أنت هنا

تفجير الطريق الجديدة: أين أصبح الناس بعد التفجير المنسي؟

١٩ تشرين الثاني ٢٠٢٠
بحث ميداني: ريتا كامل وريّان علاء الدين / إشراف على البحث: تالا علاء الدين / كتابة: جنى نخّال

 

هموم كثيرة تقضّ مضجع سكان الطريق الجديدة. فبعد تفجير كبير أودى بضحايا، ودمّر عدداً من الشقق، وأرعب أهل المنطقة، اختفت نتائج التفجير من الأخبار العاجلة والنشرات المسائية، لنشعر وكأن حياة سكّان هذه المنطقة عادت إلى طبيعتها. لكن التفجير يبدأ بعد حصوله. وأهل الطريق الجديدة مازالوا يحاولون لملمة ما تبقّى من بيوتهم بعد الحادثة التي لم تُعرف حتى اليوم أسبابها. 
سنعالج في هذا النص نقطتين نراهما أساسيتين: أسباب التفجير وعلاقته بغياب التنظيم، وتبعات الإنفجار على هشاشة السكان خاصة المهمّشين منهم.
 

الوضع السكني في الطريق الجديدة

كالعديد من الأحياء البيروتية، نمت منطقة الطريق الجديدة على مراحل، ممّا خلق فيها نسيجاً عمرانياً واجتماعياً متنوّعاً، مازال ظاهراً حتى اليوم. وقد عُرِفَت المنطقة بالعلاقات الاجتماعية المترابطة، ويسكن فيها اليوم حوالي الربع مليون نسمة.
تتميّز الطريق الجديدة بإرثها الثقافي، إذ تضمّ أكبر تجمّع من المؤسسات الإجتماعية والتعليمية في بيروت، وتنتشر فيها المعالم الثقافية كالمقاهي والأبنية التاريخية والملعب البلدي، وتحوي المنطقة عدداً كبيراً من المدارس التي تمّ هدم بعضها بمرور الزمن1. كما تشتهر بأسواقها، كسوق القماش وسوق عفيف الطبية، بالإضافة إلى سوق صبرا، وهو أكبر سوق شعبي في بيروت. 

حصل الانفجار في حي شعبي ملاصق لساحة أبو شاكر، وتحديدًا في الزاروب الذي يربط شارعي مستشفى المقاصد ومحمد سلام. يقع هذا الزاروب مقابل الملعب البلدي لبيروت، أحد أبرز معالم الطريق الجديدة. كان هذا الحي مكوّناً، بأكثرية سكانه، من مستأجرين قدامى، لبنانيين وسوريين، لكنه شهد تحوّلاً جذرياً خلال السنوات العشر الماضية، بحيث لم يبقَ فيه سوى عدد قليل من المباني القديمة. حينها، قام مستثمرون بإنشاء شراكة مع مالكي الأراضي، فتمّ هدم المباني القديمة واستبدالها بأبنية سكنية مرتفعة، حصل ضمنها المالكون القدامى على عدد من الشقق.
حاليًا، تتلاصق ثمانية مبانٍ على جهتي الزاروب يجاورها عقار غير مبني يُستخدم كموقف للسيارات (بحسب السكان، كان في العقار مبنى قديم تمّ هدمه منذ حوالي سبع أو ثماني سنوات). تم بناء كل هذه المباني في الأربعينيات والخمسينيات، باستثناء مبنيين جديدين، أحدهما قيد الإنشاء، والآخر هو المبنى الذي حصل فيه الانفجار، والذي  بُني سنة ٢٠١٦.

