السكان في مواجهة مشاريع الضم والفرز: حيّ التنك في الميناء مثالاً

١١ شباط ٢٠٢٢
المقال الأول ضمن إطار مشروع بحثي بعنوان "طرابلس: مَن سلَبَ منّا الأرض؟"
 

كتابة: كريستينا أبو روفايل 
بحث: ريان علاءالدين، تالا علاءالدين، عبير سقسوق، نادين بكداش 
إنتاج الخرائط: ريان علاءالدين

على الرغم من الدور الاقتصادي الذي نتوقّع أن تلعبه طرابلس بالنسبة لكامل شمال لبنان -دور نراه مرتقبٌ مثلاً في مقاربة كل من بعثة إيرفد والخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية- كونها المنفذ لسوريا الداخلية على الشاطئ الشرقي للمتوسط، تُظهِر معظم المناطق الطرابلسية غياب المدينة التاريخي عن خريطة اهتمام الدولة وخدماتها.

وفيما شهدت طرابلس خططاً عديدة ومشاريع حاولت رسم رؤية حديثة للمدينة، إلا أن هذه الخطط ساهمت بإيصال المدينة إلى ما هي عليه اليوم. ورغم كلّ الاستراتيجيات التي وضعت للمدينة، فـان أياً منها لم يرسِ رؤية دامجة للأحياء السكنية المهمّشة، ولم يقاربها كجزءٍ عضويٍ من المدينة، بل كنمو غير مرغوب به، ولم يرَ الأراضي الزراعية والنشاط الزراعي كجزء من وظيفة هذه المدينة وحاجات ناسها. أضحت طرابلس اليوم مثالاً حيّاً عن معنى أن تُسلب الأرض من أهلها.

سنعرض من خلال ثلاث مقالات، موجزاً لكيفية تعاطي السلطات مع طرابلس النهرية وطرابلس البحرية (أي مدينة المينا، كما يسمّيها أهلها)، وتداعيات ذلك على أحيائها من النواحي المدينية والسكنية والبيئية. تستند المقالات إلى ورشة عمل بحثية تحت عنوان "مساحة بحثية تشاركية لتفعيل الحق في المدينة والسكن في طرابلس" جرت في تشرين الأول 2021 وشاركت فيها مجموعة مُختارة من سكان المدينة.

 

السكان في مواجهة مشاريع الضم والفرز: حيّ التنك في الميناء مثالاً  

أمّ ضياء، من سكان حيّ التنك وهو جزء من الحارة الجديدة الواقعة في بساتين المينا. كانت أمّ ضياء من أولى الواصلين الى هذا الحيّ بعد أن تمّ اخلاؤها من الحارة الجديدة، شأنها شأن أمهات وعائلات هربت من المجازر والحرب ومن عبء تكلفة الإيجار في أحياء المدينة الأخرى، فوجدوا في هذا الحيّ مأوى لهم رغم الظروف السكنية العسيرة فيه. أمّ ضياء معرضة مرّةً أخرى للاخلاء بعد أن قضت عمرها في هذا الحيّ الذي كان أشبه بمكبٍ لنفايات المصانع والمعامل القريبة حين وصولها إليه. أمّ ضياء، ومعها 180 عائلة  عرضةً للتشرّد والتهجير نتيجة مشروع ضمّ وفرز أراضي بساتين المينا، بهدف تحقيق الرؤية السياحيّة المتصورة للمدينة في تناسٍ كاملٍ لسكانها وفي غربةٍ عن أهلها. فما هو مصير أمّ ضياء وأهالي حيّ التنك؟

