اقتراح تعديل في قانون التنظيم المدني:

تشريع الأبواب أمام زيادة عوامل الاستثمار لقاء ضريبة تحسين

٣٠ حزيران ٢٠٢١

على جدول أعمال جلسة مجلس النواب في ٣٠ حزيران و١ تموز، اقتراح تعديل في قانون التنظيم المدني: تشريع الأبواب أمام زيادة عوامل الاستثمار لقاء ضريبة تحسين

طرح النائب طوني فرنجية منفرداً، اقتراحاً لفرض ضريبة تحسين على الأراضي التي يُرفع فيها عامل الاستثمار، تُدفع لصالح صندوقٍ مستقلٍ يُنشئه مجلس الوزراء. تشكّل ضريبة التحسين أحد عناصر أيّ سياسة عقارية. وتُحوّل، وفي المبدأ، نحو المشاريع ذات المنفعة العامة. إنما المفارقة في هذا الإقتراح أنه يعمد إلى تخصيص نتاج هذه الضريبة لفائدة مصالح خاصة. وتبرز خطورة إنشاء الصندوق المستقل، مع ما للبنان من تجارب مريرة مع "الصناديق" التي شكّلت أرضية خصبة للفساد والتنفيعات. كما أنّ مفهوم التعويض على مالكي العقارات في حال نُفِّذت تنظيمات للصالح العام هو بمثابة خرق لمبدأ التنظيم المُدني.1

 

باختصار، ما هو القانون المقترح؟

نجد هنا اقتراحاً مقدّما من النائب طوني فرنجية (المردة) في 1/12/2020 ومجدداً اليوم لتعديل المادتين 13 و 16 في قانون التنظيم المدني. تنص المادة 13 الحالية على أنه "يجوز إعادة النظر بالتصاميم وأنظمة المدن والقرى، بكاملها أو بجزء منها، وفقا للشروط والصيغ المنصوص عليها في المواد 10 و11 و12 من هذا المرسوم الإشتراعي". ويعمد الاقتراح إلى تعديل المادة 13 عبر فرض – عند زيادة الاستثمار – ضريبة تحسين على المالك نسبتها 30% من قيمة التحسين، على "العقارات التي يزداد فيها عامل الاستثمار". يضيف أن هذه النسبة تحتسب "على أساس سعر الأرض المعتمد لتحديد رسم الترخيص" وتدفع عند الحصول على الترخيص. ويحدد كيفية وجوب الاحتساب. كما ويعفي المالك من أي ضريبة في حال عدم رغبته في "إستثمار هذه الزيادة في عامل الإستثمار". والأهمّ هو اقتراح النص أن تحصّل هذه الضريبة "لصالح صندوق مستقل ينشئه مجلس الوزراء" ويهدف إلى التعويض على "أصحاب العقارات التي يمنعون من استثمارها كالتي تصنف محميات" (….). وأخيرا يعدّل الاقتراح المادة 16 (التي تنص على إمكانية وضع "تصاميم تصنيف المناطق" تحدد قطاعات يحتفظ بها لأنواع معينة من الاستعمالات وتحدد عوامل الإستثمار المسموح بها فيها) من خلال إضافة "المادة 13" إلى المواد التي يقتضي مراعاة شروطها عند تحديد التصاميم (وهي فقط المواد 10،11 و12 في الصيغة الحالية).

 

ما هي الأسباب الموجبة التي يذكرها القانون؟

تبرر الأسباب الموجبة تقديمه بأن "زيادة عامل الاستثمار عند تصنيف الأراضي يؤدي إلى ازدياد في أرباح المستثمر مما يحتم عليه أن يدفع ضريبة عليها"، وأن "إنشاء الصندوق المستقل سوف يؤدي إلى التعويض على مالكي الأراضي التي يخفّض تصنيفها والاستملاكات التي تعنى بالحفاظ على الأبنية الأثرية وإنشاء المحميات الطبيعية".