سبب الإنفجار

تعدّدت الروايات حول سبب الانفجار، ولكنها دارت كلّها حول تخزين مواد سهلة الاشتعال في مستودع يقع في الشارع الضيّق المذكور. 
تقول رواية صاحب المستودع الموقوف للتحقيق في شعبة المعلومات، أن الانفجار حصل داخل خزان يُستخدم لتخزين المازوت -وليس البنزين- الضروري لتشغيل مولّد البناء.
أمّا بحسب السكان، فقد كان الموقوف يخزّن مادة البنزين داخل خزان سعة ألفي ليتر "بلا تنفيسة"، وعند القيام بأعمال تلحيم لخزّان جديد، أدّت الشرارة إلى حصول الإنفجار.
أمّا الرواية الثالثة فتقول، و بحسب  قناة الLBCI، أن المعلومات لم تظهر وجود أي عملية تلحيم، لكن الموقوف كان يملك خزان بنزين سعته ٥٠ ليترًا في موقف المبنى الذي يقع فوق مستودع لأكسسوارات الخليوي. وقد أخبره أحد العاملين أن هناك تسرّب وانبعاث لرائحة قوية، فطلب الموقوف تحويل التسرّب إلى الجورة الصحية والاتّصال بالشخص الذي ركّب الخزّان لمعالجة الأمر. حضر الشخص وتمّ التوصّل إلى حلّ مشكلة الضخّ لسحب البنزين والمياه، لكن سعة الطاقة الكهربائية لم تكن كافية للضخّ ما أدّى إلى انقطاع التيار الكهربائي ("تك الديجنتور")، فتسرّبت شرارة من محوّل الكهرباء نحو البنزين المتسرب على الأرض، وأدّت إلى الانفجار الذي تفاعل مع أكسسوارات الخليوي.

هذه هي الأسباب المباشرة الممكنة وغير المؤكّدة. لكن الأسباب غير المباشرة والمؤكّدة، والتي تشكّل جزءًا من الأزمة البنيوية في هذه الحالة، فهي أن الدولة مسؤولة عن انقطاع الكهرباء وعن احتكار البدائل وبالتالي عن تخزين الناس للبنزين والمازوت. 

 

عن التخزين في غياب الأطر التنظيمية

بسبب القدرة غير الكافية لإنتاج الطاقة، ونظام المداورة بين مصادر الكهرباء -والذي أصبح وضعاً طبيعياً في كل لبنان- توجّه الناس إلى مولّدات الكهرباء الخاصة المعتمدة على المازوت للتعويض عن انقطاع الكهرباء لأوقات طويلة.
تتركّز هذه المولّدات في الأحياء السكنية المكتظّة، وبين المنازل، وتحت المباني، وحتى في المجال العام بالقرب من المارّة في الشوارع وعلى الأرصفة. ويتمّ إذًا، واعتماداً على بحث أجرته الجامعة الأميركية سنة ٢٠١٢، تعريض السكّان بشكل مستمرّ، لملوّثات مسبّبة للسرطان بأكثر من مرتين ونصف من الوضع العادي، كلّما تمّ تشغيل مولّدات المازوت.

بالتأكيد، نواجه حاجة ضرورية لحلّ أزمة الكهرباء، وإلغاء الاعتماد على المولّدات الكهربائية، لكن من المهم أيضاً إلقاء الضوء على الطريقة التي يتمّ من خلالها إدارة مدينة بيروت. فخريطة بيروت لاستخدام الأراضي لسنة ١٩٥٤ تمنع النشاطات الصناعية في المباني السكنية، لكنّها تفشل في طرح شكل إدارة هذه المظاهر في المدينة. في هذا السياق، يأتي التخزين كممارسة تكيّف جماعي، تمّ من خلالها تسليم الناس زمام إدارة مشاكلهم بأنفسهم داخل الأحياء السكنية، ممّا يضعهم في دائرة الخطر من جهة، وفي مواجهة بعضهم البعض من جهة أخرى، بهدف حماية أنفسهم أو محاولة تشكيل شبكات وصول إلى الخدمات.

بعد تفجير الطريق الجديدة، أصدر محافظ بيروت القاضي مروان عبود قراراً بمنع تخزين المحروقات في المباني السكنية. وتضمّن القرار منع تخزين البنزين في المحال التجارية، أو المستودعات ضمن المباني، تحت أي ذريعة، ومنع تخزين وقود الديزل (المازوت) بما يزيد عن خمسمئة ليتر، على أن تكون الكمّيات المخزّنة تحت السقف المحدّد ضمن الخزانات المعتمدة المخصّصة للمولّدات الكهربائية، وأن تستوفي شروط الحماية من مخاطر الحريق والانفجار.
كما توعّد رئيس بلدية بيروت جمال عيتاني، في اليوم الذي تلا الانفجار، المتسبّب بدفع الأثمان، ووعد بالتعويض على المتضرّرين. لكنه أكّد أن لا قدرة للبلدية على الكشف على مستودعات ٢٣ ألف بناية في العاصمة. وقد حصلت عدّة مداهمات في المنطقة، منذ التفجير، في أحياء سكنية مكتظّة.2

