أنت هنا

dgu_area

المنطقة الموضوعة تحت الدرس بحسب قرار المجلس الأعلى للتنظيم المدني

المنطقة الموضوعة تحت الدرس بحسب قرار المجلس الأعلى للتنظيم المدني

السُلطة وإجراءاتها بشأن المناطق المتضررة

استوديو أشغال عامة يُعلّق

٣٠ أيلول ٢٠٢٠

https://docs.google.com/document/d/1Ds7k18EUEuBlq1sGHV0FjjC3S6cOb3U99q0f...

1: وضع المناطق المتضررة تحت الدرس

2: دور الهيئة العليا للإغاثة

3: تراخيص الترميم ومساراتها

4: قروض الترميم

‎5: مشروع تأهيل المباني التراثية*

* ينشر لاحقاً


 

1: وضع المناطق المتضررة تحت الدرس

‎كان المجلس الأعلى للتنظيم المدني قد قرّر وضع مناطق المدوّر والرميل والأشرفية والمرفأ تحت الدرس بهدف تجميد المضاربات ومراقبة رخص البناء الجديدة، ما يسمح بالحفاظ على النسيج العمراني للأحياء. وفي جلسته يوم الأربعاء ٣٠ أيلول، أصدر مجلس النواب قانون "حماية المناطق المتضرّرة بنتيجة انفجار المرفأ ودعم إعادة الإعمار". المادة ٢ من هذا القانون تجعل قرار المجلس الأعلى نافذاً وبالتالي تضع المناطق المتضررة تحت الدرس لمدة سنةٍ واحدةٍ. بحسب المادة التاسعة من قانون التنظيم المُدني (١٩٨٣)، يمكن وضع منطقةٍ ما تحت الدرس بغية وضع التصاميم والأنظمة التوجيهية الخاصة بها. واعتباراً من تاريخ نشر مرسوم الوضع تحت الدرس، يُمنع إصدار أيّ رخص بناءٍ أو إجازات إفرازٍ أو ضمٍ وفرزٍ في المنطقة المعنية، كما يُحظر تغيير الأوضاع الطبيعية فيها.

هل من جدوًى لهذا القرار؟ وما هي مخاطره؟ 

‎في ظل تلكّؤ السلطة عن وضع سياسةٍ عادلة ودامجة لإعادة تأهيل المناطق المتضرّرة، ومع ازدياد الغموض حيال مصير أموال التبرعات وإمكانيات الترميم، يَمثل خطرٌ حقيقي في أن يتحوّل الرحيل المؤقت للسكان إلى تهجيرٍ دائم، لاسيما أن معظم هذه الأحياء تعرّضت لمضاربةٍ عقاريةٍ شرسةٍ في خلال الأعوام الماضية.1 أثّر ذلك بشكلٍ كبيرٍ على نسيج الأحياء، متسببًا بإخلاء السكان محدودي الدخل وإقفال المحال القديمة. وتتفاقم مخاطر المضاربة العقارية بفعل السيناريوهات الكارثية لتجارب إعادة الإعمار السابقة، حين جرى استغلال الدمار لتحريك شبكةٍ من المصالح المرتبطة بقطاعَي العقارات والبناء. 
‎في سياق السياسات العمرانية القائمة وقوانين البناء التي تمنح حوافز للشركات العقارية وتحثّها على تنفيذ عمليات بناءٍ ضخمةٍ عبر ضمّ الأراضي بغية تحقيق ربحٍ أكبر، يبدو شكلياً أنّ قرار وضع المنطقة تحت الدرس خطوةً ضروريةً لكبح جماح المضاربات العقارية عبر تجميد رخص الضمّ والبناء.