"الضم والفرز العام" هي أداة تخطيط مديني وتصميم تلجأ إليها بلدية ما، بالتعاون مع مديرية التنظيم المدني، لإعادة ترتيب مساحة عقارية ضمن نطاقها البلدي. يتضمّن الضم والفرز عملية قانونية وهندسية تُعيد ترتيب شكل العقارات بهدف تحويلها إلى عقارات مهيأة للبناء، ممّا يجعلها أداةً ذات تأثيرات مباشرة على التركيبة الاقتصادية، الاجتماعية، والبيئية لأيّ منطقة. منذ تفعيلها في العام ۱۹٥٤ كأداة تنفيذية لتصميم المدن والمناطق وتنظيمها، استعملت هذه الأداة في العديد من المناطق اللبنانية، منها صيدا وطرابلس حيث تمّ تحويل بساتين مزروعة وأراضٍ شاسعة إلى قطع قابلة للبناء، نتج عنها عبر السنوات مبانٍ سكنية لا تتناسب مع الحاجات السكنية في المدينتين. فالنمط المتّبع في البناء المنتشر في مدننا لا يتوافق مع حاجات قطاع واسع من محدودي الدخل (سماحة، ٢٠١٥). بالنتيجة، تم تدمير المقوّمات الزراعية لهذه المناطق ولم يشكّل ما حلّ مكان الأراضي الزراعية، الحلّ المناسب للتمدّد العمراني والحاجات السكنية.

 

طرابلس المدينة الحديثة

في طرابلس، كانت مشاريع الضم والفرز العامة جزءاً من رؤية رأسمالية للمدينة متجذّرة في ضرورة "تنظيف" المدينة من الفقراء وإنهاء اقتصادها الزراعي، للتمهيد لمدينة مُستحدثة تعتمد على واجهة بحرية سياحية وخدماتية للمترفين  ومعرض دولي بإسم رشيد كرامي،1 واقتصاد مبني على الريع العقاري. فقد كانت طرابلس، في بداية القرن العشرين، عامرة ببساتين الليمون في منطقة المرجة والسقي الغربي، والسقي الشرقي، وكروم الزيتون المنتشرة على تلتي أبي سمراء والقبة، والتي كانت إما أوقافاً أو أملاكاً لكبار عائلات طرابلس والمتمولين فيها، والذين جاءت ثرواتهم بشكلٍ أساسي من الإتجار بالمحاصيل الزراعية مع البلدان العربية والأوروبية (كبارة، ٢٠١٢). لكنّ ما لبث هذا الواقع أن تغيّر.

بدا واضحاً ومنذ أوّل تصميم وضع للمدينة عام ١٩٤٧2، أن مسألة التمدّد العمراني تمحورت شيئاً فشيئاً حول عملية التطوير العقاري. خلال الخمسينيات والستينيات، تمدّد الزحف العمراني بشكلٍ حاد على حساب المناطق الزراعية، وأدّى الانحدار التدريجي للاستثمارات في الأنشطة الزراعية والصناعية، إضافةً إلى صعوبات التبادل التجاري، إلى تحوّل الأنشطة الاقتصادية تدريجياً نحو الأنشطة المتعلّقة بقطاع البناء والقطاع العقاري. هكذا، وبقرار سياسي موّجه لتحقيق هذه الغايات من خلال التصاميم التوجيهية ومشاريع الضمّ والفرز المتلاحقة، حلّ قطاع البناء، الذي تشكلت من خلاله بعض الثروات الرئيسية في طرابلس ولبنان، محل القطاعات الإنتاجية الأساسية.3

إذا أردنا أيضاً فهم الرؤية التي كانت تُرسم للمدينة، من الجدير التطرّق الى موضوع الواجهة البحرية، كما ومعرض رشيد كرامي الدولي. بالنسبة للواجهة البحرية، ومع الاستقلال، بدأ اهتمام بعض زعامات طرابلس بها. وبالتالي، فإن فكرة استثمار الواجهة البحرية ظهرت وتطوّرت تدريجياً. عام ١٩٤٧، اقترح إرنست إغلي من خلال التصميم العمراني الذي وضعه، تطوير الواجهة البحرية وإنشاء منطقة لاستيعاب منتجعات سياحية على طول الساحل. ما لبث أن تحوّل هذا الاهتمام بالواجهة البحرية فيما بعد إلى هوس. وتتالت المشاريع لتطويرها، لتصبح مكاناً يشهد على رغبة المطورين العقاريين ومقاولي البناء في جعل الواجهة البحرية منطقة يمكن استغلالها لأنها توفّر إمكانات عالية لتحقيق الأرباح وتمنح المدينة هوية جذّابة للسياحة والاستثمار.4

