بعلبك: تاريخٌ من الإقصاء تجاه المدينة وناسها

٢٣ تمّوز ٢٠٢١

كتابة: تالا علاء الدين
بحث: تالا علاء الدين، عبير سقسوق، نادين بكداش، كرستينا أبو روفايل
تحرير: جنى نخال

*هذا النص مبني على تقرير تمّ تقديمه للمعهد الفرنسي للشرق الأدنى IFPO، في شباط 2021.
 

لا يصعب على الزائرة أن تشعر بالفارق بين السهل والمدينة. هناك، في السهل، قرى المزارعين وأراضيهم، وهنا مدينةٌ للزائرين، ليس لأهلها فيها حق. وهذا الشعور لا يأتي من فراغ، بل من سياسات متتالية، رأت فيها الدولة الآثار من زاوية اقتصادوية بحتة، فعملت على فصلها عن أهل المدينة والتقليل من أهمية حاجاتهم من جهة، والتركيز على من يزور الموقع الأثري والخدمات التي يحتاجها من جهة أخرى.
سنحاول من خلال نصّين أن نفهم ما جرى في بعلبك على مستوى المخطّطات التوجيهية، وما أنتجه ذلك من إقصاء. نقدّم في النصّ الأوّل لمحة عامّة عن المدينة وأحيائها ثمّ نقرأ في المخطّطات التوجيهية العديدة التي رسمت لها، في تقزيمها لدور المدينة السكني الاجتماعي، واختزالها للبنية الحضرية بشكلها السياحي، في تحويرٍ لمفهوم التنمية كعملية منتجة للربح فقط.

كجزء من سهل البقاع الشمالي الذي شكّلته الرواسب، توفّر التربة في بعلبك بيئةً ممتازةً لإنتاج المحاصيل الزراعية خاصة القمح والشعير والحبوب والخضار وأنواع عديدة من الأشجار المثمرة، كما أنّ النطاق الأوسع للمدينة يضمّ الحصّة الأكبر (25%) من مجموع الأراضي المزروعة في لبنان.1 وعلى الرغم من كون الزراعة القطاع الاقتصادي الرئيس، لا يجتذب هذا القطاع سوى ٢١% من القوى العاملة في بعلبك. ويواجه القطاع الزراعي قصوراً في عملية الإنتاج ناتج عن ضعفٍ في البنى التحتية، يتجلّى مثلاً في الرّي بمياه ملوّثة، إذ تتسرّب مياه الصرف الصحّي في المدينة إلى نهر رأس العين الذي يعبر مجمّع المعابد ويشكّل مصدر الرّي الرئيس للمزارعين في المناطق المحيطة. كذلك تساهم عملياتُ إتلاف المحاصيل غير المشروعة -كنبتة القنّب- في إضعاف القطاع، ممّا يصعّب على كثيرٍ من الأُسر تأمين الدخل، لاسيما في ظل غياب خططٍ بديلةٍ وفاعلة. وتفتقر مدينة بعلبك إلى الصناعات الصغيرة والتراثية المستدامة؛ فتتراجع الصناعات اليدوية الصغيرة بسبب غياب سياسة للدولة ترعى هذه الصناعات وتدعمها، وبسبب المنافسة الناجمة عن إغراق السوق بالبضائع المستورَدة من البلدان المجاورة ودول الشرق الأقصى. أما إنتاج المصنوعات الزراعية وتصديرها فيظلّ غير كافٍ، لاسيما في ظل ضعف استخدام المكننة الزراعية، والكساد الاقتصادي الكبير الناجم عن إتلاف المحاصيل غير المشروعة. نتيجة لذلك، وصلت نسبة البطالة في بعلبك إلى 30%، عندما كانت النسبة الوطنية 11%.

هذا الواقع هو نتيجة مباشرة للرؤى والسياسات التي وضعتها السلطات العامة للمدينة والتي أدّت الى إقصاء سكان المدينة وتهميش سُبل عيشهم. والمخطّطات العمرانية التي نستعرضها هنا، والصادرة منذ أربعينيات القرن الماضي حتى اليوم هي خير دليل على ذلك.

تحوي مدينة بعلبك أحياء متنوعة، لكل منها رواية وتاريخ (راجعن\وا الخريطة). أحياء تاريخية تقع داخل حرم المدينة الأثرية -مثل أحياء القلعة، النصارى، السوق وغيرها- وأحياء تقع مباشرةً على حدود المدينة الأثرية -كحيّ الصلح وغيره- والتي شكّلت تاريخياً مناطق انتقالية ما بين الآثار والسهول الزراعية.