لكن هل يكفي وضع المنطقة تحت الدرس لحماية السكان من الاستغلال والتهجير؟

 أولًا، وضع منطقةٍ ما تحت الدرس يفترض أننا في طور انتظار صدور خطةٍ شاملةٍ لتحديد الشكل المستقبلي للأحياء. في ظلّ الإطار التشريعي الراهن حيث تغيب المشاركة عن عملية التنظيم المُدني، سوف يؤدي وضع أيّ خطة شاملة للمنطقة الى تفاقم سلطة دوائر القرار المُقتصرة على العلاقات الشخصية وتفشي المحسوبيّات والزبائنية، وبالتالي إبعاد الناس المتضررة عن عملية تأهيل أحيائهم. كما سوف يؤدي "انتظار" الخطة في ظل الكارثة الى تهميش أولوية الناس بالترميم السريع وبالتالي العودة اللائقة. من ناحية اخرى، يبقى التخطيط في لبنان في ممارسته أداة للأقوياء، سواء أكان القوي هو الدولة المركزية أو المُموّل أو النخب الاجتماعية. من خلال استخدام معرفة الخبراء في وضع الخطط وتشكيل البيئة العمرانية، يتم تجاوز أشكال أخرى من المعرفة داخل المجتمعات. فتصبح الخطط أداةً للتحكم في كيفية تشكل الفضاء المديني تماشياً مع مفاهيم وقيم السلطة أو نخب أو الجهات المُمولة.  
‎ثانيًا، بحسب المادة 9 المذكورة سابقًا، يمكن بصورةٍ استثنائيةٍ منح رخص البناء أو الضمّ في المناطق الموضوعة تحت الدرس بعد موافقة المجلس الأعلى للتنظيم المُدني. هذا البند سيتيح لكبار المستثمرين فرصة تأمين تلك الاستثناءات عبر شبكاتهم السياسية والمالية.
‎ثالثًا، وضع المنطقة تحت الدرس لا يمنع بيع العقارات، وبالتالي لا يحّد من تفاقم عمليات انتقال ملكيّة الأراضي من المالكين القدامى (الذين يفتقرون حاليًا إلى الحوافز أو الإمكانيات لترميم مبانيهم) إلى مستثمرين.
‎إنّ فصل التخطيط بمستواه العمراني عن المستويات الاجتماعية السياسية الاقتصادية تعني تقديم شكل مبتور وغير واقعي للتخطيط. إذًا، ما المطلوب الآن؟ بموازاة وضع ضوابط على عمليات البناء والضم، يجدر بالسلطات حماية الأحياء بكافة مكوّناتها الاجتماعية والاقتصادية عبر تمكين السكان من الترميم السريع، وإيضاح مسار تسديد التعويضات، وتقديم الحوافز، ومنح الأولوية لضمان السكن الميسّر، ووضع مسار تشاركي لتأهيل الحيّز العام، بالإضافة إلى إرساء سياساتٍ تحدّ من المضاربات في المدينة برمّتها. 


 

2: دور الهيئة العليا للإغاثة

‎بعد يومين على وقوع الإنفجار في مرفأ بيروت، أعلنت الهيئة العليا للإغاثة، في بيان، أنها ستقوم بالكشف على كل الأضرار الناجمة عن الانفجار، وطلبت من المواطنين توثيقها وتقديم إفادة إلى مختار المحلّة في انتظار التعويض.
‎بالفعل، في كل كارثة نعيشها، أو بعد كل عدوان إسرائيلي على لبنان، يتكاثر الكلام عن الهيئة العليا للإغاثة، وتبرز إلى الواجهة عبر تصريحاتها السريعة. فما هي الهيئة العليا للإغاثة، وما الدور الذي تلعبه؟
  