أمّا بالنسبة لمعرض لبنان الدولي، فقد شكّلت فلسفة المشروع جزءاً من السياسة الشهابية بهدف استعراض نموّ البلد وازدهاره، وموازنة النّموّ مع ما كان يعرف بلامركزيّة الأنشطة. كان رشيد كرامي، زعيم المدينة، رئيس الوزراء حينها، فاستغل هذا الوضع لإنشاء عدد من المرافق القادرة على تعزيز دور طرابلس الوطني، ومنها المعرض الدولي. رافقت إنشاء المعرض فكرة تصميم جديد لطرابلس، لهيكلة اقتصاد المدينة وتصميم تمدّدها المستقبلي حوله، ليكون بمثابة رافعة للتجارة والأعمال الدولية، ولمنح المدينة وجهاً جديداً، وجه المدينة الحديثة، المبنية حول مركز أعمال ومعرضٍ دولي، الأمر الذي كان من المفترض أن يُرضي ليس فقط التجار ورجال الأعمال والمهن الحرة الأخرى المرتبطة بعالم الأعمال، ولكن أيضاً المتخصصين في قطاع البناء ومالكي الأراضي الذين يرحّبون بزيادة معدلات الاستثمار في هذه المنطقة (ديوايلي، ٢٠١٥). رغم أنّ هذا التصميم لم يُعمل به، إلّا أنه عَكَس التوجه الذي كان يُرسم للمدينة. عملياً، سمح التصميم باستملاك الأرض التي خُصِّصت للمعرض، وبإتلاف مساحات مزروعة واسعة، ، وجرى العمل على قطع أشجار معظم البساتين، تمهيداً لتحويلها المستقبلي الى أراضٍ مفرزة للبيع (منجد، ١٩٨٨)، فتقلّصت الأراضي الزراعية وتلاشت تدريجياً إلى أن أضحت بقعاً خضراء ضئيلة فيما كان يُعرَف بالفيحاء.

إلى جانب مشاريع تطوير الواجهة البحرية والمعرض الدولي، تجسّدت هذه الرؤية اذاً، بمجموعة من مشاريع الضمّ والفرز، منها ما نفذّ ومنها ما لم ينفذّ.5 بحسب البلدية، تُعتبر مشاريع الضمّ والفرز "ضرورةً حيوية لتوفير المساحات المنظّمة اللازمة للتوسّع العمراني، ولتأمين الحاجة الماسة إلى عقارات صالحة للبناء، خصوصاً أن عدداً هاماً من العقارات كان غير صالح للبناء من حيث الشكل والمساحة. كما يؤمّن الضم والفرز توفير البنى التحتية، والإمكانات لقيام عمران راق ورحب وصحي وسليم بيئياً، بأسعار معتدلة". غير أنّ اختيار البلدية لهذه الأداة القانونية يحمل وراءه غاياتٍ أخرى. فهو يسمح لها بتجنب دفع ثمن استملاك أراضٍ لإنشاء طريق سريع جديد، بحيث يتيح مشروع الضم والفرز للسلطات العامة الحصول على 25% من المساحة الإجمالية. وقبل كل شيء يطلب أعيان المجالس البلدية بشكل عام استخدام هذه الأداة لفتح مساحات كبيرة للبناء بمعدلات بناء مرتفعة، ما يسلّط الضوء على وزن المطورين العقاريين داخل البلدية ودورهم المؤثر في دعم تنفيذ هذه المشاريع لتحريك قطاع البناء. هذا ما يفسر إذاً كثرة مشاريع الضمّ والفرز التي طالت المدينة.6 سنتعمّق فيما يأتي، بمرسوم ٢١٥١ لعام ١٩٧٩ الذي جرى من خلاله ضم وفرز منطقة بساتين طرابلس وبساتين المينا حيث يقع حي التنك وتداعيات هذا المرسوم على سكان هذا الحيّ.