كما أنّ بعلبك غنية بمواقع ذات مميزات طبيعية فريدة، كمنطقة رأس العين التي تحوي بركتين كبيرتين، إحداهما هي النبع وتعرف ببركة البياضة التي تعتبر الشريان الحيوي لمنتزهات بعلبك وبساتينها ولها الفضل في نشوء المدينة الرومانية القديمة في بعلبك. بالإضافة الى حيّ البساتين ويشكّل المنطقة الزراعية الشاسعة التي ترتوي من رأس العين؛ ويضاف إليهما حيّ الشُعَبْ الذي يتألّف من مجموعة تلال حرجيّة لطالما كانت غير مأهولة. وهناك أحياء ذات مَعالم أثريّة مثل مغر الطحين وحيّ الواد وتلّ الكيّال. مع تزايد عدد السكان خلال أوائل التسعينات حتى منتصفها خصوصاً، توّسعت المدينة وأصبحت هذه الأحياء سكنية بامتياز، يتنوّع سكانها ما بين أهالي بعلبك المسجّلين في دوائر النفوس، وآخرين أتوا من مناطق أخرى مثل معربون وبريتال ومختلف المناطق المجاورة لمدينة بعلبك، بالإضافة إلى السوريّين الذين ارتفعت أعدادهم بعد عام 2011.

وتعود ملكية أراضي منطقة عمشكي إلى أثرياء بعلبك الجدد الذين يعمدون إلى بناء مساكن فخمة (فيلات) فيها. كما حيّ الشراونة \ تلّ أبيض الصناعيّ حيث استقر المهجّرون مع بداية الحرب الأهليّة فسكنته العشائر (آل زعيتر، آل جعفر، وغيرها) التي لا تنتخب في بعلبك. بالإضافة الى مخيّم الجليل (ويفل) الفلسطيني الذي كان ثكنة عسكرية في زمن الإستعمار الفرنسي.

بعد معاينتنا للمخطّطات التوجيهية المتتالية، وعلى الرغم من كثرة الأحياء وتنوّعها، كان واضحاً بأن هذه المخطّطات تجاهلتها، فهمّشت المدينة واختزلتها بالآثار. هكذا، حدّدت لكل الأحياء الواقعة خارج نطاق الآثار، عوامل استثمار وضوابط هندسية لا ينبغي بالمباني تجاوزها وإلّا تصبح مخالفة، مما يتناقض تماماً مع الممارسات العُرفية التي لطالما وجّهت عمليات البناء في هذه الأحياء القديمة. وقد اعتبر قانون البناء أن أيّ إضافات على هذا النحو العرفي هي غير شرعية.

أول تصميم توجيهي في تاريخ لبنان

تلخّص دراسة مدينة بعلبك الإشكاليات العمرانية والتخطيطية التي تعاني منها مدينة واقعة على مقربة من موقع مصنّف من التراث العالمي. على مدى عقود من التاريخ وحتى القرن الحادي والعشرين، حدّدت أربعة كيانات مكانية البنية العمرانية لبعلبك، وهي: الموقع الأثري؛ النسيج السكاني الكثيف الممتدّ بشكل رئيسي على طول طريق رأس العين؛ موقع رأس العين بمصدره المائي ومناظره الطبيعية؛ والحقول الزراعية الشاسعة المحيطة بالمدينة. في هذا الجزء من التقرير نتناول إشكالية تصنيف الأراضي وعلاقتها مع سكان المدينة على المستوى التخطيطي وذلك عبر قراءة لدراسات التخطيط الرئيسية التي أصدرتها السلطات المتعاقبة.

في القرنين الثامن والتاسع عشر، أي في ظلّ الحكم العثماني، جاء المستشرقون لاستكشاف بعلبك كجزء من الآثار «الغربية» في الشرق، وفي عام 1898 زار الإمبراطور الألماني غليوم الثاني بعلبك تاركاً وفداً ألمانياً علمياً للتنقيب عن الموقع الأثري وتوثيقه. كان على رأس الوفد عالم الآثار ثيودور ويغان الذي أصدر في العام 1902، إضافةً إلى رسومات مسح الحفريات، أولى خرائط المدينة التي توضّح موقع المعابد أو مجمّع «الأكروبوليس» المعروف بالقلعة، في الشمال الغربي، والتجمّعات السكنية القريبة الموجودة من العصور الوسطى، والحقول، ومنطقة رأس العين.

