طبيعة الانخراط الأهلي في مشاريع إعادة الإعمار في لبنان

١٩ كانون الأول ٢٠٢٠
مروان غندور

استهدفت مشاريع سوليدير، وعد في الضاحية الجنوبية ومخيّم نهر البارد إعادة إعمارٍ أحياء دمّرتها النزاعات المسلّحة التي وقعَت في لبنان السبعينات والثمانينات، وفي عامَي ٢٠٠٦ و ٢٠٠٧ على التوالي. وعلى الرغم من أن هذه الاحياء هي نتاج عقودٍ من التفاعلات الاجتماعية والاقتصادية المتعدّدة، فإنّ مشاريع إعادة الإعمار تُعيد إنتاج المنطقة بكاملها ضمن معطيات سياسيةٍ واجتماعيةٍ معاصرة، ما قد يقلِص تنوّع النقاشات والأطراف المؤثرة في عملية الإنتاج المديني لهذه الأحياء المستحدثة. في ضوء هذا، تعرض المشاريع الثلاثة المذكورة ثلاث مقارباتٍ مختلفةً للإنتاج المديني، كاشفةً عن علاقةٍ مختلفةٍ تجمع بين المطوّر والمصمِمة (المعمارية) والسكّان. وأركّز في هذا المقال على درجة انخراط السكّان ونوعيته في سيرورة تطوير هذه المشاريع العامة، كما على دور المصممين والمصممات في تفعيل هذا الإنخراط. 

في المقال أدناه، أدعو إلى اعتبار الانخراط الأهلي عمليةً إبداعيةً مركزها وسائل التواصل والتبصّر لدى المصمّمين والمصمّمات المختصّين. ولتسويغ حجّتي، أتناول أولًا المشروعين الواقعين ضمن العاصمة بيروت، وعد وسوليدير، واللّذين يتّسمان بأهمية سياسية عالية وبسيرورة إنتاجٍ شديدة الهرمية. بعدها، أتطرّق إلى مشروعٍ ذي أهميةٍ سياسيةٍ أقلّ، هو مشروع إعادة إعمار مخيّم نهر البارد في شمال لبنان.
 

التطهير المكاني: وعد وسوليدير

سوليدير هي ثمرة الحكومة النيوليبرالية التي تسلّمت الحكم في لبنان مطلع التسعينات، مباشرةً بعد انتهاء الحرب الأهلية التي دامت 15 عامًا (١٩٧٥ – ١٩٩٠). استهدف المشروع وسط مدينة بيروت، حيث أسواق العاصمة التاريخية التي تمثّلت فيها كافة الشرائح الطائفية والاقتصادية اللبنانية.1 بفعل موقعها على خط التماس بين الأطراف المتنازعة، شهدت منطقة وسط المدينة وبشكل مستمرّ معارك أدّت إلى إخلاء معظم المباني، وإحداث تدميرٍ هائلٍ في بعض المناطق واستيطان عائلاتٍ محدودة الدخل مهجّرةٍ من مناطق أخرى في البلاد. وفي محاولةٍ لاجتذاب رؤوس الأموال العالمية وطيّ صفحة العنف سريعًا، أطلق مشروع سوليدير تغييرًا ديموغرافيًا جذريًا عن طريق تحويل كافة الممتلكات والمستحقات في وسط المدينة إلى أسهمٍ تكوّنَت منها في نهاية المطاف شركةٌ عقاريةٌ ذات ملكيةٍ عامةٍ وإدارةٍ خاصةٍ. أما مشروع  وعد"،فهو تشكّل في إثر الحرب الإسرائيلية على لبنان عام ٢٠٠٦. في ردٍ سياسيٍ على مشروع سوليدير، أُعلن وعد كمشروع بديلٍ لإعادة الإعمار يقوم على مبدأ الاستقرار الديموغرافي. تركّز عمل وعد بشكلٍ رئيسٍ على منطقة حارة حريك ذات الكثافة السكانية العالية في ضاحية بيروت الجنوبية، بقيادة حزب الله الذي كان الطرف المعارِض الأساسي للحكومة آنذاك. 