 

بساتين طرابلس والمينا: صراعات طويلة على الأرض والسكن

في أعقاب الحرب الأهلية، تضاعفت مشاريع الضمّ والفرز في طرابلس. عام ١٩٧٩، اقترح رئيس بلدية طرابلس (بناءً على نصيحة من سعد خالد الذي كان حينها مهندساً في المديرية العامة للتنظيم المدني) ضمّ وفرز الأراضي الزراعية التي افتُتحت حديثاً للبناء بموجب خطة عام ١٩٧١. وقد تمّت دراسة المشروع دون بحث مسبق للاحتياجات الحقيقية من حيث السكن7. لكن التأخيرات الإدارية والصراعات المرتبطة بالحرب الأهلية، وقبل كل شيء الصراع الدائر بين المديرية العامة للتنظيم المدني والمطورين العقاريين على معدلات الاستثمار الذي دام ما يقرب ٣٠ عاماً، أخّرته بشكلٍ كبير. فلم يبدأ بالظهور على الخرائط الرسمية حتى التسعينيات. وتمّ تصديق خريطة المشروع في العام ٢٠٠٣.

لطالما تبلورت الصراعات على مثل هذه المشاريع في المعارك الانتخابية، حيث أدّت تحديات الضمّ والفرز إلى دراسة تصميم جديد للمنطقة على أعقاب الانتخابات البلدية لعام ١٩٩٨. وبعد الانتخابات البلدية لعام ٢٠٠٤، نشطت حركة البناء في عقارات البساتين8، نتيجة القرار الأول للمجلس البلدي للمينا، والذي طالب بفتح المنطقة للبناء وإلغاء تجميد البناء الذي فُرِض نتيجة دراسة التصميم الجديد للمنطقة، بفضل دعم نجيب ميقاتي، وزير الأشغال العامة حينها. لم تكن الحاجة لتوفير مساكن جديدة تواكب التمدّد العمراني، المحرك الأساسي لإجراء عملية الضمّ والفرز، حيث خُلق طلب وهمي على السكن، ما تؤكده حقيقة أن أغلبية كبيرة من المساكن في منطقة الضمّ والفرز (أكثر من ٥٥%) كانت لا تزال غير مأهولة حتى عام ٢٠١٢ (ديوايلي، ٢٠١٥). بالتالي، كانت مشاريع الضمّ والفرز في طرابلس "نعشاً" لاستراتيجية تنمية حقيقية مبنية على خدمة الصالح العام، بمعنى أنّها كانت تشكّل أداةً لإنتاج مكاسب رأسمالية كبيرة لعدد قليل من الأفراد. خصوصاً أنّ نواب ووزراء طرابلس وأعضاء المجالس البلدية، معنيين بنشاطات البناء والتطوير العقاري، بما لا يترك مجالاً لتطوير سياسة ترتكز على الاحتياجات الاجتماعية. بكلّ الأحوال، جرت هذه العملية مع تناسٍ تام لقسم من التجمّع السكني الشمالي بالقرب من الساحل الغربي لبساتين المينا والذي يتميّز بالسكن غير الرسمي على أراضٍ مخصصة لتطوير سكن راق، وهو ما يعرف بالحارة الجديدة وضمنها حي التنك.

إقصاء الأحياء وتدهور أوضاعها

من الأساسي أن نفهم المسار التاريخي لظهور هذه الأحياء، كي ندرك سبب وجودها وبقاء الناس فيها على الرغم من الضغوطات القانونية والسياسية، وسوء بناها التحتية أو غيابها.