ما هي الهيئة العليا للإغاثة؟ 

‎أُنشئت الهيئة العليا للإغاثة في العام 1976، خلال الحرب اللبنانية، كهيئة تنسيقيّة تابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية، بموجب مرسوم اشتراعي. وكان الهدف الأساسي من إنشائها تلبية الأمور الطارئة المتعلّقة بالإغاثة، والتي لا تتحمّل الانتظار وإجراءات الوزارات والإدارات الرسمية البطيئة، على أن يتمّ ذلك عبر الاستعانة بموظّفين من هذه الوزارات أو الإدارات العامّة عند الحاجة.
 تقرَّر أن يكون لدى الهيئة العليا هيئة استشاریة تضمّ مندوبین عن المنظّمات والھیئات العالمیة أو الأجنبیة او المحلیة التي تُقدّم مساعدات الى لبنان، للتنسیق في ما بینھا من جھة، ومع الھیئة من جھة اخرى. وقد حُدّدت صلاحيات الهيئة العليا ومهماتها بقبول الهبات المُقدّمة إلى الدولة اللبنانيّة لإغاثة المتضرّرين، وضع الأنظمة اللازمة لتسلّم هذه الهبات، القيام بالأعمال الإعدادية – اللوجستية، بالإضافة إلى إجراء الإحصاءات وجمع المعلومات. 
 
كيف تحوّلت الهيئة إلى أحد مزاريب الفساد؟ 

‎بعد انتهاء الحرب في العام 1990، وتحديدًا بعد عدوان نيسان 1996 الإسرائيلي، أصدر رئيس مجلس الوزراء، في حينها قرارًا بنقل الهيئة إلى رئاسة مجلس الوزراء، وأصبح بموجبه رئيس المجلس رئيسًا للهيئة، وممثلين عن وزارات وإدارات كأعضاء.2 يعتُبر هذا الإجراء مُخالفًا للقانون، إذ أن القرار لا يُلغي المرسوم الاشتراعي الصادر، كما أنه حوّل الهيئة التنسيقية إلى مجلس وزراء بديل.3 هذا في الشكل؛ أمّا في المضمون، ووفقًا لما جاء في مرسوم إنشائها، فكان من المفترض أن تكون مهمات الهيئة العليا للإغاثة محصورة في فحوى اسمها تحديداً، أي «الإغاثة»، و«القيام بالأعمال والأشغال التي تتّصف بطابع العجلة وبضرورة تأمين السلامة العامة للمواطنين
‎وحاجاتهم الملحّة». إلّا أنّ السلطة استعملت الهيئة العليا كمظلّة وهمية لإنفاقاتها خارج الآليات الإدارية التي تتطلّب مناقصة، وموافقة ديوان المحاسبة، واجراءات قانونية اخرى. توسّع مجال عملها لأمور غير طارئة، فأرست أشغال عديدة بطريقة التراضي تحت ذريعة السرعة التي لا تنتظر المناقصات، وبحجّة تحرير المشاريع من الروتين الإداري، وأنفقت المليارات على مشاريع هي من صلب عمل الوزارات (مثل مشاريع الاستملاك)4، لا بل تعدّت نفقاتها في بعض السنوات نفقات عدّة وزارات مُجتمعة.
 
أين الهيئة من خطّة الإغاثة بعد انفجار المرفأ؟ 

‎نظرياً، كان من المفترض، عند وقوع الانفجار، أن تتولّى الهيئة العليا التنسيق ما بين الإدارات لإغاثة المنطقة والناس، ولكنّها لم تتحرّك بالشكل المطلوب.
 
‎أوّلاً، قصّرت بشكلٍ كامل في عملية التنسيق، والتعويض، وإجراء مسوحات باعتماد معايير واضحة تُحدّد فعليًا قيمة الأضرار، ممّا أدّى إلى تهافت الجهات المختلفة إلى المنطقة المتضرّرة، التشرذم الكامل، هدر الجهود، وإذلال السكّان.