يمكن اعتبار سوليدير ووعد مشروعَين مُختلفَين من حيث المفهوم والتصوّر؛ فسوليدير أعادت تشكيل الحيّز المكاني في وسط بيروت، بينما حافظت وعد إلى حدٍ كبيرٍ على الشكل المديني لحارة حريك. لكن التقسيمات المكانية في المدينة التي سببتها السيرورة "التطهيرية" للإنتاج المديني في كلتا البيئتين تجعل هذين المشروعَين متشابهين على نحوٍ صارخ.2 فسوليدير أزالت كافة الحقوق الفردية في المكان، ما سمح بالتدفق الحر لرأس المال العالمي وحوّل المنطقة إلى مركز تسوّقٍ فاخرٍ للسيّاح وعامل جذبٍ رئيسٍ للمستثمرين الإقليميّين. وعلى نحوٍ مماثل، من خلال تصوير إعادة الإعمار كتجسيدٍ للانتصار على "إسرائيل" عام ٢٠٠٦ وعلى الحكومة اللبنانية التي اتهمها بالتآمر عليه، حرَم حزب الله منطقة حارة حريك من تعدّد و تنوّع التأثيرات التاريخية والمستقبلية على إنتاجها المكاني، مختزلًا النسيج المساحي للحيّ في وظيفته الرمزية كمعقلٍ اجتماعيٍ وسياسيٍ واقتصاديٍ للمقاومة الإسلامية في لبنان.

سيرورة "التطهير" المكاني هذه ارتكزت على ثلاث عملياتٍ مساحيةٍ – سياسيةٍ، وهي: إعلان ظرفٍ مكاني استثنائي، وخصخَصة الحوكَمة المكانية وإعادة إنتاج القيمة التبادلية للمساحة المدينية.

إعلان ظرفٍ استثنائي

يُحدّد كلٌّ من المشروعَين منطقةً خاضعةً لأحكامٍ استثنائيةٍ تُعالَج فيها هيكليات صنع القرار والأحياء الخاضعة لحكمها بمعزلٍ عن باقي المدينة. فالظروف الطارئة التي تسِم مشاريع إعادة إعمار أحياء ما بعد الحروب، تسهّل إرساء حالاتٍ استثنائيةٍ كتلك، وإن في سياق الاستجابة للأزمة الإنسانية وتدفّق أموال المساعدات العالمية. في النتيجة، يشترك المشروعان في تصوّرهما للمناطق التي سيُعاد إعمارها كمناطق تدخّلٍ خاصٍ، موضوعةٍ تحت سلطةٍ استثنائية3 منفصلة عن مؤسسة التخطيط الوطني، وتنطبق عليها تنظيماتٌ عمرانيةٌ غير عادية.

وترسم كلٌ من وعد وسوليدير صورةً سلبيةً لمدينة بيروت لتخدمَ كخلفيةٍ لتدخّلاتهما "الإيجابية". هكذا، يصبح وسط البلد التابع لسوليدير جنّةً من المباني الجميلة حيث معايير النظافة تتضمّن التنظيف المنتظِم لإشارات السير ومصابيح الشوارع، وسط مدينةٍ رثّةٍ وملوّثةٍ تفصلها عن تلك الجنّة شبكةٌ من الطرق السريعة التي ترسّم حدودًا مساحية واضحةً لحدود سوليدير. على نحوٍ مماثل، يرسّم مشروع وعد الحدودَ المساحية للمشروع كمنطقة متسمة بالتقى والمسؤولية الاجتماعية، وملتزمة بالمقاومة العسكرية ضد "إسرائيل"؛ ممّا يجعلها قلبُ الضواحي الجنوبية لبيروت أو الضاحية، و التي تقف في تناقضٍ مع المناطق الأخرى في المدينة، تلك الموصومة بالممارسات المنافية للأخلاق واللهاث خلف الربح المادّي.

خصخَصة الحوكَمة المكانية

انطلق مشروعا وعد وسوليدير على يد جهاتٍ خاصةٍ تمتلك رؤًى وأجنداتٍ واضحةً جرى فرضها على المناطق التي خضعت لتدخّلاتها. بهذا المعنى، تموضع المشروعان العائدان إلى جهتَين خاصّتَين في مواجهة الدولة القومية التي يصوّرها الطرفان (الإسلامي-المقاوم والنيوليبرالي) على أنها بطيئةٌ وغير فعّالة. لكن كلًا من هذين الطرفَين يُعرّف "المصلحة العامة" وفقًا لمصالحه الخاصة: مراكمة رأس المال السياسي لحزب الله من خلال صون قاعدته الشعبية في حالة وعد، ومراكمة رأس المال المالي لمالكي أسهم الشركة في حالة سوليدير. هذه التعريفات "للمصلحة العامة" تُقصي بطبيعة الحال فئاتٍ كثيرةً لأنها تعريفات مصنوعة من قبل القيّمين على كلٍ من المشروعَين. أكثر من ذلك، في ظل غياب أي هيكليات واضحةٍ لمساءلة مُديري وعد وسوليدير، لا يبقى أمام "المستفيدين" أو "السكّان" إلا اللجوء إلى قنوات السوق للتعامل مع هواجسهم، كالخروج من منطقة المشروع عبر بيع الأسهم أو الشقق.

