّق "حكماً بين تاريخ 18 تشرين الأول 2019 و30 تموز 2020، سريان جميع المهل القانونية والقضائية والعقدية الممنوحة لأشخاص الحقين العام والخاص بهدف ممارسة الحقوق على أنواعها، سواءً أكانت هذه المهل شكلية أو إجرائية أو امتدّ أثرها إلى أساس الحق." إنّما لم يحدد إذا ما كان تعليق المهل يضمّ بدلات الإيجارات المستحقّة والتي ستستحقّ خلال فترة تطبيق القانون، علماً بأنّه استثنى صراحة الإيجارات القديمة من الإستفادة من تعليق المهل. كما لم يحدّد آليّة واضحة لتسديد البدلات المتراكمة بعد انقضاء مهلة التعليق القانونيّة، ممّا سيسبب المشاكل بين المؤجر والمستأجر.
  • قانون تعليق أقساط الديون والإستحقاقات المالية لدى المصارف وكونتوارات التسليف رقم 2020/177 بتاريخ 2020/5/13، والذي نصّ صراحة على" تعليق أقساط الديون المتأثرة من تبعات انتشار فيروس كورونا لدى المصارف أو كونتوارات التسليف وتجميد جميع استحقاقات القروض والفوائد المستحقة عليها من 2020/4/1 لمدة ستة أشهر". ليكون بذلك حصر تطبيق النص على الديون المتأثّرة بجائحة الكورونا متناسياً القروض المتعثّرة وفوائدها المتراكمة خلال الأزمات التي سبقتها. كما علّق جميع الإجراءات القانونية والتنفيذية للمشمولين بأحكام هذا القانون ومنع المصارف أو كونتوارات التسليف من تقاضي أي عمولة أو فرض فوائد التأخير على تأجيل السداد. وذلك من دون تحديد آليّات هذا السداد بعد مرور مهلة الستة أشهر. فهل تستحق الدفعات المترتّبة  كلها دفعة واحدة مثلاً، أم ستصدر مراسيم تحدّد جدولتها؟ أم أن القانون سيترك الحرية لكل مصرف وكونتوار تسليف في وضع آليات تحصيل خاصّة به؟

