كيف تصبح المدينة ترجمة للعنصرية

٠٧ آذار ٢٠٢١

ربّما تكون أحد أشهر مواقف الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب هي مواقفه من اللاجئين والعمال المهاجرين، وبالتالي بناءه الجدار مع المكسيك. ففي تشرين الأول الماضي مثلاً، وخلال حملته ضد جو بايدن، إتّهمه ترامب بأنه "سيحوّل مينسوتا إلى مخيّم للاجئين"، محوّلاً عنصريته إلى رُهاب مكاني، يرى في اللاجئين أداةً لتغيير المدن والولايات الأميركية. ولهذه الموجة العالمية من اليمين العنصري ارتدادات لبنانية. فبطريقة موازية، يشكّل جبران باسيل في لبنان هذا الخطاب الفج بالعنصرية والفخور بها. "طبعاً" يقول باسيل، "نريد أن نميّز المواطن اللبناني عن غير اللبناني بالعمل والسكن والضريبة وأمور كثيرة وهذا ليس تمييزا عنصريا بل سيادة الدولة على أرضها." 

هذا الخطاب لا يُظهر انزعاجاً من اللاجئين فحسب، من "سرقتهم" لوظائف المواطنين أو اختلافهم "الثقافي" أو أي من الحجج العنصرية التي اعتدنا، بل يحاول أن يقول أن منازل اللاجئين ومخيماتهم هي التهديد من جهة، وأن يغطّي على المشاريع التنموية الفاشلة والمدمّرة للبيئة والموروث الثقافي الاجتماعي من جهة أخرى، كقول أحد الوزراء السابقين للتيار الوطني الحر بأنه كان من الأفضل لنا أن نملأ منطقة بسري ماءً (بناء سد بسري) من أن نملأها باللاجئين السوريين.

وما ينتج عن هذا الخطاب لا يتعلّق بالكلام المهين فقط، بل يُترجم ممارسات تصبح طبيعية وعادية، تجعل حياة اللاجئات واللاجئين شبه مستحيلة، وسكنهم في المدن والمناطق أصعب يوماً بعد يوم. سنعالج في هذا النص النتيجة الاجتماعية-المكانية للخطاب العنصري الذي أصبح سائداً، ممّا حمّل اللاجئات/ ين أكثر من طاقتهم، لا على مستوى العلاقات الاجتماعية فحسب، بل من حيث محاولات الاقتصاص من حقوقهن/م في السكن والتواجد في المدينة. نركّز هنا على حالة اللاجئات\ين السوريات\ين في لبنان، خاصة الديناميكيات التي أخذت بالصعود بعد تفجير المرفأ.

تتنوّع أشكال العنصرية التي يتعرّض لها اللاجئات\ون من الجنسية السورية في لبنان. وقد تفاقمت جراء انفجار مرفأ بيروت، بداية من تهديدات بالإخلاء للسكّان السوريين القاطنين في المناطق المتضررة، ومصادرة المساعدات وعرقلة عمل الجمعيات، إلى منع المستأجرين من الترميم، والتهديد برفع دعاوى أو باستقدام القوى الأمنية، حتى التهديد باستخدام العنف الجسدي والطرد بالقوة دون أن تخلو التهديدات من الشتائم العنصرية والطائفية. وفي سياق يطغى فيه غياب الوضوح والاستنسابية في آليات الترميم وأولوياته والتعويضات وطرق توزيع المساعدات، كما في كيفية تطبيق قانون إعادة الإعمار الذي يحمي السكان من الإخلاء ويمنع رفع الإيجار لمدة سنة، يتعرّض سكّان المناطق المتضررة ولا سيما اللاجئين السوريين إلى خطر خسارة بيوتهم ويتمّ تصعيب وصولهم إلى المعونات الضرورية. في واقع الأمر، يشكّل اللاجئون السوريون شريحة واسعة من سكّان المناطق المحيطة بالمرفأ. فبحسب دراسةٍ أجريت على عددٍ من الوحدات السكنيّة في أحياء مار مخايل والكرنتينا بين شهر آب وأيلول 2020 تبيّن أنّ 39.17% من السكّان هم من الجنسية السوريّة و11.37% من الجنسيّات الأخرى (أثيوبيات، سودانيون، بنغلاديشون، فلسطينيون، وغيرهم)، وهم من ذوي الدخل المحدود ولا يمتلكون عقود إيجارات مكتوبة. بذا، تصبح الممارسات العنصرية ضد حاملات وحاملي الجنسية السورية أداة مناسبة للإحلال الطبقي العمراني لخدمة المصالح الضيقة.