سعى التدخّل الألماني في تلك الفترة إلى التخلّص من الطبقات والزوائد العمرانية التي تبِعت الفترة الرومانية، كما دخل المصوّرون الفوتوغرافيون إلى المدينة وبهم هاجس إظهار الطابع القديم للمعابد والمكان بلا حضور بشري أحياناً وفي قالب أسطوري. هذا الشرخ الذي بدأ يظهر بين الموقع الأثري وسكان المدينة القديمة منحه الاستعمار الفرنسي شرعية من خلال مرسوم تشريعي صدر في العام 1939، أي بعد إنشاء دولة لبنان الكبير، وجعل بعلبك جزءاً من الدولة الجديدة، وربطها رمزياً ببيروت والمدن اللبنانية الأخرى عبر شقّ أول شارع فيها (شارع عبد الحليم الحجّار الذي يربط مدخلها الجنوبي-الغربي بطريق بيروت – دمشق). صنّف المرسوم المذكور ثلاثة مواقع أساسيةً تقع تحت الحماية في بعلبك: موقع معبد مركور على المنحدر الشرقي، والأشجار المحيطة بالطريق المحوري المؤدّي إلى رأس العين، ومنطقة المعابد الأثرية. ولعلّ الموقع الأخير هو الأهمّ كونه حدّد إطاراً للموقع الأثري تضمّن أحياءً سكنية.

لاحقت الصورة الأثرية الجامدة بعلبك إلى ما بعد الاستقلال، وتحوّلت القلعة، مع الزمن، إلى واحدة من الرموز الوطنية الأساسية، فبتنا نرى صورها تتصدّر الطوابع الأميرية تماماً كصور الأرزة، كما الملصقات الترويجية لوزارتي السياحة والثقافة، والخطوط الجوية اللبنانية.

في العام 1956، أصبحت المدينة موقعاً لإطلاق مهرجان بعلبك الدولي، وقد ساهمت الخطوات التخطيطية آنذاك بتعزيز صورة المدينة السياحية المرتبطة بالقلعة، إذ صدر في العام 1955 مرسوم تشريعي أوصى بتوسيع الطريقين الرئيسيّين للمركبات والذين يوصِلان السيّاحَ القادمين عن طريق بيروت – دمشق إلى الموقع الأثريّ للمعابد مباشرةً، ومنه إلى موقع رأس العين الترفيهي حيث يمكنهم تناول الغداء في المطاعم المُنشأة هناك. ولكن هذا المرسوم ناقض المرسوم الصادر عام 1939، إذ أن توسيع طريق رأس العين كانت تحتّم قطع الأشجار المصنّفة للحفظ في العام 1939.2

كما صدر، في العام 1955 أيضاً، مرسومٌ آخر يقضي بإزالة كافة المنازل السكنية الواقعة ضمن النطاق الأثري المحدّد للحفظ في العام 1939، بهدف جعل الموقع الأثري ظاهراً للعيان من مدخل بعلبك، أي من شارع عبد الحليم الحجّار. لم تُنفَّذ هذه المراسيم على نحوٍ تامٍ إلا أن مفعولها ظلّ سارياً حتى عام ٢٠٠٢3، وعليه بقيت الأحياء السكنية المذكورة، كحيّ القلعة مثلًا، مجمّدة طوال هذه الفترة ولم يُسمح فيها إصدار أي رخص وتصاريح لبناءٍ جديد أو إضافات.

تمّ إعداد هذين المرسومَين بغرض تسهيل الحركة السياحية داخل المدينة والتخفيف من تأثير سكانها على تدفّق حركة السير السياحية، وقد أضيف إليهما، في العام ذاته، صدور قانون بناء خاص ببعلبك حُدّد فيه تقسيم المناطق، وارتفاع العمران، ومستويات التراجع وعوامل الاستثمار السطحية، وكانت تلك المرة الأولى التي تُقونَن فيها المباني في المدينة وفقاً للشروط الرسمية «الحديثة»، بعد أن كان البناء يتبع قانوناً عرفياً لا يمكن تأريخه.