كما اشترط القانون أن يكون العميل المستفيد منه "لا يتجاوز دخله الشهري الحد الأدنى من الأجور، أو مِن مَن تم تخفيض دخلهم إلى النصف وما دون أو توقيفهم عن العمل بشكل جزئي أو نهائي". متجاهلاً بذلك التضخم الاقتصادي وارتفاع الأسعار وتدنّي القيمة الشرائية للعملة و تأثّر جميع المداخيل المحدّدة بالليرة اللبنانيّة جرّاء ذلك.  
لايمكننا وصف هذه القوانين إلّا بالترقيعيّة، إذ أنّها تقدّم حلولاً مجتزءة ومؤقّتة دون الغوص في أساس المشكلة والبحث في سبل المعالجة الفعّالة.ووقع انفجار المرفأ ليستكمل معاناة المواطنات\ين ويشرّد حوالي 300 ألف شخص في العاصمة اللبنانيّة.
ورداً على هذه الكارثة السكنية، ارتأت السلطات العامّة أن تكتفي بإنشاء اللجان و"غرف الطوارئ" وتكليفها بمسح الأضرار، وتوزيع المساعدات والهبات على المتضررين، معتمدةً على المنظمات غير الحكوميّة والمبادرات الفرديّة لتأمين السكن البديل لمن ت\يحتاجه المال أو الموارد اللازمة لإعادة إعمار المنازل. وقد قامت الأحزاب السياسيّة باستغلال الكارثة لتعزيز الزبائنية السياسيّة عبر حجب المساعدات عمّن لا يؤيّدها.
و بعد مرور أسبوعين على الفاجعة، أقرّ مجلس النواب قانون تمديد المهل و منح بعض الإعفاءات من الضرائب والرسوم رقم 2020/185، تاريخ 2020/8/19، والذي علّق لمدة ستة أشهر تسديد القروض السكنية وجميع الجزاءات القانونيّة أو التعاقديّة التي يمكن أن تُتّخذ بحق المتعثّرين عن دفع هذه القروض إبتداءً من تاريخ 2020/7/1. كما علّق جميع الإجراءات القانونية والقضائية التي بوشرت أو اتُّخذت إعتباراً من التاريخ نفسه. ليكون قد حجب مجدداً استفادة جميع من تعثّر عن الدفع قبل التاريخ المحدّد من فترة التعليق القانونية (علماً أنّ مهلة ستة أشهر قصيرة نسبياً ليتمكّن المقترضون خلالها من تسوية أوضاعهم).
وفي التاريخ نفسه، صدر عن مصرف لبنان التعميم رقم 568  ليُلزم المصارف والمؤسسات المالية أخيراً استيفاء سندات القروض الشخصية والسكنية بالليرة اللبنانية​ وعلى سعر صرف 1507.5، بعد أن كانت هذه الأخيرة وطوال الفترة التي سبقت قد مارست إستنسابيّتها مع أصحاب القروض فيما يخص سعر الصرف المعتمد. إنّما اشترط "أن يكون صاحب القرض مقيم في لبنان، وأن لا يكون لديه حساب بالعملة الأجنبية ممكن تسديد الأقساط منه، وأن لا يتعدّى مجموع ​القروض السكنية​ الممنوحة للعميل 800 ألف ​دولار​ ومجموع قروض التجزئة الأخرى 100 ألف دولار".
و في جلسته التشريعيّة تاريخ 30 أيلول 2020، صدّق مجلس النواب على قانون حماية المناطق المتضررة بنتيجة الانفجار في مرفأ بيروت ودعم إعادة إعمارها أو القانون رقم 194/2020 الذي يهدف – بحسب مقدّميه – إلى "وضع خارطة طريق من أجل معالجة الضرّر اللاحق ببيوت وأحياء بيروت وحماية السكّان". إلّا أنّه اكتفى بتمديد عقود الإيجار السكنية وغير السكنية في الأبنية والعقارات المتضرّرة لمدة سنة واحدة، معتبراً بذلك أنّه حماهم من الإخلاء خلال هذه الفترة، دون أن يأخذ بعين الإعتبار المستأجرين الذين باتت منازلهم غير صالحة للسكن، والذين يرفض المالكون المباشرة في التصليحات اللازمة لمنازلهم أو محالّهم أو لا يملكون الإمكانيات لإجراء هذه التصليحات، أو من قضوا في الإنفجار ولم يتركوا خلفهم أحداً.فضلاً عن عدم واقعيّة حصر المهلة بسنة واحدة، لما يشكّله ذلك من تناسٍ للأزمات الاقتصادية والمالية والاجتماعية القاسية التي أضعفت إمكانيات المواطنات\ين، والبطئ في توزيع المساعدات والتعويضات، وما سيسبّبه كل هذا من تأخير في مسار ترميم هذه المباني.
واستمر المشرع في نهجه القائم على تعليق المهل دون البحث في حلول جديّة للأزمة، حيث أصدر في 29/12/2020 القانون رقم 199/2020 الذي يعطي متنفساً مؤقتاً للمقترضين المتعثرين عبر تعليق مفاعيل البنود التعاقدية المتعلقة بالتخلف عن تسديد القروض، ويحميهم بالتالي من الملاحقة القانونيّة، دون أن يحدد مصير الأقساط و الفوائد المتراكمة أو يطرح إعادة جدولة عادلة لها.
 تقرر في آخر جلسة تشريعيّة تاريخ 30/6/2021 تمديد العمل بهذا القانون حتى نهاية العام الحالي.

في الخلاصة، نعود إلى قرار المجلس الدستوري المذكور أعلاه، حيث أكّد المجلس أنّ "الحق في سكن لائق استناداً الى الشرعات الدولية يفرض موجباً...على السلطات العامة في اعتماد سياسات عامة اجتماعية واقتصادية في الإسكان والتنمية المتوازنة والنقل، وبخاصة في لبنان حيث يساهم نقل مشترك منتظم في تشجيع السكن في مختلف المناطق وتجنب ترييف المدينة وتجنب الاضطراب في بنياتها السكنية ونسيجها الاجتماعي."
إلّا أنه وبعد عرضنا للمسار التشريعي الذي اعتمدته الدولة اللبنانية في ملف الإسكان، يمكننا الجزم بأنّ سياسة الإسكان (إن كان يمكننا وصفها بذلك)  لم تتّجه يوماً نحو تأمين الحق في السكن، بل ارتبطت بأولويات نقدية واقتصادية أخرى، جرّدت الأرض من دورها الاجتماعي و حوّلتها لمجرّد أداة تخدم مصالح رأس المال أوّلاً.

 

  • 1. قرار المجلس الدستوري اللبناني رقم 2014/6 تاريخ 2014/8/6
  • 2. منع أن يزيد صافي التسليفات الممنوحة من المصرف للقطاع الخاص بالليرة اللبنانية عن 25 في المائة من مجموع ودائع الزبائن لديه بالليرة اللبنانية.
  • 3. يوجد اليوم حوالي 138.000 قرض سكني مدعوم من مصرف لبنان، 60% منها قروض تُمنح عبر المؤسّسة العامّة للإسكان، بينما تتوزّع النسبة المتبقية على المصارف الخاصّة. نقلأ عن https://housingmonitor.org/bdl-hijacks-housing/