المدن للناس، السكن للجميع: حركات شعبية بمواجهة وحوش العقارات

٢١ كانون الأول ٢٠٢١
جنى نخال

في لبنان، فاقم الانهيار الاقتصادي وتفجير المرفأ وآليات إعادة الإعمار ما كانت الجائحة قد أدّت إليه من أزمة سكن تبلورت بشكل تهديد الأمان السكني وتشريد مجموعات كبيرة من سكّان المدن خاصة. 
لكن ما يحصل ليس محدوداً بلبنان. فقد ولّدت السياسات الاقتصادية النيوليبرالية تراكماً للثروات من جهة وحرماناً من الحقوق من جهة أخرى أضافت إليه الجائحة هشاشةً، ممّا تسبّب بأزمة سكن في العالم، ووضع النساء واللاجئات\ين والمسنّات\ين والكويريات\ين وغيرهن\م من المجموعات المضطهدة، في موقع أكثر خطورة وتهديداً على حياتهم\ن. وفيما يفقد العديد أمنهن\م السكني، ويتمّ تدمير النسيج الاجتماعي الهشّ أساساً، استطاعت قلّة من الشركات الكبرى مراكمة الأرباح وأُتخِم ال1% نتيجة للإيجارات العالية التي أُجبِر ال99% على دفعها. وبينما يواجه العالم أجمع خطر تشريد الملايين وسيطرةً أكبر لرأس المال على السكن، تظهر الحاجة أكثر فأكثر لحركات توجّه النقاش باتّجاه المصلحة العامة، وحق الناس بالسكن. 

في أوروبا، ارتفعت أسعار البيوت بشكل أسرع من التضخّم الحاصل في كل بلدان الإتحاد الأوروبي خلال سنة 2020، وهي ظاهرة لم تحصل خلال العقدين الأخيرين على الأقل، وارتفعت الإيجارات حوالي 15% منذ عام 2010. في إيرلندا، وبأقل من عشر سنين، انخفضت قدرة السكان على شراء شققهم من أكثر من 80% إلى أقل من 70%. في اليونان، حيث تبلغ البطالة إحدى أعلى معدّلاتها في الاتحاد الأوروبي (15%)، يعيش أكثر من 60% من اللواتي والذين تتراوح أعمارهن\م بين 25 و34 سنة، مع أهلهن\م، في ظاهرة أصبحت تُعرَف ب "أوتيل ماما". وبعد 14 سنة على انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، ما زال فرد من كل خمسة أفراد في رومانيا، يعيشون دون حمام في منزلهن\م. لذا، من ألمانيا إلى البرتغال وبلجيكا وفرنسا والنروج وإيرلندا، تُنظّم التحركات والمظاهرات والمبادرات للاعتراض على ما يمرّ به سكان المدن، ويتمّ الضغط من أجل تطبيق الحلول التي تطرحها المجموعات واللجان الشعبية. 

تأميم المساكن من أجل المصلحة العامة
في برلين، خلال شهر أيلول الفائت، نتيجةً للأزمة المتزايدة لنقص الشقق وارتفاع أسعار الإيجار، وفي إطار استفتاء شعبي1 حول ملكية المساكن في المدينة، صوّت أكثر من 56% من البرلينيات\ين مع تأميم ملكيات كبار الملّاك في المدينة (الشركات التي تسيطر على ثلاثة آلاف شقة أو أكثر) كشركتي دويتشي فوهنان وفونوفيا العملاقتين. وسعى هذا التصويت إلى البحث عن حل لأزمة السكن في المدينة، عبر تقليص قيمة الإيجارات في المدينة. ويأمل منظّمو الاستفتاء باستجابة الحكومة له، عبر وضع يدها على حوالي 240 ألف شقة في برلين أي حوالي 11% من مجموع الشقق في مدينة تشكّل المستأجرات\ين فيها 80% من سكانها. 
وقد اعتمدت الحملة بشكل ذكي على الدستور الألماني - والذي يُعرف ب"القانون الأساسي" ويقول بأن ال"الملكية تستتبع واجباً" وعلى "استعمالها أن يخدم مصلحة عامّة"- مفنّدةً خمس أسباب لتأميم المساكن: لأن السكن لا يجب أن يكون أداة للمضاربة العقارية، لكي تصبح قيمة الإيجار مقدور عليها، لأن التأميم يدوم طويلاً، لكي تعود برلين ملكاً للناس، ولكي تخدم المباني الجديدة العامّة. كما قدّمت ثلاث حقائق عن التأميم: التأميم قانوني، لن تتأثر النفقات الأخرى في ميزانية الدولة من نفقة الاستملاكات - إذ يسمح الدستور بالاستملاك بقيمة أقلّ من قيمة السوق، ولن يتمّ تأميم التعاونيات السكنية.
عبر هذه الخطوة، تكون برلين قد اتّخذت أيضاً إحدى أكثر الخطوات راديكالية بين المدن الأوروبية، في إطار "الاستجابة للإحلال الطبقي العمراني، عبر الاستيلاء على ملكية ما يسمّى بعمالقة أصحاب الأملاك." 
وبالرغم من أن نتيجة التصويت ليست ملزمة قانونياً، إلّا أنها قادرة على التأثير بشكل كبير على الانتخابات القادمة والمشاريع المطروحة من قبل المرشحات\ين وبالتالي توجيه السياسات الإسكانية والمدينية في ألمانيا والدول الأوروبية الأخرى. كما تعبّر نتيجة الاستفتاء عن "عدم شرعية الربح المادي على حساب النسيج الاجتماعي للمدينة." وقد قام الاستفتاء بالفعل، بالتأثير على سياسات المدينة، حتى قبل صدور نتيجته. فقبل حوالي عشرة أيام منه، قامت بلدية برلين بصفقة لشراء أكثر من 14 ألف شقة من شركتي دويتشه فوهنان وفونوفيا جاعلة إياها ملكية عامة. 