تأتي هاتان الخطوتان كردّة فعل مبتورة بعد سنوات من انسحاب بلدية بيروت من عملية إدارة المدينة. في واقع الأمر، إنّ محافظ مدينة بيروت مُطالَب بتولّي صلاحياته الكاملة التي ينصّ عليها قانون البلديات بفرض ما يلزم من التدابير والوسائل الوقائية للحفاظ على راحة السكان وأمانهم، واستدراك ما من شأنه أن يمسّها. أما المجلس البلدي، فهو مُطالب بأن يبادر لحلّ هذه الأزمة، بالتعاون مع وزارات وإدارات أخرى، عبر استرجاع دوره الأساسي في وضع سياسة شاملة تجعل بيروت مدينةً أكثر قابلية للعيش، وذلك بإصدار إطار تنظيمي متكامل يصون حقوق سكان الأحياء ويحفظها.

من صلاحيات وواجبات المجلس البلدي أن ينظّم نشاطات مماثلة ويوزّعها ضمن أحياء المدينة. لكن من الواضح، حتى هذه اللحظة، أن البلدية لا تعي فداحة الكارثة التي ترتكبها، أو أنّها لا تأبه بها.

 

مكان التفجير وآثاره المادية

حصل التفجير في مستودع تابع لمحل "سوبرة سل" "Soubra Cell"، في مبنى واقع في الزاروب الذي يربط شارع مستشفى المقاصد بشارع محمد سلام، بالقرب من ساحة أبو شاكر. وصاحب المستودع هو عبد سوبرة، الذي يملك، مع بعض أفراد عائلته، عدداً من الشقق في المبنى. وكان سوبره يقوم بأعمال متنوّعة في المستودع (أعمال خشبية، مطابخ، قوارب للصيد، خزّانات حديد، وغيرها).
بالإضافة إلى عدد الضحايا الكبير - أربع شهداء وحوالي خمسون جريحاً-، فإن هناك أضراراً كبيرة على مستوى الشقق والمباني. شملت الأضرار ثمانية مبان (مئة وخمس وخمسون شقّة)، وبالرغم أن معظم المباني المتضرّرة لم تستدع الإخلاء، أُخلي مبنيين بالكامل (أربعة عشر شقة) بسبب الأضرار الإنشائية. كما أُخلي مبنى قديم متصدّع بشكل جزئي (المبنى مؤلّف من أربع شقق: شقة خالية أصلًا وأخرى أُخليت بعد الانفجار، أمّا الشقتان المتبقيتان فبقي السكان فيهما)، مع تخوّف السكّان الباقين من وضعه الإنشائي، على الرغم من كشف مهندسي جمعية التنمية الاجتماعية عليه -والتصليح جارٍ- و إقرارهم بأنه صالح للسكن.
كما تضرّرت كل السيارات في العقار المحاذي للتفجير، وهو موقف للسيارات.

tj_blast1

المساحة المشتركة في المبنى الذي وقع فيه الانفجار

 