إعادة إنتاج القيمة التبادلية للمساحة المدينية 

أخيرًا، في الطرق المتّبعة لإعادة الإعمار، منح المشروعان الأولوية للقيمة المادية للمكان مع تهميش لتاريخ التجارب المُعاشة التي أنتجت المكان. هكذا، حوّلت سوليدير حقوق الملكية والمستحقات إلى أسهمٍ في شركةٍ لا تعطي مالكيها أيّ استحقاقٍ للمشاركة في إنتاج المكان في المستقبل. وسمح هذا للشركة في نهاية المطاف بفرض قطيعةٍ صارمةٍ بين منطقة وسط البلد وتاريخها، والتحكم بهوية مُنتجي المكان مستقبلًا. على العكس من ذلك، حافظت وعد على وجود جميع السكان في مناطقها. لكن ذلك الوجود ظلّ مُعرفًا إلى حدٍ كبيرٍ بقيمته المادية، إذ وضعَت وعد خطط إعادة الإعمار ملتزمةً بالحفاظ على عوامل الاستثمار، وأحجام الشقق، وارتفاع المباني وغيرها من العناصر الكمية (الحجميّة) للبيئة العمرانية كما كانت قبل دمار المنطقة. نتيجةً لذلك، أهمل المشروع معالجة العناصر النوعية، كبعض ظروف الحياة السيئة في المنطقة، مثل ازدحام السير الخانق، والتلوّث وانعدام النور الطبيعي والتهوية في بعض الأماكن. في الواقع، فوّت المشروعان فرصة الاستزادة من تاريخ الإنتاج الاجتماعي للمكان طمعًا بالتسليم السريع "للسّلع المادية"، تارةً باسم التصدّي والمقاومة في حالة وعد، وطورًا باسم الازدهار الاقتصادي في حالة سوليدير.
 

المصمّم/ة والسكان

بالإضافة إلى ما تقدّم، عمِدت الشركتان إلى توظيف مصمّمين/ات و مخطّطين/ات يلتزمون بالتعليمات ويعملون وفقًا للمبادئ التوجيهية للشركة. بينما زوّد المصمّم/ة المشروع بقيمة مهنية احترافية، كان دوره/ا إقصائيًا للسكّان حيث كان إشراكٍ الجماعات والأفراد التي سكنت تاريخيًا المناطق المعنية بالمشروعَين ضئيلٍ جدًا. على مستوى هيكلية المشروع، كان هناك حدٌ أدنى من التواصل بين السكّان والمصمّمين في حالة وعد، مقابل غيابٍ تامٍ لأيّ تواصلٍ مماثلٍ في حالة سوليدير. هذا الواقع، كما ذكرت آنفًا، جعل الشركة أو الجهة المطوّرة الخاصة القوةَ المركزية المهيمِنة على عملية إنتاج المناطق وتشكيلها المسثقبلي.

على العكس من وعد وسوليدير، اتسم مشروع إعادة إعمار مخيّم نهر البارد للاجئين4 بدرجةٍ عاليةٍ من التشاركية لاسيما مع القليل من التدخلاتٍ الموجّهةٍ من قبل شخصياتٍ سياسيةٍ لبنانيةٍ محلّية. كان المخيّم قد سُوّي بالأرض تمامًا عام ٢٠٠٧ نتيجة نزاعٍ مسلحٍ نشب بين الجيش اللبناني وجماعة فتح الإسلام وأدّى إلى تهجير 27 ألفًا من السكان. طيلة الأعوام الخمسين التي سبقت الدمار، تطوّر المخيّم واتسع بشكلٍ تدريجي و عفوي ضمن حدوده الواضحة. فحدود المخيم مصنّفة خارج الحدود الإقليمية، أي خارج التنظيمات المدينية والعمرانية اللبنانية الرسمية، وتحت رعاية وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (أونروا). في خضم معارك عام ٢٠٠٧، تطوّعت مجموعةٌ من والمصمّمات/ين و المخطّطات/ين (سُمّيت لاحقًا باسم لجنة إعادة إعمار نهر البارد)، لجمع قصص السكان المُهجّرين عن منطقتهم المدمّرة. وتضمّنت تلك القصص وصفًا للمساكن من الداخل، ومواقع البيوت، وارتفاع المباني وغير ذلك من التفاصيل التي جرى تتبّعها في ما بعد على الخريطة الوحيدة المُتاحة للمُخيّم، والتي أنتجتها سابقاً وكالة أونروا عام ٢٠٠٧ بغرض تحديث شبكة الصرف الصحّي فيه. جرى تحويل القصص و البيانات المعيشية إلى رسوم هندسية ممثَّلة بخرائط منبثقة عن خريطة الأونروا الأساسية. بعدها، عُقدَت اجتماعاتٌ للسكان لمناقشة المخطط التوجيهي لإعادة الإعمار والاتفاق عليه، ثم عملَت كل أسرةٍ مع مصمّم/ة مختصّ/ةٍ لوضع مخططٍ لمسكنها والمصادقة على المساحة المخصّصة لها.

