أنت هنا

المدينة، من يرسم مستقبلها؟

١٤ حزيران ٢٠١٧
فريق أشغال عامة: مونيكا بصبوص، عبير سقسوق، نادين بكداش

ED_Sketch.jpg

رسمة لجودي أبي رستم

على مدى عقود عديدة، شهد لبنان تدهوراً في الحقوق السكنيّة، وإقفالاً لشواطئه أمام العموم، وغياباً لخطةٍ شاملة في النقل العام، ناهيك عن حدودٍ وحواجز متزايدة بين المناطق وحول الأحياء، واختفاء المساحات المفتوحة والخضراء من حياتنا يوماً بعد يوم...

يرتبط هذا المشهد بشكلٍ مباشر بالطريقة التي كانت تُدار بها مدننا، والأهمّ من ذلك، بكيفية صياغة السلطات العامّة للسياسات المدينيّة. فكيف أدّت السياسات المدينية السابقة والحاليّة في تعطيل حياة الناس اليومية، وتشويه ملامح محيطهم العمرانيّ والبيئيّ، وتقليص قدراتهم على المشاركة في القرارات التي تؤثر عليهم بشكل مباشر؟ واليوم، ما هي التخطيطات التي يتم وضعها لرسم مستقبل مدننا وقرانا ومساحاتنا وبيئتنا؟ وما هو احتمال وضع سياساتٍ عادلةٍ تلبّي احتياجات الناس وتطّلعاتهم، على اختلافها؟

إنطلاقاً من هذه الأسئلة، يتعاون «استديو أشغال عامّة» مع «المفكّرة القانونيّة» من أجل خلق مساحةٍ تهدف إلى بناء معرفةٍ حول العدالة المكانيّة والحقّ في المدينة والسياسات العامّة والتطوير العمرانيّ. ضمن هذا القسم الصادر شهريّاً ضمن المجلة، وربطاً بمشاريع بحثيّةٍ وتطبيقيّةٍ ونشاطاتٍ فعليّة، نعمل على التفاعل مع القضايا الآنية والتأثير على السياسة اليوميّة في المدينة.

ولكن، لماذا اللجوء إلى "المفكّرة القانونيّة" للكتابة عن قضايا العمران والبيئة؟ عندما رفعت «المفكّرة» في عددها التجريبيّ الأول الصادر في نيسان 2011 نداء: «لا تتركوا القانون للقانونيّين»، هدفت إلى كسر احتكار أعيان السلطة للقانون كما تحرير فهمه ونقده من احتكار القانونيّين لهما. انعكس هذا التوجّه على نضالات بيئيّة ومدينيّة. وبالفعل، عندما انطلقت «الحملة الأهليّة للحفاظ على دالية الروشة» في آذار 2014، وجدت في «المفكّرة» شريكاً أساسيّاً لها. فخاضت «الحملة» مع «المفكّرة» في دعوى قضائيّة لإسترداد الملك العام، ما زالت معروضةً أمام مجلس شورى الدولة بانتظار القرار العادل. وعندما صدر قانون الإيجارات الجديد من دون أيّ بدائل أو ضماناتٍ سكنيّةٍ بديلة للمستأجرين، كانت «المفكّرة» من الجهات الداعية إلى قانونٍ شاملٍ يضمن الحقّ في السكن لجميع الفئات الإجتماعيّة.

وأبعد من ذلك، هناك علاقةٌ عضويّةٌ بين القانون والعمران. ففي خلال العقد الماضي، انخرط عددٌ كبيرٌ من الباحثين في دراسة العلاقة ما بين الجغرافيا والقانون، في محاولةٍ  لتوضيح فهمنا لكلٍّ منهما، مما قد يضع امامنا أسئلةً جديدةً حول كيفية إنتاج المدن، استدامتها، أو تحويل مسارها.

في لبنان، غالباً ما أتت النظرة السائدة إلى القانون خاليةً من الشقّ الإجتماعيّ، تختصرها آلية تأثير الطبقة السياسيّة على التشريع. وكان تأثير ذلك هائلاً على مسار العمران والتنمية والبيئة.

إذا نظرنا إلى المشهد المؤسساتيّ، حاضراً وتاريخيّاً، نجد إخفاقاً كاملاً في التعاطي مع العمران والتنمية والبيئة. لا بل نجد أنّ هذه المؤسسات تؤدّي دوراً أساسيّاً في تجسيد الجشع الذي يدير عمليات التطوير العمرانيّ، بحيث صار التنظيم المدني أداةً لتثبيت هيمنة قلٌةٍ من المستثمرين على السكّان، وتحكٌمهم بإمكانية تواصل الناس مع بيئاتهم الطبيعيّة والإجتماعيّة والثقافيّة.