‎ثانياً، رغم تكليفها من قبل الحكومة «تأمين إيواء العائلات التي لم تعُد منازلها صالحة للسكن...»، لم تتمكّن الهيئة من تأمين أي سكن بديل للمتضررين، بل اكتفت بنشر رقم للاتّصال بها، ومعاونة غرفة الطوارئ المتقدّمة في بيروت، التي اعتمدت بشكل شبه كامل على الصليب الأحمر والمبادرات الفرديّة لتأمين تلك المساكن.5  
‎ثالثاً، اعتمدت الهيئة حصرًا آلية مسح لفئة معيّنة من الأضرار المادية في المباني (أسقف، حوائط، أبواب، واجهات خارجية…)، وحجبت الأضرار الأخرى بنحو يتعارض مع وجهة المُشرّع الذي كرّس في تعريفه للضرر تصوّرًا أكثر شمولية. فالأضرار التي نتجت عن الانفجار لا تقتصر على أضرار المباني، بل تشمل الأضرار الجسدية، والمعنوية، والنفسية، والمادية، والحرمان من متع الحياة المشروعة، والوفاة، أو التعطيل الدائم والمؤقت، وخسارة الدخل أو الحرمان منه.6

‎رابعاً، أعطت الحكومة موافقة مطلقة لقبول الهبات المُقدّمة لجميع الهيئات الرسمية والجمعيات والطوائف لمدّة سنة، وفوّضت الهيئة العليا للإغاثة إعطاء كتاب لإعفاء هذه الجمعيات والطوائف من الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة. إنّ الموافقة على الهبات يجب أن تحصل بمرسوم وليس بقرار حكومي، ولا يمكن للهيئة العليا قبول الهبات الممنوحة للبلديات أو الطوائف أو الجمعيات، كما ليس من صلاحيّاتها إعفاء هذه الهبات من الرسوم والضرائب.
 
‎في واقع الأمر، باتت الهيئة العليا للإغاثة تشبه إدارة من دون قانون، وتعمل على حساب عددٍ من الوزارات، إذ يطغى عليها الطابع الخدماتي والريعي على قاعدة المحاصصة، كما الحال في مجلس الإنماء والإعمار، ومجلس الجنوب، وصندوق المهجرين. 
‎تُنفق الهيئة على مشاريع تُحاك عقودها وتكاليفها مع تضخيمٍ للأرقام، احتساباً للسمسرات والرشاوى، وهي بالتالي أداة للسطو المقونًّن على المال العام من قبل أطراف السلطة، التي تؤمّن لهم الهيئة تدفّق خياليّ للأموال بشكلٍ مستمرّ. 


 

3: تراخيص الترميم ومساراتها

في سياق الحاجة الملحّة للترميم السريع لعودة السكان إلى بيوتهم واستعادة الحياة في الأحياء المتضررة جراء الانفجار، برزت لدى قاطني المنطقة والعاملين فيها إشكالية الاستحصال على تراخيص ترميم المباني من بلدية بيروت والحق الحصري للمالك دون سواه في تقديم طلب الترخيص للترميم، أو ضرورة إرفاق الطلب بموافقة خطيّة من المالك أو بقرار قضائي يسمح للمستأجر بالترميم. فبحسب قانون البناء، إن أشغال التدعيم التي تتناول الهيكل الأساسي لأي مبنى تخضع لرخصة ترميم إلزاميّة يطلبها المالك. وفي حال تمنّع المالك عن الترميم أو منع المستأجر من تصليح الأضرار لسببٍ أو لآخر، يصبح المستأجر أمام خطرٍ جدّي بالتهجير. في إجراء موازي، قرّر المجلس الأعلى للتنظيم المُدني إحالة كافة طلبات التراخيص والتصاريح المتعلّقة بترميم الأبنية المنجزة قبل عام 1971 إلى المديرية العامة للآثار في وزارة الثقافة لاتخاذ الإجراء المناسب بشأنها. هذا القرار وإن يهدف إلى حماية الأبنية التراثية المتضرّرة من انفجار المرفأ، إلّا أنّه يثير بعض المخاوف لجهة احتمال تأخير عمليات الترميم في وقتٍ يحتاج فيه السكان للعودة السريعة والآمنة إلى منازلهم.