من الجهة النظرية، ما يحصل هو أكثر من تهديد لشخص هنا أو عائلة هناك. هي ممارسات يومية تعمل كجزء من ميكانيزمات هذا النظام لجعل حياة اللاجئات واللاجئين أصعب بشكلٍ مستمرّ. ما يجري هو تحويل المكان-المدينة إلى آلة تلفظ الأكثر تهميشاً بشكل يومي، لأن رأس المال لا يرضى إلّا بالربح. وهذا يعتمد، على المستوى المكاني، على إلغاء الحقوق الأساسية للأفراد والجماعات، وخلق باريا Pariah يمكن إيذاؤهم دون قصاص من جهة، ومن جهة أخرى "تشظية" المدينة وأحيائها إلى مناطق مقسّمة اعتماداً على امتيازات سكّانها وطبقاتهم.  ولأن العنصرية جزء  لا يتجزّأ من الشكل النيوليبرالي للسياسات، تبدأ الدولة بإنتاج الممارسات العنصرية شبه الممنهجة هذه -كشكل من أشكال تهرّبها من تحمّل المسؤولية فيما يتعلّق بفشل سياساتها- بينما يعيد المجتمع تدوير هذه الممارسات دون أي رادع.    

مفهوم "التشظّي" كعملية إنتاج العنصرية في المدينة

 يُستخدم مفهوم "التجزئة\التشظّي" fragmentation للدلالة على تقسيم المناطق والأحياء وفصلها فصلاً ممنهجاً عن بعضها البعض. يقول هنري لوفيفر في كتابه "إنتاج المكان"، بأن عملية التمدّن الرأسمالي تحتاج لتجزئة و"تشظية" المساحة من أجل الحفاظ على استمراريتها"، كما يحصل في حالات الفصل بين مناطق وأحياء الطبقة العاملة والطبقة المهيمنة1. وبشكل خاص، تعزل هذه العملية اللاجئات\ين عن باقي المدينة\المنطقة، لمنعهم من العيش في مناطق معينة، لأن وجودهم يؤثّر على أسعار العقارات. في محاولاتها لإقصاء السكّان السود والملونين، عملت الحكومة الاميركية وشركات العقارات في الثلاثينيات على نوع محدّد من التشظية أصبح يُعرف بعملية الريدلاينينغ Redlining، أي خلق مربعات يتمّ قطع الخدمات الأساسية عنها، لأنّها الأحياء السكنية للجماعات المتنوعة من السود والملوّنين وغيرهم.

يقوم الريدلاينينغ، ككّل أشكال التشظية، بتجزئة الخدمات نتيجة للعلاقات "التي تربط بين الخصخصة واللبرلة وتطبيق التكنولوجيا الحديثة، ممّا يعيد تشكيل عملية "تفكيك وتجزئة" البنى التحتية. بذلك، "تكون الفضاءات المدينية أجزاء\شظايا نتيجة لجغرافيا الاستغلال والقهر التي يجري إنتاجها خلالها، تاريخياً." لكن الريدلاينينغ لا يتوقّف هنا، بل يمتدّ إلى القروض خاصة الإسكانية منها، فيمنع على السكان الملونين والسود الحصول على قروض إسكانية في أحياء غير "أحيائهم" أو يرفض القروض المتعلقة بتحسين بيوتهم. وقد أدّى ذلك إلى عزل مكاني لجماعات السكان الملونين والسود،  كانت نتيجته ظاهرة حتى على المستوى الثقافي، فنشأت لهجات مختلفة - نشوء ما سمّي ب"الإنكليزية الشعبية السوداء"- بين السود والبيض نتيجة لهذا الفصل. وقد أدّى تمرير قانون "السكن العادل" Fair housing Act سنة 1968، والذي يهدف بالذات إلى إبطال هذه الميكانيزمات، إلى مقتل مارتن لوثر كينغ يومها، أبرز قادة المظاهرات التي أدّت إلى إقرار هذا القانون.2   