لكن أين ذهب السكّان المتضرّرون؟

بحسب جمعية التنمية الاجتماعية - وهي جمعية مرتبطة بشكل واضح ومباشر بتيار المستقبل وتعمل ضمن الأجندة السياسية للجمعيات الطائفية المرتبطة بأحزاب السلطة-، كان هناك صعوبة كبيرة في إيجاد شقق مفروشة في المنطقة، ممّا اضطرّها إلى استئجار ست شقق مفروشة في الطريق الجديدة وثلاث في الحمرا للمتضررين اللبنانيين الذين طلبوا ذلك، بمدّة إيجار تتراوح بين شهر وثلاثة أشهر، أي إلى حين الانتهاء من تصليح الأضرار، إذ أن الجمعية تؤكّد انتهاء التصليح بعد ثلاثة أشهر كحدّ أقصى.
أما العائلات من الجنسية السورية، والتي كانت تعيش في مبنى الانفجار أو المباني المتضرّرة، فلم يُعرف أين ذهبت، إذ لم يؤمَّن بديل سوى لعائلة واحدة من الجنسية السورية على شكل مبلغ بقيمة سبع مئة ألف ليرة لبنانية. تقول الجمعية بأن العائلات والأفراد من الجنسية السورية لم يطلبوا مساعدة في تأمين قيمة الإيجارات، إلّا أن الممارسات العنصرية المعتادة للجمعيات و إقصائهم للأشخاص من جنسيات غير لبنانية، وخاصة السورية، قد يكون سبباً في عدم اعتماد هؤلاء على هذه الجمعيات لتأمين الإيجار.

 

خلال حديثنا مع هذه العائلات، توضّحت أمور كثيرة، إن كان من ناحية وضعهم السكني قبل الانفجار أو بعده.
ففي مبنى سوبرة، وهو جديد وكان بحالة جيّدة قبل الإنفجار3، كانت أربع عائلات سورية تستأجر شققاً في ٤ طوابق مختلفة من المبنى، وكل طابق من هذا المبنى يحوي شقة واحدة بمساحة تساوي حوالي ١٩٠-٢٠٠ متر مربع.
في الطابق الأول، يعيش أبو جاسم وعائلته المكوّنة من ثمانية أشخاص، أب وأم وستة أولاد. تضرّرت أغراضهم وشقتهم بالكامل بسبب التفجير، وقد تركوا الشقة بعد الانفجار وذهبوا عند أقارب لهم في منطقة صبرا - حي فرحات. هم كانوا مستأجرين عند عبد سوبرة (الموقوف) منذ ٣ سنوات دون عقد مكتوب، ويدفعون له شهرياً مبلغ مليون ليرة لبنانية. حتى اليوم، لم يُؤمّن لهم سكن بديل، وهم لم يطلبوا مساعدة الجمعية، بل اضطروا للبحث عن شقة أخرى في الطريق الجديدة. خلال حديثنا معهم، عبّروا عن نيّتهم العودة إلى الشقة في حال تمّ إصلاح البناء، لكن أحداً لم يخبرهم بما سيجري بعد انتهاء التصليحات.

tj_blast2

مبنى سوبرة الذي وقع فيه الانفجار

في الطابق العاشر، تعيش عائلة حمدي المكوّنة من ١٢ شخصًا، ثلاث إخوة مع زوجاتهم وأولادهم. تضرّرت أغراضهم وشقّتهم بالكامل، فتركوا الشقة بعد الانفجار وذهبوا إلى منزل أحد أصدقائهم في منطقة صبرا. لثلاث سنوات، كانوا مستأجرين عند عبد سوبرة (الموقوف) دون عقد مكتوب، وكانوا يدفعون له شهرياً مليون و٢٠٠ ألف ليرة لبنانية، فيما عمل الأخوة لديه في الوقت ذاته. اليوم وبعد التفجير، لم يتمّ تأمين سكن بديل لهم، وقد وجدوا شقة في المنطقة (أبو شاكر)، وبدل الإيجار تقريباً بنفس القيمة، لكن لم يبق لديهم أغراض ومفروشات. لا يريدون العودة في حال تمّ إصلاح المبنى، إذ إن التصليح قد يطول وهم فقدوا كل ما يملكون وبالتالي لم يعد المكان مهمًا بالنسبة لهم.
في الطابق الأرضي من مبنى الزعيم القريب، تعيش عائلة محيمد السورية. تضرّرت الشقّة بشكل كامل ومباشر جراء الإنفجار، نظراً إلى تلاصق غرفتيها بمبنى سوبرة. وقد اضطرّت العائلة إلى استئجار شقة كانت خالية قبل الانفجار، في الطابق الأول من المبنى نفسه، بقيمة أربع مئة ألف شهريًا، رغم تزعزع المبنى، وبالرغم من  سوء الحالة المادية. المبنى قديم، شيّد في الأربعينيات، ويملكه أخوان من عائلة الزعيم (عبد الحكيم وظافر الزعيم) منذ حوالي ٣٠ سنة. كما تملك العائلة عدداً من العقارات الأخرى في الحي. يتألّف المبنى من طابق أرضي سكني وتجاري، بالإضافة إلى طابقين سكنيين وسطح مسكون، وكل الشقق مستأجرة، وفيها مستأجرين جدد وقدامى.  وبالرغم من أن المهندسين كشفوا على المبنى وقالوا بأنه ليس هناك خطر على السكان، إلا أن الطابق الأرضي مدمّر بالكامل، و"الدرابزين كلو عم يهز"، وجميع سكان المبنى بقوا فيه.