الحارة الجديدة هي أقدم الأحياء غير الرسمية في طرابلس والمينا. تبلغ مساحتها ٣٧٠٠٠ متراً مربعاً تقريباً، لكنها لا تظهر بتاتاً على الخرائط الرسمية. يعود تاريخ السكن فيها الى الحرب العالمية الأولى حين سكنها الحاج أحمد بن أحمد حسن المير الأيوبي عام ١٩١٤ (كبارة ع.، أيار ٢٠٠٠). كان موقع الحارة الحالي عبارة عن أراضٍ زراعية مكوّنة من بساتين تحوي بيتاً في كل بستان. كان الفلاحون يعملون فيها لصالح العائلات الكبرى مالكة هذه الأراضي.  في١٩٣٠ بنى الحاج أحمد بن أحمد حسن المير الأيوبي جامع الحارة الجديدة، وفي العام ١٩٣٢، بنى الحاج توفيق محمد الجاموس ثالث بيت في هذه الضاحية ليسكنه (كبارة ع.، أيار ٢٠٠٠). مع الوقت، بنى الفلاحون منازل لهم ولابنائهم في الأراضي حين غاب مالكوها عنها. شُقّ الطريق الأوّل في الحارة في أوائل الستينيات بالتزامن مع صدور مرسوم إنشاء المعرض الدولي، وأصبحت الحارة مدينة صغيرة، تنتشر فيها صناعات مختلفة منذ عام ١٩٧٠، منها معامل الخفان والبلاط، كامتداد طبيعي للصناعة في المينا. تتوزّع ملكيات الحارة اليوم، بين الملك الخاص والعام، وهو أمر يكرّسه الضم والفرز الذي أقرّ في العام ١٩٧٩، بتجاهل كامل للواقع المُعاش وحاجات الناس. وقد كانت الغاية من هذا المشروع "تنظيم المنطقة للحد من العشوائية وإزالة الشيوع والتعديات" بحسب عبد القادر علم الدين رئيس بلدية المينا السابق، ولم ينفّذ بسبب عدم القدرة على إخلاء السكان.

يُشكّل حيّ التنك جزءاً من الحارة الجديدة، ويتفرّع منها باتجاه البحر. نشأ هذا الحي مع بداية الحرب الأهلية، وبُنِيَ أوّل مسكن فيه عام ١٩٨٠. في الوقت عينه، احتلّت بعض عائلات الحارة الجديدة وقواص الحمام والمساكن الشعبيّة الفارغة التي بنيت في إطار خطة اعتمدتها وزارة الإسكان والتعاونيات عبر إقامة مساكن شعبية9 في المناطق اللبنانية والتي كانت توقّفت الأعمال فيها على أثر الأحداث10، وأهّلتها للسكن. وفي العام ١٩٨٢، تهجرّ عدد من سكان الحارة الجديدة والمساكن الشعبية إلى خارج طرابلس، فاستقرّ بعضهم في حيّ التنك، إمّا هرباً من المعارك أو بسبب عدم قدرتهم على تسديد بدلات الإيجار في أحياء أخرى من المدينة. في منتصف التسعينيات وصل عدد الشقق في الحي الى ٣٠٠، بحيث توسع الحيّ بشكلٍ كبير خلال هذه الفترة. بنى القادمون بيوتاً ذات أسطح من تنك على أرضٍ واسعة، أصبحت بعد مجيئهم عقارات مفرزة ذات ملكية خاصة محدّدة، وبعضها خُصّص كطرقات وحديقة عامة تابعة لبلدية المينا. يسكن الحيّ اليوم ١٣٠٠ عائلة، وفق إحصاء إحدى منظمات الأمم المتحدة11، يشكّلون خليطاً من أهالي المينا وعكار والضنّية، بالإضافة إلى فلسطينيين سكنوه بعد معارك مخيم نهر البارد في العام ٢٠٠٧ ولاجئين سوريين استقروا فيه عام ٢٠١١ حين تضاعفت موجة النزوح السوري.

يعمل أغلب سكان الحي في العتالة في المرفأ، وتجميع البلاستيك من مستوعبات النفايات، وبيع القهوة، فيما تبقى نسبة كبيرة منهم عاطلة عن العمل12 يعيش هؤلاء في ظروف سكنية وصحية متدهورة تتفاقم خلال فصل الشتاء وسط منعهم من قبل البلدية من إدخال مواد البناء لتأهيل وصيانة مساكنهم. فيُمنع على سكان حي التنك أن يبنوا أسقفاً من الإسمنت، في حين تمتنع البلدية عن تأمين إمدادات الصرف الصحي وعن إدارة النفايات في الحي. كما مُنعت الجمعيات من العمل في الحي، بحجة صفة الحيّ غير الرسمية، إذ تعتبر البلدية أن السكان يحتلّون أراضي الغير وهي غير مسؤولة عن تأمين الخدمات ضمن أراضٍ ليست ملكها أو ملك الدولة.