انتقلت العائلات إلى الحزمة الأولى من المساكن – ١١٠ وحدة – في خريف ٢٠١٠، بينما ما زالت بقية المساكن قيد الإنشاء. وعلى الرغم من أن المشروع برمّته طُوّر بالتواصل والتشاور مع السكان وبمشاركتهم المباشرة عبر الاجتماعات وورشات العمل، أظهرت ردود فعل العائلات المنتقلة تجاه المساكن المُعاد إعمارها فهمِهم الخاطئٍ لمعنى المكان العام ووظيفته وحجمه، وكذلك للمساحات المتجاوِرة التي نوقشَت في اللقاءات المتعددة مع المصمّات/ين. أكثر من ذلك، تبيّن أن السكان كانوا يقرأون عناصر البناء كالسلالم والغرف من منطلقٍ تجريبي معيشيٍ، مثل اتساعها للقاءات العائلية ودرجة الخصوصية التي تؤمّنها، بينما كان المختصّون يناقشون الغرف من منطلق مقاييسها ومساحتها.

للمفارقة، وبالمقارنة مع وعد وسوليدير، فإنّ البنية التنظيمية لمشروع نهر البارد منحَت الجهة المطوّرة مزيدًا من السلطة الحصرية على عملية إنتاج المشروع. بموازاة ذلك، ما زال استياء السكان يتفاقم ويزداد عنفًا كما بدا واضحًا مؤخرًا في اقتحامهم مكاتب وكالة أونروا في المخيّم و إشعال حريق في أوّل آذار عام ٢٠١٢.

نستخلص من استطلاع المشاريع الثلاثة أعلاه أنّ المشاركة المباشرة للمجتمع المحلّي في عملية إنتاج المشروع لم تؤدّ إلى مواءمته مع حاجات السكان على نحوٍ أفضل، كما يبيّن مثال نهر البارد. لكن عملية المشاركة تلك زادت سكّان المخيّم تمكينًا لمناقشة بيئتهم المبنية بوضوحٍ أكبر، ما حدا بهم في نهاية المطاف إلى التعبير صراحةً عن استيائهم إزاء المساكن التي تسلّموها. ويُظهر مشروع نهر البارد أهمية الانخراط الأهلي من أجل خلق بيئةٍ لا تخضع لهيمنة سلطةٍ سياسيةٍ مركزيةٍ قد تؤدّي إلى حالات تطهيرٍ مدينيٍ كما في مثالَي وعد وسوليدير. لكن الإمكانية الواعدة والمثمرة لهذا الانخراط الأهلي تكمن في مدى اتساع وشمول الوسائل المهنية المتاحة للتواصل والتبصّر من قبل المصمّمات/ين، لا في عدد المشارِكين في اجتماعات السكان وورشات العمل. فبسبب محدودية تلك الوسائل المهنية، فشل مصمّمي المشاريع الثلاثة أعلاه في تحقيق الإدماج الكامل لمُجتمع السكّان في عملية إنتاج أحيائهم.

  • 1. تمت دراسة مشروعي سوليدير ووعد بالتعاون مع الأستاذة منى فواز (الجامعة الأميركية في بيروت)
  • 2. مراجعة مقال منى فواز ومروان غندور:”Spatial Erasure: the reconstruction of Haret Hreik,” ArteEast Quarterly, December 2009. https://tinyurl.com/y7ury3kw
  • 3. مراجعة مقال منى فواز: “Beirut: the city as a body politic.” ISIM Review. 20. Autumn 2007
  • 4. تم إجراء البحث حول إعادة إعمار مخيم نهر البارد بالتعاون مع المعمارية والباحثة عبير سقسوق