 

هشاشة السكن وحالات تهديد بالإخلاء

تاريخياً، شهدت الطريق الجديدة عمليات إخلاء وتغييرات عمرانية أثّرت سلباً على الترابط الإجتماعي والتنوّع التاريخي في الحيّ. من أهم مسبّبات هذه التغييرات العنيفة فقدان الضوابط على السوق العقاري وعلى ارتفاع أسعار العقارات، وهي تداعيات مباشرة لغياب سياسات سكنية شاملة، الأمر الذي يؤثر بشكل أعنف على الأحياء القديمة والأكثر فقراً. 
خلال عملنا الميداني ضمن الطريق الجديدة في آب ٢٠١٥، قمنا بإحصاء ٣٨١ مبنى، رصدنا فيها مئة وخمسًا وسبعين عائلة تمّ إخلاؤها مؤخراً أو كانت مهدّدة بالإخلاء. وكان تمّ هدم سبع وعشرون مبنى بين مبانٍ هُدمت مؤخّراً وأخرى مُهدّدة بالهدم، وثمانية وثمانون مبنى تمّ تشييدها خلال السنوات العشرين الماضية على أنقاض بيوت سابقة.
اليوم، أدّى التفجير إلى موجة جديدة من التهجير والإخلاءات التي لا يبدو واضحاً حتى الآن إن كانت موجة مؤقتة أم نهائية. لكن الأكيد أن المجموعة الأكثر هشاشة في هذه الحالة، والأكثر تعرّضاً للتهجير هي العائلات والأفراد من الجنسية السورية والمستأجرين القدامى. وقد قمنا بمقابلات مع عدد من العائلات والأفراد السوريين واللبنانيين.

 

لقراءة قصص المستأجرين، تصفح للأسفل داخل هذه النافذة ↓

 

مبنى حمندي
مبنى حمندي مؤلف من طابق أرضي بالإضافة إلى طابقين وسطح مسكون. يحوي المبنى ثمانية شقق تسكنها عائلات من الجنسية السورية بالإيجار، يعاني كلّهم من مشاكل في الدفع. ويأتي المالك أحياناً إلى شقته في الطابق الأول، لكنه لا يسكن فيها.

أبو أحمد
تعيش عائلة أبو أحمد السورية المؤلفة من أب وأم وثلاثة أولاد (عمر أكبر طفل بينهم سبع سنوات) بالإضافة إلى شقيق الأب، في ثلاث غرف تحت الأرض مرتبطة بمبنى حمندي. المكان غير صالح للسكن منذ ما قبل الانفجار، فللغرف كلّها شباك واحد يطلّ على حائط ويبعد أقل من متر عنه، ممّا يجعلها تفتقد التهوئة والإضاءة. بالرغم من ذلك، كانت العائلة تدفع بدل إيجار قيمته ثلاثمئة وخمسين دولاراً أميركياً أي ما يعادل ٥٢٥  ألف ليرة لبنانية. نتيجة للإنفجار، تضرّرت التمديدات الكهربائية، وزجاج الشباك، كما حصلت بعض التشقّقات في الجدران. قام الأب بالبحث عن مكان آخر للسكن بسبب الخطر الذي يشكّله المنزل الحالي على أولاده، لكنه لم يستطع إيجاد شقق ببدلات إيجار أرخص من سبع مئة وخمسين أو مليون ليرة، وهو مبلغ لا يستطيع دفعه بأي شكلٍ من الأشكال. ذلك بالإضافة إلى أنّه مجبر على دفع المبالغ المتراكمة عن الأشهر الثلاث الماضية. وكان المالك قد أبلغه بأنه في ظرف عشرة أيام، إذا "ما بتأمن المصاري أنا بحقّلي طلعك". يريد الأهل البقاء في هذا الحيّ، حتى ولو عاشوا في غرفة واحدة غير لائقة للسكن، لأن مدرسة الأولاد قريبة (مدرسة مدام نعمت). هم اعتادوا على الحي، إذ أنهم يعيشون فيه منذ سنتين، وفي الطريق الجديدة منذ خمس سنين (كانوا يعيشون في شارع حمد سابقًا).

