pw_lawcomment_housing

تصوير مروان طحطح

جدول أعمال الجلسة التشريعيّة الأخيرة

اقتراحات قوانين متفرّقةٍ لا تتطرّق إلى أزمة السكن المتفاقمة

١٩ تمّوز ٢٠٢١

تضمّن جدول أعمال الجلسة التشريعيّة يومَي 30 حزيران و1 تموز الفائتَين 76 بندًا. ورغم تعدّد المقترحات وتنوّع مصادرها، من مشاريع قوانين واردةٍ من الحكومة واقتراحاتٍ درسَتها اللجان، إلى أخرى استُعيدَت من جدول أعمال جلسة 12 كانون الأول 2020، يُلاحظ تغييب موضوع أزمة السكن تمامًا.
فبالرغم من بروز مسائل أساسية في إطار إشكالية السكن في المدن الرئيسة، لاسيما العاصمة بيروت، مثل: عبء نفقات الإيجار على السكان، وصعوبة العثور على سكنٍ معقول التكلفة، وتفاقم عمليات الإخلاء التعسّفي وارتفاع نسبة الوحدات السكنية الشاغرة، لم يقترح المشرّع أي حلولٍ لتلك المسائل ضمن رزمة الاقتراحات «المعجّلة المكررة» التي طُرحَت للدراسة في الجلسة. 
بناءً عليه، يهمّنا التعليق على بعض المقترحات ذات الصّلة بالحقّ في السكن.

 

اقتراح إعفاء سكان بيروت من الرسم السنوي على القيمة التأجيرية: إخلال بمبدأَي العدالة الاجتماعية والضريبية

سبَق للنائب فؤاد مخزومي أن تقدّم بتاريخ 19/12/2020، ثم مجددًا بتاريخ 30/6/2021، باقتراح قانونٍ يرمي إلى إعفاء المواطنين من الرسوم البلدية على الأبنية في بيروت. ويقضي المقترح بإعفاء شاغلي الأبنية السكنية وغير السكنية في مدينة بيروت من الرسم السنوي على القيمة التأجيرية الذي تستوفيه البلدية عن عامَي 2020 و2021، بالإضافة إلى إعفائهم من غرامات التأخير المتوجّبة عن عام 2020 وما قبل. وفي حال كان سبَق للمُكلف تسديد الرسم البلدي المباشر عن عامَي 2020 أو 2021، إما يُعتبر مسددًا عن عام 2022 وما يليه، أو يُعاد إليه المبلغ المُسدّد في حال انتهاء صفتِه كمستأجرٍ مُكلّف.
تبرّر الأسباب الموجبة تقديم الاقتراح بـ "الوضع الاقتصادي والمالي الضاغط على سائر المستويات"، وما يولّده من "تعثرٍ مالي خطير لدى الأكثرية الساحقة من المواطنين"، وأهميّة تأمين "استقرار المواطن في سكنه" كونه يشكل "أحد الدعائم الأساسية الضامنة للاستقرار الاجتماعي".
المُلفت في هذا الاقتراح، حصرُ مفاعيله بالرسوم البلدية على الأبنية في بيروت، علمًا بأنّ الأزمة الاقتصادية - المالية تطال جميع الأراضي اللبنانية. فبتمييزه مدينة بيروت عن غيرها من المناطق، يمسّ القانون بمبدأ العدالة الاجتماعية المكرّس في مقدمة الدستور، والذي ينصّ على إزالة الفوارق بين مختلف فئات المجتمع اللبناني، كما يمسّ بمبدأ العدالة الضريبية الذي يفرض شموليّة القوانين الضريبية وتطبيق أحكامها على جميع الأراضي اللبنانية دون استثناء (المادة 81 من الدستور اللبناني).
وإن كانت الغاية الفعلية من هذا القانون تأمين استقرار المواطنين في سكنهم، لكان من الأجدى اقتراح وضع ضوابط على بدلات الإيجار بما يتناسب مع مداخيل المواطنين، بما أنّ الرسوم البلدية تُجتزأ من القيمة التأجيرية التي يسدّدها شاغل البناء.