في الإطار ذاته، تنقسم المناطق في لبنان أيضاً على المستوى الطبقي، وتظهر بشكل فاقع في حالة المخيمات الفلسطينية. ففي جلّ البحر مثلاً، وهو تجمّع فلسطيني في منطقة صور، يعيش حوالي ألف وخمسمئة لاجئة ولاجئ، دون مستوصف أو مدرسة أو خدمات تجميع النفايات، أو بنى تحتية تساعد في حماية المخيم الذي تضربه الأمواج كل شتاء فيسقط عدد من بيوته. كل ذلك يحصل على بعد أمتار من منطقة عقارية يُباع فيها المتر بين 1200 و2500 دولار للمكتب أو المحل (سنتر الساحلي) وتحصل على أفضل الخدمات.  تقوم عملية التشظّي - كميكانيزم رأسمالي- إذاً بفصل اللاجئين عن باقي المدينة، ووصم المناطق التي يعيشون فيها، بهدف حصرهم في أحياء دون أخرى للمحافظة على أسعار العقارات في المناطق الأخرى. وهي الممارسة ذاتها التي يقوم بها رأس المال، لفصل كل ما يصنّفه أقلّ قيمة أي أقلّ إنتاجاً للربح، عمّا هو أكثر إنتاجاً له. ممّا يعني أنّ أحياءنا ومناطقنا تصبح يوماً بعد يوم، أكثر إنتاجاً لانعدام العدالة والتفاوت الاجتماعي. يصف لوفيفر "الشظايا المكانية كنتاج مكاني للإنتاج الرأسمالي. وهي تحوي أنواعاً عديدة من الجغرافيا الفيزيائية والتخيلية، التي تمّ تقسيمها ونحتها وتحويلها والسيطرة عليها، ومن بينها مساحات "مقسّمة لأهداف البيع والشراء، من المباني، والأجسام، والصور، الممارسات والخطابات."3  

في ورقتها عن "حدود بيروت"4 تقدّم هبة بوعكر قراءة مكانية للفصل الطائفي السياسي الحاصل في المنطقة المعروفة بصحراء الشويفات. حتى بداية ال2000، استطاع الملّاكون الدروز والحزب التقدمي الاشتراكي منع "تمدّد" الأحياء ذات الأغلبية الشيعية، من الضاحية الجنوبية لبيروت، حتى منطقة صحراء الشويفات، باعتبار أنّها منطقة درزية. ولكن حين حصل ذلك بعد إخلاء المباني في وسط بيروت، وانتقال عدد كبير من العائلات الشيعية إلى المنطقة، لم تؤمّن البلدية -التابعة للحزب الاشتراكي- البنى التحتية للسكان الجدد، ممّا اضطرّ عدد من السكان إلى تأمين تزفيت الطرقات ووصل المنطقة بالكهرباء مثلاً، بطرق غير رسمية. في المقابل، عملت البلدية خلال تلك الفترة لتحويل منطقة صحراء الشويفات عقارياً إلى منطقة صناعية بهدف وقف بناء المباني السكنية التي تأوي العائلات من الطائفة الشيعية. بالإضافة إلى ذلك، تعامل أصحاب الأراضي مع قدوم العائلات إلى المنطقة بنفس الطريقة التي كان البيض يتعاطون فيها مع قدوم السكان السود، بالامتعاض من التغيير الحاصل في منطقتهم أوّلاً ثم ببيع عقاراتهم وأراضيهم. كما يعترف موظفو البلدية، بحسب بوعكر، بأنهم كانوا يعملون لوقف هذا "المدّ الذي يحاول أخذ منطقتنا منّا".  