لاحقاً، في عام 1963، أُطلقت مسابقة لوضع مخطّط توجيهي لمدينة بعلبك شارك فيها عدد من روّاد الهندسة الحديثة في لبنان، من بينهم هنري إدّه الذي فاز تصميمه بالمركز الأول. حاول إدّه التعامل مع ما اعتبره مشاكل يسبّبها النمو الحضري في مدينة تعتبر موقعاً أثرياً ذو أهمية كبيرة محلياً ودولياً. فمع وجود 15000 إلى 20000 نسمة في ذلك الوقت، كان توسّع المدينة الحديثة لا مفرّ منه. لذلك اقترح إدّه نقل التوسّع – لتحرير الموقع الأثري – عبر إزالة معظم الأحياء المعاصِرة وبناء «مدينة رومانية» مكانها، تتألّف من مربّعاتٍ سكنيةٍ، بهدف إعادة إنشاء «البيئة الطبيعية» للمعابد الأثرية. ووفقاً لهذه الخطة، يُنقل سكان بعلبك إلى تجمعات سكنيةٍ حديثةٍ في الجهة الشمالية الشرقية على طول المحاور الرومانية الرئيسية، ليُجعل وجودهم «غير مشينٍ» وبالتالي غير مرئي، بعيداً عن المدينة التاريخية الخالدة. وباستثناء حيٍ ثريٍ بجوار المعابد، لم يقترح إدّه أن يحفظ من المدينة سوى بضعة مساكن - دون سكانها- أسماها «المساكن الشعبية» كعيّنةٍ «أنثروبولوجية»، ليبيّن للسيّاح على الأرجح كيف «كان» الناس يعيشون هناك خلال فترة «عابرة» في حياة المدينة الأثرية الأصلية!4 تصميم إدّه لم يُنفّذ، إلّا أنّه كشف أيديولوجية مسؤولي الدولة والمخطّطين آنذاك، القائمة على تهميش المدينة وسكّانها وطغيان الآثار على المخطّطات التوجيهية، في خطاب حداثوي يرى المدينة كمبانٍ دون سكّان، ويرى الآثار والتاريخ سلعة للسيّاح، ومادة مفصولة عن المدينة اليومية المُعاشة.

 

التصاميم التوجيهية المتتالية ودلالاتها

إلّا أن اندلاع الحرب الأهلية لاحقاً فرض واقعاً جديداً. فالنزوح الكبير إلى بعلبك من القرى المحيطة بها، أدّى إلى ارتفاع عدد سكانها، وخلق توّسعاً عمرانياً في المدينة القديمة وصل إلى بعض مواقع الحفريات والتنقيب. وقد ساهم التصميم التوجيهي الذي وضعته المديرية العامة للتنظيم المدني لبعلبك في عام 1984 في زيادة هذه الطفرة السكنية في وسط المدينة الذي حظي بنسب استثمار مرتفعة نسبياً بجانب منطقة الحفظ الأثرية. في هذه الأحياء الواقعة بالقرب من نطاق المنطقة الأثرية، إمتازت البيوت تاريخياً بالباحات المفتوحة التي يضاف إليها إنشاءات عمرانية ناتجة عن تطوّر حاجات الأسرة. ويتمّ بناء هذه الإضافات التدريجية وفقاً لقواعد اجتماعية بيئية، مثل وجوب الحفاظ على مساحةٍ خارجيةٍ للسماح بوصول الهواء والضوء الطبيعي، وألّا تشرف أيٌ من الغرف على البيت المجاور، بغرض الحفاظ على خصوصيّة البيوت.5 واعتبر التصميم التوجيهي الحديث الصادر حينها، وقوانين البناء الناشئة منه أن أيّ إضافات على هذا النحو هي غير شرعية. ولعلّ النتيجة المدمّرة الأبرز لهذا الإرباك بين العُرف والقانون الرسمي هي تدهور نوعيّة المساحة في أحياء المدينة التاريخية.

هذا ولم تُدرس، بحسب رئيس التنظيم المدني السابق في بعلبك-الهرمل جهاد حيدر، نسب الاستثمار في المناطق الأخرى بشكل كافٍ لاستيعاب الإزدياد السكني المتوقّع وتوجيه الإمتداد العمراني. في هذا السياق، يشير حيدر إلى أن تلال رأس العين الشرقية على سبيل المثال شهِدت فرزاً خاصاً، فعمد الناس إلى تأمين إمدادات الكهرباء والمياه بشكل فردي ما ساهم في شحّ مياه البيّاضة.