 

اقتراح تمديد إيجار الأماكن المبنية غير السكنية المعقودة قبل 23/7/1992: فرض زياداتٍ غير واقعيةٍ بهدف حماية "حقوق المالكين"

ورد أيضًا في جدول الأعمال اقتراحان معجّلان مكرّران يرميان إلى تعديل المادة 38 من قانون الإيجارات الجديد الصادر بتاريخ 9/5/2014 (والمعدّل بالقوانين 2/2017، 111/2018 و176/2020)، والتي تنصّ على تمديد إيجار الأماكن المبنية غير السكنية المعقودة قبل 23/7/1992 حتى تاريخ 31/12/2020، أي لحين نفاذ قانونٍ خاصٍ ينظّم علاقة المالك بالمستأجر في العقود غير السكنية. وتحدّد المادة المذكورة أن «خلال هذه المدة ترتبط بدلاتُ الإيجار اعتبارًا من تاريخ نفاذ هذا القانون وتزاد سنويًا بنسبةٍ تعادل معدّل التضخم السنوي وفقًا للمؤشر الرسمي الصادر عن إدارة الإحصاء المركزي في السنة السابقة على ألّا تتجاوز الزيادة خمسة بالمئة (5%)».
الاقتراح الأوّل قدّمه النائب إبراهيم عازار عضو كتلة التنمية والتحرير بتاريخ 10/3/2021، ويرمي إلى تمديد عقود إيجار الأماكن المبنية غير السكنية المعقودة قبل 23/7/1992 حتى تاريخ 30/6/2021، ورفع قيمة البدلات لتتخطّى نسبة 5% فتبلغ 600% للإيجارات التي تقلّ عن 500 ألف ليرة في السنة، و300% للإيجارات التي تتراوح بين 501 ألف ومليون ليرة في السنة، ثم تباعًا وفقًا لجدولٍ مفصّل.
أما الاقتراح الثاني، فقدّمه النائب إبراهيم عازار نفسه وزميلُه في الكتلة فادي علامة بتاريخ 10/6/2021 (ما يدلّ على غياب التنسيق والتعاون بين النواب ضمن الكتلة النيابيّة الواحدة)، ويرمي إلى تمديد عقود إيجار الأماكن غير السكنية المعقودة قبل 23/7/1992 لمدة سنةٍ واحدةٍ من تاريخ صدور القانون ولغاية 31/12/2021 من دون ذكر الزيادات أو الأسباب الموجبة المتعلّقة بها. 
تشير الأسباب الموجبة في الاقتراح الأوّل إلى بلوغ معدّلات التضخّم لعام 2020 نسبة 84.9% (وفق الإحصاء المركزي) و"تدنّي القدرة الشرائية لدى المالكين بشكل دراماتيكي" جرّاء انهيار العملة الوطنية والأزمة النقدية والمالية، بحيث "أصبحوا غير قادرين على تأمين الحياة الكريمة بحدّها الأدنى". كما تطرّقت إلى أهمّية "قطاع تأجير الأماكن السكنية وغير السكنية"، وكيف سيؤدي انهياره إلى نتائج سلبيةٍ على الاقتصاد الوطني وتبعاتٍ كارثيةٍ على عدّة قطاعاتٍ أخرى مرتبطةٍ به، مؤكدةً أنّ "من واجب الدولة دعم هذا القطاع وإعادة التوازن عند اختلاله بسبب العوامل الطارئة".
المُلفت في الأسباب الموجبة المقدّمة من قبل النائب عازار هو اعتبار فئة المالكين مفصولةً عن المجتمع الأوسع، كأنها تتأثّر بالانهيار بطرقٍ مميّزةٍ عن غيرها ما يستلزم حمايتها بواسطة قانونٍ مخصّصٍ لها، بدلًا من اقتراح قوانين تحمي حقوق مَن لا يتمتّعون بامتياز «المُلكية»، ومَن يخسرون بيوتهم وأماكن عملهم في ظلّ انهيار قدراتهم الشرائية وغياب أيّ قوانين تحميهم. فاقتراح القانون المذكور لا يُدرك أن ظروف الانهيار عينها أثرَت سلبًا ومباشرةً على المستأجرين أيضًا، وأنّ معظمهم لن يتمكن من تسديد زياداتٍ بنِسَب 600% و300%. من ناحيةٍ أخرى، يختزل اقتراحُ القانون دعمَ قطاع التأجير والاقتصاد الوطني ككلٍ بزيادة الإيجارات، ويتناسى أن أحد أهمّ مسبّبات الانهيار المالي الحالي هو اعتمادُ الاقتصاد الوطني على أرباحٍ جنونيةٍ في القطاع العقاري، ما ولّد هوةً عميقةً بين أسعار العقارات وبدلات الإيجار من جهةٍ والأجور من جهةٍ أخرى، أدّت إلى استفحال أزمة السكن. بناءً عليه، وحفاظًا على المصلحة العامة وحق السكن، وصونًا لقطاع التأجير والقطاعات المرتبطة به، وَجَب على المشرّع - وفقًا لقوانين الملكية والتنظيم المدني - التدخّلَ للحدّ من الشغور في الوحدات السكنية وغير السكنية، واحتساب ما يمكن اعتباره بدل إيجارٍ عادلٍ في خضمّ العوامل الطارئة القائمة.