ما المسارات التي تسلكها عمليات الترميم اليوم في الأحياء المتضرّرة؟ وكيف يمكن مجابهة مخاطر التعقيدات الإدارية والعراقيل القانونية المتمثلة بالتراخيص؟

في جولةٍ على الأحياء المتضرّرة، يتبيّن أنّ الإدارات المعنية بتراخيص الترميم تتساهل إجمالاً مع المتضرّرين، فتغضّ النظر عن بدء الأعمال دون تراخيص أو تقوم بتسهيل المعاملات تسريعاً للترميم. وفي بعض الحالات تتولّى الجمعيات المعنية بالترميم التنسيق المباشر مع بلدية بيروت والمحافظ ومديرية الآثار، وذلك بالوكالة عن السكان. إلا أن هذه التسهيلات تُمنح بشكل خاص إلى الجمعيات والجهات المانحة أو المتكفلة بالترميم، كما وتفتقر إلى إطار تنظيمي واضح ما يجعلها عرضةً للإستنسابية ولتحكّم العلاقات الزبائنية. بالإضافة إلى ذلك، يصطدم مسار الترميم في كثير من الأحيان بموقف المالك غير المتعاون. فمثلاً يعِد بعض المالكين السكان بتصليح الأضرار، لكنهم يتأخّرون في بدء الأعمال عمداً لعرقلة عودة المستأجرين أو للضغط عليهم للمغادرة بطريقة غير مباشرة. وحين يأخذ بعض المستأجرين أو الجمعيات الترميم على عاتقهم، يواجَهون من قبل المالك بشروط تعجيزية حول الجهة المانحة المقبولة بالنسبة له أو طريقة الترميم أو والمواد التي يفضّل استعمالها، فيتأخّر الترميم أسابيع وشهور. وظهرت أيضاً محاولات لإلزام المستأجرين توقيع تعهدات بإخلاء الأقسام المستأجرة من قبل المحافظ، أو إلزامهم التوقيع على تعهّد بترميم كامل العقار المتضرر بما فيه الأقسام المشتركة.

في حالات عدة، إنّ الحق الحصري المُعطى للمالك دون سواه في تقديم طلب الترخيص للمباني ذات أضرار إنشائية يضع المالك في موقع السيطرة على مصير ترميم المبنى أو عدم ترميمه، حتى لو أراد القاطنين الترميم. هنا يبرز مثال قهوة أم نزيه في الجمّيزة والتي تقع ضمن بناءٍ لحقت به أضرار إنشائية. إم نزيه مدّدت عقد إيجارها العام الماضي عشر سنوات، أي حتّى 2029. غير أنّ مالك المبنى - وهو شركة استثمارية تملك مبانٍ عدة في الحي - يرفض التقديم على رخصة وبالتالي يمنع الترميم بحجّة أنّه يريد بيع العقارات. فبالرغم من استعداد "مبادرة بيروت للتراث" لترميم المبنى على نفقتها بالتعاون مع "المركز العربي للعمارة"، إلّا أنّ المالك يرى في الترميم عائقاً أمام بيع عقاراته. فإنّ احتمالات البيع والمضاربة العقارية تزداد إذا كان العقار خالٍ والبناء مهدوم.

على الرغم من موافقة مجلس النواب على إصدار قانون إعادة الإعمار والذي ينصّ في المادّة 3 منه على منع القيام بأي عمل تصرّفي ناقل للملكية في العقارات الواقعة في المناطق المتضررة لمّدة سنتين، إلّا أنّ ذلك لا يحل مشكلة المضاربة العقارية بل يؤجّلها، في ظل الاستمرار بشرط الاستحصال على تراخيص الترميم وذلك لأن مالك العقار (لا سيّما المطوّرين والمستثمرين منهم) بإمكانه التلكؤ عن الترميم خلال مدة السنتين إلى حين يصبح بيع العقار ممكنناً.