ميرنا
في مبنى قريب آخر تعيش ميرنا. المبنى مؤلّف من طابق أرضي تجاري وخمس طوابق سكنية، مقسّمة إلى شقتين في كل طابق. يسكن المبنى مستأجرون لبنانيون وسوريون، ويتنوّع نوع إشغالهم للشقق بين إيجار جديد وإيجار قديم. تسكن ميرنا في غرفتين في الطابق الخامس بعقد إيجار قديم. هي لبنانية وزوجها متوفٍ، تعمل لتعيل نفسها بمعاش بسيط. بعد الإنفجار بأربعة أيام (أي في ١٣/١٠/٢٠٢٠)، وبدل الاطمئنان على حالة المستأجرين، أرسلت المالكة إنذاراً مكتوباً تطالبها فيه بالإخلاء أو دفع خمسمئة دولار أميركي كبدل إيجار، حتى أنها طالبتها بدفع كل المبالغ المتراكمة عليها منذ أن صدر تعديل قانون الإيجارات القديمة.

أبو سامي
في مبنى آخر أيضًا، تعيش عائلة أبو سامي، عائلة لبنانية من ستة أشخاص، تسكن بعقد إيجار قديم في الطابق الثاني. خرج أفراد العائلة من الشقة بعد الانفجار تخوّفًا من وضع المبنى وذهبوا عند أحد أقاربهم. تربطهم مشاكل مع أحد ورثة المبنى. هو يطالب بإبرام عقد إيجار جديد، كما يتحجّج أن المبنى غير صالح للسكن منذ ما قبل الإنفجار، ويرفض التصليح.

مبنى الزعيم
ثم هنالك مبنى الزعيم، الذي ذُكر سابقًا. هو مبنى شيّد في الأربعينيات، ومؤلّف من طابق أرضي سكني (شقة واحدة) وتجاري، وطابق أول (شقتين)، وطابق ثان (شقة واحدة)، بالإضافة إلى شقة مسكونة على السطح. نصف سكان المبنى من المستأجرين اللبنانيين القدامى، ويعانون في علاقتهم مع المالك ويدفعون بدل الإيجار له عن طريق المحامي.

أبو محمد
تعيش عائلة أبو محمد (سبع أشخاص من الجنسية السورية) في الطابق الأول منذ ست سنوات بعقد إيجار جديد قيمته خمسمئة ألف ليرة في الشهر. يعاني أفراد الأسرة من أوضاع اقتصادية صعبة، خاصة بسبب مرض ولداهما بالربو، فيقصّرون بالدفع أحياناً. وقد عانوا من المالك الذي يقسو عليهم بطلب تسديد بدل الإيجار كاملاً أول كل شهر، و"ما بيقبل إذا ناقص خمسين ألف"، كما يستمرّ بتهديدهم بالإخلاء.

أبو حسن
في الطابق الثاني، تعيش عائلة أبو حسن بعقد إيجار قديم. وتعاني هذه العائلة أيضاً من مشاكل مع المالك الذي لم يقبض بدل الإيجار منها منذ أربع سنوات، إلّا أن العائلة تدفعه بانتظام  لكاتب العدل بغية رفع المسؤولية عنها. وكان المالك قد طالبها بإبرام عقد إيجار جديد، وأحضر خبير لتثمين الشقة بهدف رفع قيمة البدل.