إستمرّ الوضع على حاله لغاية عام 1998، حين كلّفت المديرية العامة للتنظيم المدني شركة دار الهندسة بإجراء دراسة للمدينة ووضع تصميم توجيهي جديد لها. منذ التكليف، صدرت 7 قرارات عن المجلس الأعلى للتنظيم المدني،6 ولم يصدر التصميم بمرسوم إلّا بعد مرور أكثر من عقد من الزمن أي تحديداً في عام 20097، تبعه في عام 2013 صدور مرسوم تصميم توجيهي خاص بالمنطقة التاريخية التي تضمّ أحياء المدينة القديمة ومنطقة الآثار. ويبدو أن تأخير صدور المرسومين إرتبط  بنشاط بلدية بعلبك في تقديم توصياتها، وبنتائج إجراء عدّة تنقيبات ومشاريع في المدينة كان أبرزها تنقيبات البعثة الألمانية بالتعاون مع المديرية العامة للآثار (1998- 2008) ، ومشروع الإرث الثقافي في بعلبك (2003-2016).

ويُلاحَظ أن المرسومين الصادرين يهدفان إلى توسيع دائرة السياحة في بعلبك (تماشياً مع توصيات الخطة الشاملة لترتيب الأراضي) عبر إحياء المحور القديم المعابد – رأس العين، وتوسيع حرم حماية الموقع الأثري عبر تصنيف مساحات إضافية مُعدّة للاستملاك من قبل المديرية العامة للآثار لتسهيل الكشف عن المخزون التراثي الذي لا يزال مدفوناً بجوار القلعة ومحيطها. كما يُظهران تشجيع البناء في المناطق التي تمتاز بعقارات كبيرة، كالمناطق الشرقية لجهة رأس العين وتلال عمشكي، والمناطق الشمالية - الشرقية المحيطة بوادي السيل حيث زيدت عوامل الاستثمار بعد أن كانت ضئيلة جداً.

وأخيراً، في عام 2015، أطلق إتحاد بلديات بعلبك الخطة الاستراتيجية للتنمية المحلية، وكَلّف الاتحاد المهندس ماهر الرفاعي (مكتب مهندسون للاستشارات والمقاولات) لدراسة بعض بلدات الإتحاد غير المنظّمة ولإعادة النظر في التصاميم التوجيهية لعدد من مدن وبلدات الإتحاد المُنظّمة من بينها بعلبك.8 حتى اليوم، لم يصدر التصميم التوجيهي الجديد لبعلبك، وما يتمّ إجراؤه من تعديلات في تصنيف المناطق ونسب الاستثمارات السطحية والعامة يُنجز وراء الكواليس بين نواب المنطقة، والمكتب الهندسي المُكلّف، والبلدية، ومصلحة التخطيطات في المديرية العامة للتنظيم المدني، دون أي مشاركة أو استشارة لسكان المدينة. والواضح أن غياب المشاركة فتح المجال أمام تحوير مفهوم التنمية في بعلبك بما يتناسب مع رؤية البلدية والسلطة السياسية المحلية.

فبحسب البلدية، يحاول التصميم التعامل مع الازدياد السكاني الذي شهدته المدينة بعد إعلانها مركزاً لمحافظة بعلبك - الهرمل، وبعد اندلاع الحرب السورية والنزوح الكبير إليها، ويقترح توجيه السكن نحو هضاب المنطقة الشمالية والشمالية-الشرقية، أي لجهة بلدات نحلة ومقنة، عبر رفع نسب الاستثمار تدريجياً كلما تمّ الابتعاد عن وسط المدينة والمنطقة الأثرية والتوجّه نحو الهضاب. ترى البلدية في ذلك تحريراً للوسط والمنطقة الأثرية كي تصبح على مرأى من الجميع، كما تراه استثماراً جدّياً، إذ تتضمّن المنطقة المذكورة النسبة الأكبر من المشاعات المصنّفة لعموم أهالي بعلبك، والتي تسعى البلدية إلى استغلالها كملكية خاصة لها عبر إجراء عمليات ضمٍّ وفرزٍ فيها قبل بيعها كقطع مُفرزة. وبالفعل، يوضّح مصدر في البلدية بدء البحث عن دعمٍ لتجهيز بنى المنطقة التحتية، كالدعائم لتشييد الأبراج المائية.

في السكن أيضاً، تحاول البلدية عبر التصميم الجديد ردع البناء "العشوائي" الذي بدأ يتكاثر في التلال الشرقية لجهة رأس العين وعمشكي عبر إخضاع البناء فيها لشروط أقسى ومواصفات خاصة، وتحويل التصنيف من سكني إلى سكن خاص (فيلات) وفنادق.