لذلك يجب رفع الحواجز القانونية المتمثلة بالتراخيص واعتبارات الملكية على الفور. علاوة على ذلك، لا بدّ أن تؤدي بلدية بيروت ومحافظها واجبهم في فرض الترميم أو أخذه على عاتقهم، كما تحدد المادة 18 من قانون البناء. كما ينبغي تقديم الحوافز لأصحاب المباني بحيث يُمنحون أولوية في الترميم مقابل الالتزام بشروط اجتماعيّة وبرامج السكن الميّسر وإعطاء الأولوية لعودة الشاغلين قبل وقوع الكارثة.


 

4: قروض للترميم

أعلن مصرف الإسكان تخصيص مبلغ قدره ستين مليار ل.ل من أموال المصرف الخاصة لتمويل قروض متوسطة الأجل لترميم المنازل المتضررة من جراء انفجار المرفأ وإعادة تأهيلها، وذلك وفق شروط، أولاً أن يكون الحد الأقصى لكل قرض محدد بمئة وخمسين مليون ل.ل؛ وثانياً أن تطبق فائدة بمعدل 3% سنوياً؛ وثالثاً أن تكون المدة القصوى للسداد هي 15 سنة.

كما عمّم مصرف لبنان (بالقرار 13254) على المصارف والمؤسسات المالية أن تمنح قروضاً استثنائية بالدولار الأميركي للمتضررين من الانفجار في مرفأ بيروت، بغية الترميم الأساسي لمنازلهم ولمقر مؤسساتهم، على مسؤوليتها، على أن تمنح هذه القروض بغض النظر عن السقوف المحددة لكل عميل، وأن لا يحتسب على هذه القروض اية عمولة أو فائدة (أي بفائدة صفر بالمئة (0%). وأوصى التعميم بأن يتم تسديد هذه القروض خلال مدة خمس سنوات بدفعات تستحق في نهاية كل شهر أو كل فصل وفقاً لما هو محدد في العقد الموقع بين المصرف المعني أو المؤسسة المالية والمقترض. وبناء عليه ذكّر الحاكم بضرورة التقيد بأن يتم التسديد بعد خمس سنوات بالليرة، ومن يسدد باكراً عليه التسديد بالدولار. وفسّرت مصادر مصرفية هذا التوجه بأن "بعض المتضررين ستصلهم مساعدات من الخارج بالدولار. لذلك يفضّل الحاكم طالما انهم قبضوا دولاراً أن يسددوا بالدولار، بدل أن يصرفوه بالسوق السوداء على السعر المرتفع ليسددوا للمصارف بالليرة، وذلك نظراً للحاجة الماسة في المدى المنظور للعملات الأجنبية". ونبه الحاكم إلى ضرورة أن يتأكد المصرف المعني في حال قبض العميل تعويضاً من شركات التأمين أو تلقى مساعدات أن يسدد القرض، أما مبالغ القروض فمتروك أمر تقريرها للمصارف وللمستندات الثبوتية المتضمنة في ملفات التسليف.


ما إشكالية هذا الإجراء وكيف نقرأه في ظل الإفلاس المالي؟

التوجّه العام في الحكم في لبنان منذ التسعينيات اختزل الحاجة الماسة لسياسة سكنية تعالج أزمة سكنية لها أشكال متعددة وحاجات متنوعّة بتوجّه أحادي وهو الإقراض السكني للتملّك. وفي هذا الصدد، صدرت دراسات عدة تشير الى أنّ الحل المنحصر بالقروض السكنية هو بالفعل لخدمة المصارف التجارية، لا السكان. لم تنحصر سياسة القروض في قطاع السكن، بل كانت نهجاً اتبعته السلطة لتمويل الحكومات المتعاقبة ومشاريعها التي كانت في غالبية الأحيان مدمرة. منذ العام 1991 حتى اليوم، وصلت مجموع القروض التي حصلت عليها الدولة اللبنانية الى أكثر من 9 مليار دولار أمريكي.