← قرّر مجلس النواب تمديد عقود إيجار الأماكن غير السكنية والمعقودة قبل 23/7/1992 لمرّةٍ أخيرةٍ حتى 30/6/2022، من دون إقرار أي زيادةٍ على بدلات الإيجار.

 

اقتراح تمديد مُهَل تسديد القروض بجميع أنواعها: حلٌّ مؤقتٌ لأزمةٍ متفاقمة

تقدّم النائب علي فياض بتاريخ 23/6/2021 باقتراح قانون معجلٍ مكرّرٍ يرمي إلى تمديد مفاعيل القانون 199/2020 حتى تاريخ 31/12/2021.
كان القانون 199/2020 قد علّق حتى تاريخ 30/6/2021 مفاعيلَ البنود التعاقديّة المتعلّقة بالتخلّف عن تسديد القروض بجميع أنواعها من سكنيةٍ وزراعيةٍ وسياحيةٍ وتكنولوجيةٍ ومعلوماتيةٍ وبيئية، سواء كانت مدعومةً أم غير مدعومة. ويعني ذلك عدم سرَيان أيّ جزاءٍ قانونيّ أو تعاقديّ على المُقترِض، بما في ذلك أيّ زيادةٍ على معدّل الفائدة، بسبب التأخر أو التعثر في تسديد قرضٍ أو قسطٍ ضمن المُهل المحدّدة قانونيًا أو تعاقديًا.
تشير الأسباب الموجبة إلى أن الظروف التي فرضَت إقرار هذا القانون في المرة الأولى، أي تردّي الظروف الاقتصادية والمعيشية، لا زالت مستمرة، لا بل تفاقمَت.
يقدّم هذا الاقتراح متنفسًا مؤقتًا للمُقترضين المتعثرين ويحميهم من الملاحقة القانونية وبنود الجزاء التعاقدية، إلا أنه لا يقدّم حلًا جذريًا لظاهرة تزايد حالات التخلّف عن سداد القروض، التي تحتاج إلى إعادة جدولةٍ للأقساط المتراكمة لناحية قيمتها وتاريخ استحقاقها، وفرض شروطٍ عادلةٍ لسداد الديون تأخذ بعين الاعتبار أوضاع المُقترضين الاقتصادية والاجتماعية، وتلحظ سعر الصرف الذي تُحتسَب مداخيلُهم وفقًا له.
← وافق المجلس على تمديد تعليق المُهل حتى نهاية عام 2021 في ما يتعلّق بالتخلّف عن تسديد القروض.

اقتراح قانون تسديد القروض الممنوحة بالدولار بالليرة اللبنانية على أساس سعر الصرف الرسمي: الحدّ من تعسّف المصارف تجاه المُقترِضين بالدولار
 قدّم النائب جميل السيّد اقتراح قانونٍ معجّلٍ مكرّرٍ بتاريخ 19/5/2020 يهدف إلى إلزام المصارف وكونتوارات التسليف بقبول الليرة اللبنانية لتسديد القروض وفوائدها الممنوحة بالدولار، على أساس سعر الصرف الرسمي.
يقضي اقتراحُ القانون بالسماح باعتماد الليرة اللبنانية على أساس سعر الصّرف الرسمي المُحدد من قبل مصرف لبنان لتسديد جميع أنواع القروض وفوائدها المترتبة بالدولار على الأفراد والشركات لصالح المصارف وكونتوارات التسليف. وفي حال توجّب سدادُ قرضٍ بالدولار، وتوفّر حسابٌ بالدولار لدى المُقترض، يبدأ السداد أولًا من حساب الدولار، ثم بالليرة عند نفاذه.
تتطرّق الأسباب الموجبة إلى الوضع المالي والاقتصادي في البلاد، وتدهور مختلف القطاعات، وتزايد عجز المُقترضين من المصارف عن تسديد متوجّبات الأقساط والفوائد عليها، لاسيما القروض الممنوحة بالدولار الأميركي. كما تنتقدُ اعتمادَ المصارف سياساتٍ مزدوجةٍ ومتناقضة، حيث أنّها لا تسمح للمواطنين بسحب ودائعهم بالدولار إلا بالليرة، بينما ترفض سداد القروض الممنوحة بالدولار إلا بالدولار أو بسعر صرفٍ أعلى من سعر الصرف الرسمي الذي يحدّده مصرف لبنان. ويزيد الوضعَ سوءًا شحُّ الدولارات في السوق وتعدّد أسعار صرف الدولار، ما يتسبّب بزيادة الضغط على العملة الوطنية وتفاقم الانهيار في سعر صرفها.
عن طريق إلزام المصارف بقَبول سداد القروض وفق سعر الصرف الرسمي الذي تعتمده لتسديد ودائع زبائنها، يؤمّن اقتراح القانون هذا شروطًا عادلةً للأفراد والشركات لسداد الديون الممنوحة لهم بالدولار، فضلًا عن تشجيعه التداول بالعملة الوطنية. 