بالإضافة إلى ذلك، نجح الحزب الاشتراكي سنة 2008 بتغيير تخطيط المنطقة، ممّا أدّى إلى "تخفيض معدّل الاستثمار وعدد الطوابق في العقار، وفرض مواد بناء أعلى سعراً، كفرض استخدام الحجر على واجهات المباني بدلاً من الدهان رخيص الثمن." وتعتبر هذه الأدوات خطوة واضحة باتجاه التغيير الطبقي لسكان المنطقة، بحيث تصبح المباني أعلى سعراً ممّا يصعّب على المطوّرين أن يبنوا مساكن لمحدودي الدخل.5  

الأثر الاجتماعي-المكاني للعنصرية

في لبنان وعلى المستوى الاجتماعي، يشكّل اللاجئون ما أسماه جيورجيو آغامبين الهومو ساتشير Homo sacer، الكائن المنبوذ الذي يمكن أن تُلصق به كل التهم، ويتمّ تشريع شيطنته ومعاقبته والتخلّص منه، فيمكن حينها قتل الهومو ساتشير دون أن ينزل على  القاتل أي عقاب. وهو ما رأيناه بأشكال مختلفة، إن كان عبر الجرائم العديدة التي حصلت مع اللاجئين عامة، أو الواقعة الأخيرة في الشمال، حيث حرق أشخاص لبنانيون مخيماً بأكمله. في نصّه عن تدمير نهر البارد، يتحدّث آدم رمضان عن تعاطي السلطة مع المخيم، إن كان من ناحية "التدمير غير المقيّد للمنازل، أو السرقة والحريق"، أي الأدوات التي كانت السمة الأساسية للحرب على المخيم، بوصفها ممارسة ممكنة فقط بسبب الطبيعة السياسية للمخيم، وهو "مكان في لبنان لكنّه ليس من لبنان". وفي هذا المكان، يُكمِل رمضان، أصبحت منازل الفلسطينيين وحيواتهم "قابلة للتدمير دون قصاص"، لأن القانون لا يراهم.6  من المهم أن نرى كيف يمنطق العقل العنصري وجود الآخر في المكان، عبر استحضاره المستمر للبنى القمعية للمجتمع والدولة، مدمّراً في طريقه العقد الاجتماعي بكامله. فالآخر\الأخرى اللاجئ\ة، من الجنسية السورية خاصة، لا حقوق له\ا وبالتالي، ممنوع وجوده\ا في المكان ذاته. وإن وُجِد\ت، يُطلب منه\ا أضعاف ما يُطلب من حاملي الجنسية المحلية/اللبنانية، إن على المستوى المادي أو الاجتماعي.  في الكرنتينا وبعد تفجير المرفأ، يتمّ طرد عائلات وأفراد من الجنسية السورية من بيوتهم في أسوأ الأوضاع وبأكثر الأشكال إهانة لهم، وهي ممارسات غير جديدة على اللاجئين بالذات، لكنها عَظُمَت وأصبحت فاقعة فقط بسبب الأزمة التي لحقت التفجير. 

في بعض الحالات، وصل الأمر إلى منع اللاجئين\ات من الاستفادة من المساعدات الماليّة، الغذائيّة والعينيّة باعتبار أنّ اللبنانيين هم الأجدر بالحصول عليها، رغم أنّ الجميع دون استثناء، قد قاسى وعانى الشدّة نفسها. كما لجأ بعض المالكين إلى تهديد  المستأجرين السوريين بالإخلاء في حال لم يسلّموهم المساعدات المقدّمة كتعويض عن أضرار انفجار بيروت. وقد تمّ في الكثير من الأحيان الاتفاق بالتراضي بين المالكين والمستأجرين على حصول على جزءٍ من التعويضات، رغم أنّ المالك لن يستعملها لأعمال الترميم. وقد بلغت هذه النزاعات أوجها بعد بدء الجيش بتوزيع التعويضات، هذه التعويضات التي اعتمدت على معايير مجهولة وامتازت بمسارات ضبابيّة بالنسبة للسكان والمستأجرين، فلم يكتفِ المالكون بالتهديد بالإخلاء، بل أُخليت بعض المباني في منطقة الكرنتينا على سبيل المثال، وانتقل المالكون للسكن فيها بهدف الحصول على هذه التعويضات الماليّة. وفي هذا الإطار، وأثناء خلافٍ نشأ بين مستأجر ومالك على أحقيّة الحصول على التعويضات، تدّخل الجيش لفضّ النزاع فقط واكتفى بإجبار الطرفين على الاتفاق فيما بينهم بعد تهديدهم باستعادة المبلغ المالي. علاوةً على ذلك، أُخليت بعض العائلات السوريّة على خلفيّة علبة مساعدات غذائيّة. كما تعرّض بعض الأفراد من الجنسيّة السوريّة لعدد من المضايقات الموّثقة أثناء استلام بعض المساعدات الغذائية.