استكمالاً لهذا النهج، تتهرّب السلطة اليوم من وضع أي خطّة متكاملة لحماية السكان المتضررين جراء الإنفجار من مخاطر الإخلاء والتهجير، مكتفية بتجميد المضاربة العقارية لمدّة سنة (قانون حماية المناطق المتضررة)، وبالإعلان عن منح قروضٍ مصرفية للترميم.

في واقع الأمر، إنّ قروض الترميم المقترحة لا تحلّ مشكلة السكن بل تفاقمها. فالمشرّعون يدركون أن الاقتصاد مُتّجه إلى انهيار مصحوب بتضخّم مفرط، وبالتالي فإن الأسعار سترتفع في مقابل تدنّي المداخيل وانتشار البطالة. في ظلّ هذه الظروف، لا يمكن أبدًا سداد هذه الديون التي ستعمل فقط على إبقاء الأُسر في حلقة مفرغة من القهر الاقتصادي والتجريد من الأملاك، ما يُعطي البنوك حقّ المطالبة بأصول الأفراد عندما لا يتمكّنون من سداد الدين.
في حال التخلّف عن الدفع، فإنّ المسكن نفسه يصبح بمثابة الضمان، وبالتالي ستكون جميع المناطق المتضرّرة من الانفجار مشرّعة أمام الشركات العقارية بعد استحواذ البنوك على المساكن.

في جميع الأحوال، هناك شكوك كبيرة حول إمكانية تطبيق هذه القروض. فالمصارف لا تملك اليوم في ظل الإنهيار المالي حوافز كافية لمنح المتضررين قروض دون فوائد وتحمّل المخاطر الائتمانيّة المترتبّة عن ذلك. أما من ناحية المتضرّرين، هم لن يجدوا مصلحة في التقدّم بطلبات القروض وتسجيل ديون إضافية على أنفسهم، خاصّة إذا كانت بالدولار. حتى مع فائدة 0٪، فإن معظم الناس، من ذوي الدخل بالليرة اللبنانية، لا يمكنهم تحمّل هذا الدين الجديد. كما أنّه لا يمكن للمستأجرين المتضررين التقدّم بطلب القرض، بل يحق ذلك للمالك دون سواه.

  • 1. بين عامَي 2007 و2015، ارتفعت أسعار الشقق في مار مخايل بنسبة 200%. وترافق ذلك مع تسارع وتيرة عمليات انتقال ملكيّة الأراضي إلى الشركات العقارية وكبار المستثمرين.
  • 2. وزراء الدفاع الوطني، والصحة العامة، والشؤون الاجتماعية، والداخلية، والشؤون المالية، والأشغال العامة، والموارد المائية والكهربائية، والإسكان، ثمانية أعضاء مُقرّرين فيها، بالإضافة إلى ممثّلين عن قوى الأمن والجيش، ومدراء عامّين الشؤون الاجتماعية، مجلس الجنوب، وصندوق المهجرين
  • 3. خصوصًا مع انضمام المزيد من الوزراء كأعضاء فيها، بعد استحداث وزارات (وزراء التربية، البيئة، الاتصالات، الخ.).
  • 4. تأهيل وتزفيت طرقات، حفر وتنظيف آبار، تنفيذ شبكات صرف صحي، شراء مبيدات زراعية، ترميم مدارس، تنظيف أنهر، تسديد نفقات الأسبوع الوطني للشجرة، الخ.
  • 5. تكليف الهيئة بتلك المهمّة لم يكن واقعيًا من الأساس، فهي في الأصل لا تتمتّع بالصلاحيات ولا بالإمكانيات لتأمين المباني وتخصيصها لإيواء المتضرّرين.
  • 6. يمكن مراجعة مقال يمنى مخلوف في المفكّرة القانونية بعنوان "انفجار مرفأ بيروت: الأضرار شاملة."