 

إقتراح تعديل قانون حماية المناطق المتضرّرة: عندما الدولة تتذرّع بالإفلاس للتمييز بين ضحايا تفجير المرفأ

تقدّم النائب جورج عطالله في 17/12/2020 باقتراح قانون يرمي إلى إضافة عبارة "اللبنانيون"، واستبدال عبارة "الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي" ب"وزارة الشؤون الإجتماعية" في الفقرتين 1 و2 من قانون مساواة شهداء تفجير المرفأ بشهداء الجيش (القانون رقم 196/2020).
ينصّ القانون 196/2020 على مساواة "الأشخاص المدنيين الذين قضوا في انفجار مرفأ بيروت الحاصل في 4 آب 2020" بشهداء الجيش اللبناني، ليستفيد ذويهم من التعويضات ومعاشات التقاعد الممنوحة للجنود الذين استشهدوا أثناء تأدية الواجب. وبإضافة عبارة "اللبنانيون" على هذه الفقرة، يهدف الإقتراح إلى حجب هذه التقديمات عن عائلات ضحايا التفجير من غير اللبنانيات\ين.
وتبرّر الأسباب الموجبة  للاقتراح هذه الخطوة بتمتّع الشهداء والمتضررين من جنسيات غير لبنانية بتأمينات أخرى، و بالتالي "لا داع لمساواتهم بشهداء الجيش اللبناني" منعاً ل "تكبيد الخزينة اللبنانية أية التزامات مالية إضافية".
يشكّل الإقتراح إنتهاكاً فاضحاً لشرعة حقوق الإنسان الملزِمة للدولة اللبنانية، كونه يطرح حلاً عنصرياً و تمييزياً  لتسهيل تهرّب السلطات العامّة من مسؤولياتها تجاه أفرادٍ تورّطت بقتلتهم.
كنّا توقّعنا أن القوانين الجديدة التي تصدر للتصدّي لتبعات تفجير المرفأ في 4 آب 2020، ستسعى لتأمين ضمانات أكثر لسكان المناطق المحيطة للتفجير، ولإزالة كافة العقبات التي تحول دون الترميم السريع وعودتهم (السّكان) إلى بيوتهم، باعتبار أنّ القوانين السابقة لم تؤمّنها بالقدر المطلوب. والدليل على الواقع الحالي السيء، هو في العدد كبير من سكّان تلك المناطق الذين أصبحوا يبيتون في مبانٍ متصدّعة، أو أضحوا غير قادرين اليوم على العودة إلى منازلهم بسبب بطء جهود إعادة الإعمار والترميم، بعد مرور ما يناهز السنة على تاريخ وقوع التفجير. وبدلاً ممّا توقّعناه من هذه القوانين إذاً، نتفاجأ باقتراح قانون يعمد إلى ضرب التركيبة الإجتماعية للأحياء عبر التمييز بين سكانها.
لمواجهة هذه المظالم، نحثّ النوّاب اليوم، على تقديم تعديلات على المادة الخامسة من القانون 194/2020 تتعلّق بتمديد عقود الإيجارات طوال فترة الترميم في المناطق المتضرّرة للحفاظ على النسيج الاجتماعي للمنطقة وعدم إستغلال كارثة التفجير لتهجير الناس. 

يتبيّن من قراءة مقترَحات القوانين أعلاه، عدم إدراك السلطة التشريعيّة عمق الأزمة السكنية التي يشهدها لبنان، وانعدام المبادرة التشريعيّة الجدّية والمدروسة لحلّ الأزمات المتراكمة. ويؤكّد ذلك أيضاً غيابُ التنسيق والتعاون بين النواب عند طرح اقتراحات القوانين. 
في هذا السياق، نؤكّد مجدداً أنّ أيّ حلولٍ فعّالةٍ وطويلة الأمد لأزمة السكن لا يمكن إقرارها إلّا ضمن سياسةٍ إسكانيةٍ شاملة، قادرةٍ على تأمين استقرار السكن في ظل فقدان العديد من الأسر مداخيلها.