 

سكان حيّ التنك: تهديد خامدٌ بالطرد

كما ذكرنا سابقاً، وفي العام ١٩٧٩، شهدت منطقة بساتين المينا تجربة ما يُعرف بالضم والفرز العام، وأُعطي بموجبه مالكو العقارات الواقعة في المنطقة التي خضعت للضم والفرز، عقارات مفروزة تتناسب مع قيمة الأسهم التي كانوا يملكونها أساساً؛ ولم تكن العقارات التي حصلوا عليها بالضرورة في نفس الموقع التي كانت تقع عليه عقاراتهم الأساسية. لم يتّم اذاً، استشارة المالكين في أمر الضم والفرز إذ أنّ القرار يصدر عن وزارة الأشغال العامة، كما وفي بعض الأحيان لم يعلم المالكون بأن عملية ضمّ وفرز طالت أراضيهم. فبحسب المديرية العامة للتنظيم المدينيّ، لا يتّم تبليغ أصحاب الأراضي في المنطقة التي ستخضع للضم والفرز مباشرةً، وإنما يتم الإعلان في الجريدة الرسمية وثلاثة صحف محلية مع ذكر إسم المنطقة العقارية ويذكر أيضاً إمكانية الذهاب إلى البلدية لأخذ العلم. عليه، "مُنح مالكو العقارات أراضٍ بديلة خارج الحارة، ونال كل منهم أرضاً مع سند تمليك". من ناحية السكان، ووفق مهندس بلدية المينا عامر المنلا الذي شارك في مشروع الضم والفرز، حصل بعض أهل الحارة على تعويضات "ولكنهم لم يهدموا بيوتهم أو يسلّموها، ولا الدولة أخلتهم". يروي السكان أنّ قيمة التعويضات كانت منخفضة وغير كافية لتأمين السكن البديل، على عكس التعويضات التي أعطيت لسكان حارة الصخر. لذلك، ناضل السكان وأدّى تماسكهم وتنظيمهم على صعيد الحيّ إلى إفشال عملية إخلائهم.

عندما وضعت دراسة المشروع، تجاهلت المديرية العامة للتنظيم المدني الواقع على الأرض واكتفت بتوجيه تخطيط الأراضي وإعادة توزيعها من خلال الرسم على الورق من وراء مكاتب الاستشاريين. ثبت وجود جزء كبير من حي التنك والحارة الجديدة على عقار البلدية المخصص لإنشاء حديقة عامة، وهو ما فتح صراعاً بين البلدية والسكان، كما تفاجأ بعض المالكين الذين حصلوا على قطعهم المفروزة بوجود سكان على عقاراتهم دون أن تخبرهم الدولة بذلك.

بالتالي، تعرّض سكان حي التنك لضربة موجعة بسبب الدعاوى القضائية التي رفعها عليهم مالكو العقارات. يمكننا أن نلاحظ أيضاً أنّ الدعاوى على سكان حي التنك والتي طالت ١١ منزلاً عام ١٩٩٨، واستئنافها عام ٢٠٠٠ وصدور أحكام الإخلاء عام ٢٠٠٥ -بالرغم من القرار الوزاري الذي صدر عام ٢٠٠١ والذي منع اخلاء السكان ما لم يتمّ وضع حلّ شامل للسكن- تزامنت مع وصول مجالس بلدية جديدة، هي التي كانت تحاول أن تجد حلولاً تناسبها وتناسب حلفائها من مالكي الأراضي وشركات المقاولات والشركات العقارية، لمحو حي التنك عن أرض الواقع كما كان الحال على الخرائط الرسمية. ومع صدور أحكام بالإخلاء، مُنعت الجمعيات من العمل الإغاثي والاجتماعي في الحي، وفق رئيسة اللجنة الشعبية في بلدية المينا. ومع الأحكام القضائية والغرامات المالية التي تتوالى على العديد من سكان حي التنك، لم يعد الأهالي يتجرّؤون على إصلاح منازلهم خوفاً من إخلائهم. ما أدّى إلى تفاقم الظروف السكنية والصحية المتدهورة أصلاً، للحي. هذا ما دفع السكان إلى التوسّع بالبناء، ليشكّلوا قوة ضغط أمام الدولة لمنعها من إخلائهم، كما عمدوا مع بعض مخاتير المينا إلى التوقيع والبصم على عريضة تناشد الدولة الالتفات إلى مشاكلهم، وإيجاد الحل المناسب لها.