 

يضع النهج العنصري جدراناً عالية بين اللاجئ/ة و"الشكل العادي" للحياة، أي الحياة اليومية فيما يسمّيه آش أمين "المدينة الجيدة\الحميدة"، The good city، وهي المدينة بشكلها العادل. وقد حدّد المخطّط المديني جون فريدمان المسكن والتغطية الصحية والعمل المدفوع بشكل عادل، والتقديمات الاجتماعية المناسبة، أعمدة أربع لهذه "المدينة الجيدة\الحميدة"7،  وهي ما يمكن أن نتخيّله كمدينة ذات "التزامات قوية تجاه أولئك الذين واللواتي تمّ تهميشهم من حق الوصول إلى وسائل العيش والاكتفاء الإنساني".8 قامت مدينة بولونيا (إيطاليا) بإلغاء تعريفات النقل العام عام ١٩٧٨، وأصبحت خدمة الإنترنت مجانية عام ١٩٩٨، بشكل "يضيف إلى اللاوعي المديني عادة من التضامن، فيما يتمّ اكتشاف المدينة كمدينة للجميع".9 إن إنتاج مدينة عادلة، حميدة، تجمع الناس ولا تفصلهم عن بعضهم البعض، تعطي الأضعف والأكثر هشاشة فرصة لبناء حياة كريمة، ممكن لا بل ضروري.

فالهشاشة قادرة على توليد النزاعات، أو مضاعفة الصراعات القائمة وإطالة أمدها؛ كما يعزّز كلٌّ منهما الآخر، ممّا يقلّل من قدرة جماعات الهشّة على الصمود. وكسر هذه الحلقة المفرغة من الصراع، وبالتالي الانتقال التدريجيّ من سياقات الهشاشة إلى مرحلة التعافي، يحتاج إلى نهجٍ طموح ورؤية تستوعب كل عوامل تغذية الصراعات وتحتويها وتعالج أسبابها العميقة. 
 

السكن التشاركي

هناك عدد من المبادرات لحكومات وبلديات، قدّمت مقاربة مختلفة لسكن اللاجئات\ين، من منطلق يعترف بحقوق اللاجئات\ين كونهم\ن جزء من المجتمع الجديد الذي استقبلهم\ن. سنعرض هنا مشروعاً سكنياً في أمستردام كدراسة حالة لما يمكن أن يكون ملهماً في عملية التفكير في البدائل السكنية في لبنان. 

في أمستردام، ونتيجة حصولهم على إذن الإقامة، يحصل اللاجئون على "حق العمل ومعظم التقديمات الاجتماعية للمواطنات\ين، كالحق بالتغطية الصحية، مبالغ الدعم الاجتماعي، القروض لمتابعة الدراسة، والمساكن الاجتماعية."10 وبناء على ذلك، جرى نقاش في بلدية أمستردام، تمّ على إثره اعتماد مشروع تجريبي لإسكان الشباب والشابات اللاجئين والمواطنين من الجنسية الهولندية، في سكن اجتماعي تقدّمه الدولة بإيجار زهيد. 
"ستارتبلوك" هو اسم المشروع التجريبي الذي يتبع ما يعرف بمفهوم "السكن التشاركي" حيث ينظّم السكان ويديرون شؤونهم، بداية من تشكيل تعاونيات إسكانية بقيادتهم، إلى صناديق إسكان وملكية الأراضي. وهذا المشروع مختلف عن غيره، لأنه يجمع "مساكن اللاجئين، التنظيم الذاتي، وسياسات السكن الاجتماعي الجديدة"، كما تقول الباحثتان تزيشكه وهويسمان في بحثهما عن المشروع التجريبي الذي يبدو حتى الآن حاملاً لكثير من الآمال. 11