فقد بدأ الحديث عن «الخطة الشاملة للإنماء» في منتصف الخمسينيّات مع إنشاء وزارة التصميم. إلّا أنه تمّ إلغاء هذه الوزارة في العام 1977 وإنشاء «مجلس الإنماء والإعمار»، لتكون مهمّته الأساسية وضع الخطة الشاملة للإنماء. لم توضع هذه الخطة إلا بعد مرور أكثر من نصف قرنٍ من الزمن، وتمّ اختزالها بفصل واحد متعلق بكيفية استخدام الأراضي وسميت بـ «الخطّة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانيّة». صدرت هذه الخطة ضمن مرسومٍ في العام 2009، لم يوضع حتى اليوم موضع التنفيذ، إذ بقي مجرد مخطّطٍ توجيهيّ غير ملزمٍ للأفراد١. في المقابل، صدر في العام 2000 قانونٌ يرمي إلى إلغاء وزارتَي «الإسكان والتعاونيات» و«الشؤون البلديّة والقرويّة»، لينهي أيّ حديثٍ رسميّ حول الحقّ في السكن والإنماء المتوازن.

اليوم، لم يتبقَ لنا من مؤسسات للدولة المعنية بالشؤون المدينيّة إلا إدارةً واحدة تابعة لوزارة الأشغال العامة والنقل، هي: «المديريّة العامّة للتنظيم المدني»، التي تأسست في العام 1962 مع إصدار قانون التنظيم المدنيّ، الذي وضعه القاضي في مجلس الشورى الفرنسيّ لويس فوجير٢. ضمن هيكلية المديريّة، يحضر «المجلس الأعلى» ليكون مجلساً إستشارياً يبدي رأيه بالمواضيع الكبرى، كقانون البناء وقانون التنظيم المدني والمشاريع الضخمة وغيرها. ولكن، في العام 1983، أُدخلت على «المجلس الأعلى» إداراتٌ لا علاقة لها بدوره، لأسبابٍ سياسيّة. فتحوّل المجلس إلى حيّزٍ أساسيٍّ يخترقه الفساد والرشوة على صعيد الوطن بأكمله. كما أُبقي قانون التنظيم المدنيّ اللبنانيّ على حاله، في حين خضع نظام التخطيط المُدني في فرنسا إلى إصلاحات وتحوّلات. وبالتالي، قامت الإدارة المحليّة بحرمان المواطنين من المشاركة في صناعة مستقبلهم، وخاصةً على مستوى مناطقهم.

إن تغيير المعادلة القائمة لا يتطلب فقط سياسات ومؤسسات عامّة جديدة، وإنّما إشتراك السكان كجسمٍ مطلبيّ به، لأنهم يواجهون هذه التحديات بصورةٍ يوميّة، ويمتلكون العديد من الأفكار والممارسات المحليّة التي تجعل من هدف تحقيق العدالة إمكانيّةً حقيقيّةً.

نحن نؤمن بأن جميع المواطنين يمتلكون حقّاً متساويّاً في مدينتهم، ويتشاركون مسؤوليةً جماعيّةً تجاهها. ولذلك، نسعى في هذا الحيّز إلى نشر عددٍ كبيرٍ من المقالات التي تسلّط الضوء تباعاً على قضايا محوريّة في السياق المدينيّ. تنبع مبادرتنا من الحاجة الماسّة لفهم واقع عمراننا القائم وفتح مناقشةٍ عامّةٍ حوله. لا نحتاج إلى المزيد من الخبرات، وإنما إلى مطالبة السكّان، كلّ السكّان، لا سيّما الذين لطالما تعرضّوا للتهميش، بحقوقهم العمرانيّة، فنصيغ معاً سياساتٍ جديدةً أكثر عدالةٍ واستدامة.

هذا الحيّز هو محاولةٌ لإطلاق حوارٍ في هذا الإتجاه.

  • ١. من مقابلة مع المهندس محمد فواز أجرتها الباحثة ناتالي بكداش، 2016
  • ٢. من مقابلة مع المهندس محمد فواز أجرتها الباحثة ناتالي بكداش، 2016