في هذا السياق، يحكى أنّ واصف الفتال كان يملك أرضاً كبيرة في حيّ التنك، حاول رفع دعوى لاخلاء السكان لكنّه لم ينجح، فقرر بيعها لمحمد الحلو في التسعينيات، بعد سلسلة الإخلاءات التي حصلت في راس الصخر. أقام محمد الحلو دعوى ضد السكان، وكسب قراراً بإخلاءِهم وبوجوب هدم السكان لبيوتهم على كلفتهم الخاصة، دون تعويض. بعدما فشلت عمليّة الإخلاء بسبب مقاومة السكان، قام المالك بعد عدّة سنوات، ببيع العقار إلى عبد القادر الشيخ، الذي قام بتحريك الدعوى من جديد ولكنّه تعثّر وتوقّف نتيجة تدخّل النائب محمّد كبّارة ومنذ حينها لم يطرأ أيّ جديد على القضيّة.

بالمحصّلة، فرضت الدولة الضم والفرز العام وتغاضت كلياً عن وجود الحارة الجديدة وحي التنك على خرائط المدينة، كما وضعت المالكين بمواجهة مع أهالي الحارة الجديدة وحي التنك، الذين تُركوا لمصيرهم تحت رحمة المالكين الجدد دون حلول بديلة لإسكانهم. بل على العكس، تتخذ البلدية حجة احتلال أراضي الغير لتتغاضى عن تأمين الخدمات الأساسية والبنى التحتية في حين أن جزء كبير من الحيين يقع على أراضي تملكها هي (أراضي الحديقة والطرقات)، لم تكتفي بذلك بل فتحت المنطقة على سوق المضاربة العقارية بدلاً من أن تحافظ على القيمة الاجتماعية للأرض.

تسعى السلطة السياسية باستمرار إلى تناسي الأحياء غير الرسمية، وتسعى إلى محوها وردمها ليتمّ استبدالها بمساكن "راقية" تدرّ عليها وعلى حلفائها من "حيتان المال" المكاسب الريعية، لكنّها، وفي الوقت عينه تستغلّها في الخطابات الانتخابية واعدةً وعوداً واهية بتأمين السكن البديل.

إن تغاضي السلطة السياسية عن حقوق الناس، يظهر من خلال عدم تأمينها للخدمات الأساسية، وتقديمها المصلحة الشخصية للزعامات والمتموّلين على حقوق الأكثرية، كما قد يصل إلى محاولتها محو وجودهم. تشكّل أحياء مثل بساتين طرابلس والمينا وحي التنك شاهداً على كيفية استخدام الأدوات التنظيمية ضد مصلحة الناس، وإثباتاً على تهتّك الدور الرعائي للدولة كدولة. والمجهول الذي تواجهه أمّ ضياء وغيرها من سكّان حيّ التنك، ليس سوى نتيجة سياسات سلطة تعمل لسلب حقوق الناس وأراضيهم.

 

 