وأهمية مفهوم السكن التشاركي عامة، هو أنه يعتمد على ما يمكن أن ينتج بيئة اجتماعية وصحية وطبيعية أفضل للسكان، وذلك باعتماده على "الاستدامة البيئية، والعناية المشتركة بالأطفال وكبار السن ومختلف الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة، وفي بعض الأحيان إعادة تعريف الأدوار الجندرية داخل المنزل."12 وقد تكون أشكال السكن التشاركي مساهمة بشكل أكبر في عملية تشكيل العلاقات الاجتماعية، ممّا قد يساعد اللاجئين في دول اللجوء المختلفة. 

من المفيد النظر إلى تفاصيل المشروع بهدف فهم كيفية عمل هذا الشكل من السكن الجماعي. "الهدف من المشروع هو خلق مجتمع community عبر السماح للسكان بتنظيم أنفسهم وإدارة المجمّع بأنفسهم.13 فهناك مثلاً فريق إدارة كامل مؤلّف من السكان، يُعنى بالصيانة والإدارة القانونية والمعاملات والتطوير المجتمعي للسكن ولجنة تعمل على تشجيع السكان وتحفيزهم لتنظيم نشاطات اجتماعية، كما يتمّ اختيار السكان الجدد بشكل ديمقراطي. 14

وعلى الرغم من أن المشروع جديد، إلّا أن ردة فعل السكان إيجابية جداً حتى الآن، بداية من أن اللاجئين لا يجدون أنفسهم معزولين عن باقي المجتمع، كما يشعر السكان بأن "لهم حقاً في المشروع، بداية من إدارته وتطويره وتأسيس علاقات متبادلة، وبناء التعاضد والتضامن."
 
يقوم طائر الوقواق بعملية تسمّى بال Brood parasite أو طفيلي الحضنة. هو طير لا يبني عشاّ، بل يذهب إلى أعشاش مبنية مسبقاً، حيث وضع طائر آخر بيضه، فيسرق الوقواق بيضة ويضع مكانها بيضته. يجلس الطائر الآخر على بيضه والبيضة المزيفة، حتى تفقس...ويطعم العصافير الصغيرة كلّها، حتى عندما يرى بأن هناك بينها عصفور مختلف. 
 
هذا ما تحاول السردية العنصرية أن تجعلنا نراه في اللاجئات/ين في لبنان. هم أفراد وجماعات طفيلية، لا تبني ولا تتعب ولا تكدّ في عمل، تعيش على عطاءات الشبكة الاجتماعية التي تقدّمها دولة العدالة الاجتماعية. والهراء يبدأ أولاً من حيث أن اللاجئات\ين ليسوا بطفيليات وهم يعملون ويكدحون، وثانياً من حيث أن لا دولة عدالة اجتماعية في لبنان أصلاً، كي يستفيد منها لا اللبنانيات\ون ولا غيرهم. إن كان هناك هدف لما وضعه جون فريدمان وغيره خلال تفكيرهم بمفهوم "المدينة الجيدة\الحميدة"، فهو أنّ القواعد التي وضعوها تسمح بالتنوّع الطبقي في المدينة، ممّا يكون سبيلاً للعدالة الاجتماعية. مقابل التشظّي، نطرح التواصل والترابط والتعاضد وبناء الشبكات الاجتماعية، مقادير شبه سحرية لمدينة حميدة.