«وضع اليد» كوسيلة لتفعيل مساحات شاغرة 
غير بعيد عن برلين، في أوائل تشرين الأول في هولندا، تمّ احتلال مبنى في العاصمة بعد مظاهرة للمطالبة بالحق بالسكن والمساحات العامة، وتمّ تسمية المبنى الذي كان فندقاً في السابق، "أوتيل موكوم" Hotel Mokum.  
يرى المحتلات\ون في أوتيل موكوم بأن "أغنياء سوق العقارات يستطيعون الاغتناء خلال نومهم، بينما نعاني وغيرنا كثيرات\ون، دون أن نستطيع الحصول على مسكن في مدينتنا. نطالب عبر هذا التحرك، بإنهاء هذه الممارسات. فقد حان الوقت للحلول الجذرية، والمسؤولية تقع الآن على المحافظ الذي يجب أن يجعل السكن متاحاً للجميع، عوضاً عن أن يسهّل سيطرة المضاربين العقاريين ووحوش المال على المدينة.
وقد عبّرت المجموعة المحتلّة في بيانها عن أن "أمستردام اليوم في أزمة، فالسكن أصبح ترفاً: يتمّ طرد الطبقتين العاملة والوسطى من المدينة، بينما يجذب تسليع وسط المدينة السواح الذين يجعلون المدينة غير قابلة للسكن. في الوقت ذاته، يغتني أصحاب الأملاك والمستثمرون والشركات الكبرى.
تفقد أمستردام روحها. لا نريد أن نتقبّل أن تكون مدينتنا مكاناً للأغنياء فقط، وبأن المصالح الاقتصادية والتجارية هي الأهم، وبأنّنا لا نستطيع أن نشكّل مدينتنا وثقافتها وطريقة عيشنا كما نريد. اليوم، يُفتح أوتيل موكوم لكل من تشارك مفاهيمنا بأن المساحات المجانية ضرورة في المدينة، ومفهومنا لمدينة يقرّر سكّانها شكلها. لأن الناس تصنع أمستردام، لا المضاربين العقاريين ولا الشركات المتعددة الجنسية التي تستفيد منها اقتصادياً. نحن نعتبر بأن المساحات المجانية، المنتمية للأحياء والمتجذّرة فيها، والمفتوحة للسكان وحاجاتهن\م، تقوّي المدينة. 
نحن نحتلّ لأننا لا نستطيع أن نقف مكتوفات\ي الأيدي بينما يمزّق التسليع والإحلال الطبقي العمراني مدينتنا. نحتلّ لأن السكن حق وليس ترف. سيكون أوتيل موكوم مكاناً لأهل أمستردام. مفتوح للجميع، عام وضد التسليع والفكر التجاري.
بينما يحذّر موقع بلومبرغ إيكونوميكس من أن سوق السكن يظهر اليوم المؤشرات ذاتها لفقاعة عام 2008، تتزايد الاختلافات الطبقية، ويتقلّص دور الدولة في تأمين شبكة أمان اجتماعي اقتصادي للناس. لكن الأوضاع البائسة تتطلّب حلولاً جذرية، لا ترك الأمر لأهواء السوق، ولا دعم الدولة للشركات الكبرى والمصالح الخاصة. تمرّ أغلب بلدان العالم اليوم بأزمة سكن. وهي لحظة من الممكن أن نستغلّها للضغط باتجاه تحمّل الحكومات مسؤولياتها تجاه تأمين الحق بالسكن الآمن للجميع، ضمن بدائل متنوّعة تتناسب ومطالب المجتمع. فمن حقّنا أن نبقى في المدن والقرى والمناطق التي نختار وأن نشكّلها كما نريد، وأن تستجيب السلطة للمصلحة العامّة، لا لما يدرّ الربح على الشركات الكبرى. 

 

  • 1. "أُطلقت حملة "من أجل استملاك دويتشي فوهنان"# لجعل السكن متاحاً للجميع (Deutsche Wohnen & Co Enteignen ) عام 2018، استجابة للتمويل السريع لاستثمارات سوق العقارات في المدينة، والذي تمّ استخدامه لإدارة الرأسمال العالمي، كما تعرَض الإسكان الشعبي الحكومي للضغط من قبل الشركات الكبرى#.