  • 1. سُمي المعرض على اسم رئيس الوزراء السابق وزعيم المدينة رشيد كرامي. دُعي المهندس البرازيلي أوسكار نيماير لتصميمه. يقع في قلب بساتين المينا، على أرض تم استملاكها لتكون مرفقاً عاماً وتبلغ مساحتها مليون وعشرين ألف متر مربع. تم إنشاء المعرض بمرسوم عام ١٩٦٠ وبدأ بناؤه عام ١٩٦٧. في العام ١٩٧٥، وقبل انتهاء المشروع، اندلعت الحرب الأهليّة اللبنانية، وبعدها باءت جميع محاولات إعادة بنائه بالفشل. كان "احتياطي الأرض" هذا، سبباً لطمع المستثمرين.
  • 2. التصميم التوجيهي لإرنست إغلي. عُيّنَ المهندس المعماري السويسري إرنست إغلي (Ernst Egli) كبير المخططين في وزارة الداخلية اللبنانية. خلال مهمته، قام بتصميم التخطيط العمراني لمدن طرابلس وصيدا وصور وبعلبك.
  • 3. تكشف المقارنة بين تصاميم عام ١٩٤٧ و١٩٦٤ و١٩٧١ عن استمرارية معينة فيما يتعلق بموقع المناطق ذات الوظائف السكنية والتجارية والخدماتية من جهة، مقابل زيادة ملحوظة في عوامل الاستثمار، ممّا يزيد هامش الربح للمطورين العقاريين من جهة أخرى.
  • 4. في عام ١٩٦٢، كشف المهندس إيلي ديب، عن مشروع لمجمّع سياحي أراد إقامته على كل الجزر الممتدة قبالة رأس المينا. وفي عام ١٩٦٤، أجريت دراسة جديدة تناولت فكرة إنشاء المساحة التي اقترحها إيلي سابقاً لإنشاء منتجع ساحلي بمساحة تبلغ حوالي ٥ هكتارات مخصصة للبنى التحتية الفندقية. في عام ١٩٦٨، اقترح رائد أعمال شاب من المينا، نواد زيلة، إنشاء مساحة جديدة مخصصة للتطوير العقاري. وبقي الاقتراح حبراً على ورق. استمرّت المنطقة الساحلية بإثارة اهتمام المهندسين المعماريين والمهندسين الجدد، من بينهم المهندس جلال عبس الذي اقترح مشروعاً مشابهاً في عام ١٩٨١، ضمن أطروحته في الآداب والعلوم الإنسانية. لكن لعدة سنوات، لم يتم فعل أي شيء بهذا الاتجاه. في عهد عبد القادر علم الدين، ظهر المشروع مرة أخرى في عام ١٩٨٥. بدأت أعمال بناء الكورنيش في منتصف الثمانينيات، باستخدام ردم وأنقاض الحرب الأهلية التي تمّ جمعها من قبل المقاولين المحليين. وقد عبّرت عن الرغبة المحلية في طي صفحة الحرب من خلال "البناء بدلاً من التدمير!"، في صورة لدفن بقايا ماض "عفا عليه الزمن" من أجل التوجه نحو مستقبل أكثر حداثة. على مدى عشر سنوات، أثارت هذه العملية بعض التساؤلات والانتقادات، ولا سيما البيئية.
  • 5. طلب رشيد كرامي من المديرية العامة للتنظيم المدني وضع تصميم أولي لمشروع "الفيحاء". عهد المشروع للمهندسين المعماريين هنري إيدي (نقيب المهندسين والمهندسين المعماريين في بيروت) وجورج دوماني (نقيب المهندسين والمهندسين المعماريين في طرابلس). اكتملت الدراسة الأولية عام ١٩٦٤ ولم يتم الانتقال إلى مرحلة الدراسة التفصيلية.
  • 6. راجع/ي قائمة المشاريع منذ عام ١٩٥٦ حتى عام ٢٠٠٨
  • 7. من المفترض أن تشمل ثلاث مناطق: منطقة سكنية (مبانٍ من عشر طوابق شرقا) ومنطقة مختلطة (من ٥ إلى ٦ طوابق) ومنطقة سياحية. وكانت مخططة لـ ١٥٠ ألف نسمة ولكن لم يكن هناك طلب على السكن في ذلك الوقت.
  • 8. تم افتتاح ما لا يقل عن عشرين موقعًا للبناء في المنطقة، وهي المنطقة ذات نسب الاستثمار الأعلى. في بداية عام ٢٠٠٦، كان هناك ٢٨٠٠ شقة و ٢٥٠ مبنى تجاري قيد الإنشاء أو تم بناؤه.
  • 9. ضمنها ٢٠٠ مسكن في مدينة المينا.
  • 10. كان قد تمّ تشييد المنازل وشق الطرق ولم يبقى سوى التوريق والطرش والدهان.
  • 11. راجع/ي حيّ التنك في طرابلس… الحياة لا تمرّ من هنا
  • 12. راجع/ي حي التنك يخوض معركة وجوده