أبو ماجد
في الطابق الثالث تعيش عائلة أبو ماجد، من السكان القدامى الذين سكنوا منزلهم منذ أكثر من خمس وعشرون سنة. حالياً،  لا يعانون من مشاكل مع المالك، لكنه كان يريد إخلاءهم منذ خمس أو ست سنوات بحجّة أن البناء قديم.

 

tj_blast_final

خريطة تفاعلية تظهر موقع الإنجار والأبنية المتضررة 

بينما تضيق خيارات الإيجار في الأحياء الشعبية، يعيش عدد كبير من عائلات هذه المباني في خطر مستمر بالإخلاء. وليس جديداً أن يهدّد العديد من المالكين المستأجرين في هذه المباني. فقد تعرّض المستأجرون (وبخاصة حاملي العقود القديمة) للمضايقات من أصحاب الملك لسنين طويلة قبل الإنفجار، وقد زاد الإنفجار من حجج الإخلاء أو المطالبة بإبرام عقود وفقًا لقانون الإيجار الجديد. ففي ظلّ غياب المؤسسات المنظّمة والضابطة لعمليات سوق العقارات، تُفتح الأبواب واسعة أمام استغلال واستضعاف من يمكن استضعافهم، وهم، في هذه الحالة المستأجرون، وبخاصة أولئك الذين واللواتي يملكون امتيازات أقل، من قدرة مالية و/أو جنسية لبنانية.
هشاشة السكن التي تهدّد سكّان المناطق الشعبية، خاصة خلال الأزمات –الأزمة الاقتصادية الحالية، الكورونا والانفجارات- هي النتيجة الطبيعية لكفّ يد الدولة عن مسألة السكن ككلّ، وهي بالتالي شكل من أشكال القهر والظلم الذي تعيشه الطبقة العاملة واللاجئين والفئات المهمشة في الدولة النيوليبرالية.

 الجهات التي قدّمت المساعدة

في ظلّ غياب مؤسّسات الدولة المركزية، وجد السكان أنفسهم وجهاً لوجه مع الجمعيات الأهلية التي غالباً ما تكون تابعة لزعماء سياسيين أو مجموعات دينية وطائفية. ونعني بمؤسّسات الدولة هنا، الهيئة العليا للإغاثة والدور الذي لا تلعبه في إغاثة المنكوبين في حالات كتفجيري المرفأ والطريق الجديدة. فبينما نشأت هذه الهيئة كهيئة تنسيقية تابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية بهدف تلبية الحالات الطارئة (والتي لا تحتمل بيروقراطية) المتعلّقة بالإغاثة، يتمّ استغلالها منذ عام ١٩٩٦ كمظلّة وهمية لإنفاقات السلطة خارج الآليات الإدارية التي تحتاج إلى مناقصات، وموافقة ديوان المحاسبة وإجراءات قانونية تراقب طريقة إدارة موارد الدولة. لذا، وبالشكل الذي تعمل فيه هيئة الإغاثة، فقدنا هيئة أساسية كانت لتستطيع أن تقوم بالأعمال الإغاثية المطلوبة خلال الأزمات والكوارث، وحلّ مكانها ثقب آخر من ثقوب السلطة التي يختفي فيها المال العام.
عملت الجمعيات الأهلية الطائفية مكان هذه الهيئة في حالة تفجير الطريق الجديدة. فبعد التفجير، هرع عدد من هذه الجمعيات لتقديم المساعدة، وقد قدّم الكشّاف المسلم مساعدات ميدانية كما تفقّد حاجات السكان مباشرةً بعد الانفجار. وقام محلّ شوبرز Shoppers بتقديم قسائم شرائية للمتضرّرين. كما قامت جمعية بيروت للتنمية الاجتماعية4، تحت اسم #أهلك وناسك، بتقديم أشكال مختلفة من المساعدات والدعم. والنائب السابق سليم عبدالرحيم دياب هو من أبرز مؤسّسي هذه الجمعية، وهو المنسق العام ورئيس الماكينة الانتخابية السابق في تيار المستقبل. أمّا رئيس الجمعية الحالي فهو أحمد هاشمية، وهو غير منتسب إلى تيار المستقبل لكنه من الذين عملوا مع الحريري الأب وهو مقرّب جداً من سعد الحريري. وقد تولّى شخصياً الإشراف على حملة كل من النائبة رولا الطبش جارودي، والمرشّح الذي لم يُحالفه الحظ ربيع حسونة. عامّة، يدعم الجمعية مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الانسانية. وهي تتلقّى أيضاً مساعدات بدعم وتبرعات من ملحقية الشؤون الإنسانية والتنموية التابعة لسفارة دولة الإمارات العربية المتحدة في بيروت UAE ‎AID‏.
إن تهميش مؤسسات الدولة- خاصة هيئة الإغاثة في هذه الحالة- عمل متعمّد بهدف بسط سيطرة الجمعيات المرتبطة سياسياً بالأحزاب الطائفية المهيمنة، والذي يعتبر بحد ذاته عملية مستمرة ومتكاملة لدعم الزبائنية والارتباط الذي أصبح عضوياً بين هذه الأحزاب والأحياء والجماعات التي تتبعها. فخلال الأزمات الكبرى، تعيد الأحزاب والمنظّمات السياسية المختلفة، تأكيد شرعيتها وتعمل على تثبيتها عبر توفير المساعدات.
في ظل الأزمات الاقتصادية، تزداد هشاشة الجماعات والأفراد، فنتطلّع إلى شبكة حماية أكبر من مؤسسات الدولة. واليوم بالذات، نتيجة لانفجار الطريق الجديدة، على هذه المؤسسات أن تكون مرجعاً لتنظيم المناطق بهدف منع تكرار الكارثة، وتوجيه سوق العقارات وحماية الطبقة العاملة والفئات المهمّشة من التهجير. ففي مكان غير بعيد عن التفجير، تحت جسر الكولا، تكتظّ الأرصفة بسكّان تمّ رميهم خارج بيوتهم، وذنب هؤلاء الوحيد هو غياب السياسات الإسكانية التي كانت يمكن أن تحول دون طردهم.