بالانتقال إلى المنطقة المصنّفة زراعية، تتعارض الصورة فيها على أرض الواقع مع خريطة استخدامات الأراضي الحالية، إذ تُظهر المقارنة كمية تعدّيات البناء الحاصلة في السهول الواقعة في الجهة الغربية من المدينة، حيث العقارات مخصّصة للاستثمار الزراعي - أي لا يجوز أن تشاد فيها سوى الأبنية اللازمة للاستثمار الزراعي والسكن الخاص العائد لمالك العقار، وضمن معدل استثمار عام لا يزيد عن خمسة بالمئة. في هذا السياق، يأتي التخوّف عامّة من محاولة تأقلم التصميم الجديد مع هذا الواقع عبر تقليص مساحة المنطقة المصنّفة زراعية. أما التخوّف الأكبر فيأتي من تصريح رئيس البلدية فؤاد بلوق علناً بأن الزراعة في بعلبك خاسرة ومن المهم التركيز على وجه بعلبك السياحي تماشياً مع الخطة الاستراتيجية التي تمّ وضعها.

من جهة، تكشف المخطّطات التوجيهية إذاً تهميش السلطات المركزية للمدينة ولدور أهلها ورأيهم، وطغيان نظرة تسليعية للآثار تتجاهل خصائص بعلبك الاجتماعية والطبيعية ومقوّماتها الإنتاجية، وتجعل عمل المدينة كلّها وما حولها في خدمة الآثار والسياحة شبه الحصرية في المواقع الأثرية والنشاطات الناشئة عنهما. تحوّل هذه المخططات كل ما يشوب وضوح الصورة الأثرية للمدينة إلى شيءٍ طفيليٍ غير ذي قيمة.

من جهتها، تعتبر السلطة المحلية أنه يجب "حلّ مشكلة الآثار" في بعلبك وأن تصبح مدينة سياحية عالمية، وعاصمة المحافظة الإدارية والاقتصادية. والرؤية تكمن في تغيير المشهدية السكنية "العشوائية" الحالية، عبر توفير مقوّمات السياحة ومحفّزات للاستثمار في هذا القطاع، وتشجيع بناء الفنادق، وتأمين شبكة مواصلات لائقة تخفّف حركة السير في المدينة لتسهيل وصول السياح إليها، وكذلك وصول سكان القرى المحيطة إلى مباني الإدارات الرسمية المستحدَثة فيها. في هذا السياق، «يحلم» وليد سكرية، نائب حزب الله عن منطقة بعلبك-الهرمل، ببرنامج مثل سوليدير يمتدّ من محيط القلعة إلى رأس العين ويُعاد عبره بناء الأحياء لتكون جاذبة للسياح.

في كلتي الحالتين، لا تنبع هذه الرؤى والمخطّطات من حاجات سكان المدينة ولا من المميّزات الزراعية والتاريخية والاجتماعية لأحيائها. بالنتيجة يتم وسم مدينة بأكملها على أنها مخالِفة، وتأتي الحلول مبتورة، عبثية، واستنسابية، كما نستعرض في المقال الثاني.

  • 1. بحسب أرقام المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات في لبنان «إيدال».
  • 2. في عام 1994 وبحجّة تنفيذ المرسوم الصادر عام 1955، أُزيلَت أشجار القيقب والحور المعمّرة المحيطة بطريق رأس العين على الرغم من استياء الكثير من أهالي بعلبك. قُرئ في معرض «بعلبك، أرشيف الخلود» (2019) في متحف سرسق عن قطع الأشجار: " ذات ليلة، أفاق الناس ليجدوا الطريق وقد فقدت أبرز ملامحها".
  • 3. حين أعادت دراسةٌ جديدةٌ تقييم بعضٍ منها.
  • 4. Marwan Ghandour, “On Cities and Designers: a Baalbeck Story,” Architecture Research Quarterly, vol 10, issue 1, March 2006 (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2006). PP 37-49
  • 5. تستند هذه الخلاصات إلى عملٍ تحليليٍ وميداني أُنجزه مروان غندور في عام 2002 بالاشتراك مع مجموعة من المعماريين/ات والمخططين/ات.
  • 6. القرارات رقم 41/1998، 15/2000، 20/2003، 30/2005، 1/2007، 35/2007، 37/2008.
  • 7. المرسوم 2057 المصدّق في 26/5/2009
  • 8. أُطلقت الخطة الاستراتيجية بعد توقيع اتّحاد بلديات بعلبك عام 2012 بروتوكول تعاون مع اتّحاد مقاطعات وادي هيرو الفرنسي في إطار مشروع مشترك يدور حول 3 محاور عمل أساسية هي: التخطيط، السياحة المستدامة، إبراز التراث وحمايته.