 

 

 

  • 1. Lefebvre, H., & Nicholson-Smith, D. (1991). The production of space (Vol. 142). Blackwell: Oxford. “capitalist urbanization is conceived as actively requiring the fragmentation of urban space in order to sustain itself, for instance in the geographical (dis)placing of labour, or in the targeting of specific spaces in the city for accumulation and speculation.”
  • 2. McFarlane, C. (2018). Fragment urbanism: Politics at the margins of the city. Environment and Planning D: Society and Space, 36(6), 1007-1025. “It allows us to reveal how urban spaces are produced as fragments as a result of the geographies of exploitation and oppression in which they are historically produced (Perlman, 2010).”
  • 3. Lefebvre, H., & Nicholson-Smith, D. (1991). The production of space (Vol. 142). Blackwell: Oxford. “ٍpatial fragments as the spatial products of capitalist production. This includes a wide variety of physical and imaginative geographies that are divided, carved-up, and controlled, including spaces ‘subdivided for the purposes of buying and selling’, buildings, bodies, subjects, images, practices and discourses.”
  • 4. Bou Akar, H. (2012). Contesting Beirut's frontiers. City & Society, 24(2), 150-172.
  • 5. Ibid, p. 150-172.
  • 6. Ramadan, A. (2009). Destroying Nahr el-Bared: Sovereignty and urbicide in the space of exception. Political Geography, 28(3), 153-163.
  • 7. Friedmann, J. (2000). The good city: In defense of utopian thinking. International Journal of Urban and Regional Research, 24(2), 460-472. “Housing, affordable health care, reasonably remunerated work and adequate social provision, as the four pillars of the good city.”
  • 8. Amin, A. (2006). The good city. Urban studies, 43(5-6), 1009-1023. “The good city has to be imagined as the socially just city, with strong obligations towards those marginalised from the means of survival and human fulfilment.”
  • 9. Amin, A. (2006). The good city. Urban studies, 43(5-6), 1009-1023. “It adds to the urban unconscious a habit of solidarity as the city comes to be experienced as the city for all.”
  • 10. Czischke, D., & Huisman, C. J. (2018). Integration through collaborative housing? Dutch starters and refugees forming self-managing communities in Amsterdam. Urban Planning, 3(4), 156-165.
  • 11. عام 2015، قدّمت بلدية أمستردام الأرض والبنى التحتية لبناء سكن اجتماعي للاجئين والمواطنين، على أرض كانت سابقاً ملاعب رياضية. وقد تمّ إعادة استخدام حاويات (كانت قد استخدمت في مشروع سابق) لبناء الوحدات السكنية. سنة 2016، انتقلت أول مجموعة من السكان إلى المجمّع، مقسّمين بشكل متواز بين لاجئين ومواطنين.
  • 12. Czischke, D., & Huisman, C. J. (2018). Integration through collaborative housing? Dutch starters and refugees forming self-managing communities in Amsterdam. Urban Planning, 3(4), 156-165.
  • 13. يحوي ستارتبلوك على 463 غرفة صغيرة، و48 شقة مشتركة، ومكتب صغير ونادٍ. تقسّم المباني إلى 19 رواق، في كلّ منها 16-32 غرفة صغيرة. لكل رواق غرفة معيشة مشتركة، ولكل غرفة صغيرة حمام ومطبخ صغير. يعيش في كل رواق عدد مواز من اللاجئين والمواطنين الهولنديين. في كل رواق، يتمّ اختيار مواطن\ة ولاجئ\ة لإدارة شؤون الرواق، وهم أول من يتمّ التواصل معه في حال نشوء مشاكل في الرواق المذكور، ويحصلان على خصم بسيط على الإيجار لنشاطهما هذا. يتوقع من السكان اللقاء كل أسبوع، ويحصل السكان الذين لا يحترمون قوانين السكن على غرامة."
  • 14. ينتخب كل هؤلاء من قبل السكان وعليهم أن يكونوا سكاناً ايضاً. هناك موظف واحد في المشروع كلّه ليس جزءً من السكان، وهو\هي منسّق المشروع، وهو\هي موظّف في مؤسّسة الإسكان، يعمل على بناء التواصل بين السكان والمؤسسة.