  • 1. اشتهرت مدارس قديمة في المنطقة مثل ماما نجاح والأنوار، لكن تمّ هدمها عام ٢٠٠٠ لتشييد مبنى فخم. وكانت مدرسة ماما نجاح محاطة بالمباني التي تم شراؤها من قبل مستثمر سعودي من آل عجمان (بحسب سكان الحي)، وقام عندها بضمّ هذه العقارات في عقار واحد عبر الاتفاق مع المالكين القدامى ودفع مبالغ عالية بين خمس وسبعون وتسعون ألف دولار يومها).
  • 2. في ١٠/١٩، أي بعد حوالي أسبوعين من الانفجار، دهمت شرطة بلدية بيروت مستودعاً لمؤسسة الكتب الثقافية للطباعة والنشر والتوزيع في مبنى طه في شارع المقاصد، بعد شكاوى عن تخزين مواد خطرة في أحياء سكنية. وقد تمّ ضبط ٣ براميل سعة ١٠٠ لتر من مادة البنزين و٤ غالونات سعة ٢٠ لتراً من مادة البنزين وبرميل واحد سعة ١٠٠ لتر من مادة الكاز وبرميل واحد سعة ١٥٠ لتراً من المازوت أثناء مداهمة المستودع نفسه. في ١٠/٢١ دهم فوجا إطفاء وحرس بيروت مستودعاً في حي الفاكهاني، حيث يتمّ تخزين حوالي ١٨٠ غالون مازوت وحوالي ١٧ غالون بنزين.
  • 3. تسلّمت جمعية التنمية الاجتماعية تصليح الأبنية المتضررة، باستثناء المبنى الذي حصل فيه الانفجار الذي استلمته شركة آفاق. ولا نعلم ما تكلفة هذه العملية.
  • 4. قدّمت هذه الجمعية مساعدات لترميم عدد من المباني، إلّا أنّها لم تعمل على المبنى الذي حصل فيه التفجير. وتعمل على إصلاح الأضرار في هذا المبنى، شركة هندسية باسم آفاق. وقد ظهر لنا في السجل التجاري عدد كبير من شركات التعهدات والمقاولات تحت هذا الإسم، من بينها شركة الآفاق العقارية ش.م.ل. والتي تملكها عائلة فؤاد السنيورة.