 

تسليع للأرض وتغليب المصلحة الخاصّة على العامة

تشكّل ضريبة التحسين ضريبة مباشرة تفرض على الزيادة في قيمة العقارات الناتجة مباشرة عن تنفيذ مختلف الأشغال العامة، وينشأ عنها إمتياز لمصلحة الخزينة على العقار المحسّن (المادة 45 من قانون الاستملاك 1991). وتعد تحسيناً الزيادة التي تطرأ على قيمة العقار أو الجزء من العقار من جراء قيام المشروع منذ تاريخ إعلانه من المنافع العامة حتى تاريخ وضعه قيد الاستعمال وتحسب هذه الزيادة بالمقارنة مع قيمة العقارات التي لم يتناولها التحسين (المادة 46). تفرض ضريبة التحسين من قبل دائرة ضريبة التحسين في مديرية الواردات في وزارة المالية على مالك العقار المحسّن، بالإستناد إلى قرارات اللجان بتحديد قيمة التحسين. 

المفارقة في هذا الاقتراح أنه يعمد إلى تخصيص نتاج الضريبة لفائدة مصالح خاصة

تشكّل ضريبة التحسين أحد عناصر أيّ سياسة عقارية، التي يجب أن تكون شاملة ومتكاملة، ولا يجب أن تقتصر عليها. في لبنان، نفتقد إلى سياسة عقارية تضع حدّا لارتفاع ثمن الأرض2، وتمنع احتكار الأرض، وتمنع إبقاءها شاغرة، وتفرض ضريبة على الملكية العقارية. وفي المبدأ، يجب أن تذهب ضريبة التحسين نحو المشاريع ذات المنفعة العامة، كتلك الإسكانية أو غيرها. إنما المفارقة في هذا الاقتراح أنه يعمد إلى تخصيص نتاج هذه الضريبة لفائدة مصالح خاصة، من ناحية التعويض على مالكي العقارات التي يخفض تصنيفها أو التي تصنف أثرية أو محمية. وفي ذلك تناقض تام مع مفهوم التنظيم المدني الذي قامت الدولة اللبنانية على تبنّيه عبر قوانين ومؤسساتٍ أُنشئت منذ عهد الاستقلال، مع ما كان معه من تكريس لسمو الحق العام على الملكيّة الخاصة. فوضع الضوابط والتوجيهات لتنظيم عمليات البناء واستخدامات الأراضي هو اعترافٌ ضمنيٌ بوجود حقٍ عامٍ متقدّمٍ على أيّ ملكية لعقارٍ خاص، وهو جزءٌ من القيمة الاجتماعية المشتركة للأرض، والمكرّسة في قانون التنظيم المدني عبر مبادئ المصلحة العامة أو الهوية المشتركة التي يجب أن تُراعى قبل إصدار أيّ ترخيصٍ للبناء. ويعود ذلك إلى أنّ ملكيّة الأرض تتميّز بخصوصية محتواها ودلالاتها، ولا يمكن تصنيفها كأيّ سلعةٍ تقليدية، فهي ببساطةٍ مكان العيش ومصدر الحياة. والواقع أنّ تحويل الأرض إلى ملكيّةٍ "عقارية"، يعني دومًا تحويلها إلى سلعةٍ قابلةٍ للتبادل، مع ما لتوسّع استخدام مصطلحات "السوق العقارية" "والملكية العقارية" وغيرها، من تأثير للحث على القبول بالأرض كسِلعة. بالإضافة الى ذلك، فقد وقعّت الدولة اللبنانية على "الميثاق العالمي للحق في المدينة"3 الذي تؤكّد المادة الثانية من أحكامه العامة أنه "ينبغي أن تعلو المصلحة الاجتماعية والثقافية الجماعية فوق حقوق الملكية الفردية ومصالح المضاربة، أثناء صياغة وتنفيذ السياسات الحضرية". وتنص المادة الخامسة على أنه ينبغي أن تعمل المدن على وضع "الأولوية للإنتاج الاجتماعي للموئل، وأن تضمن الوظيفة الاجتماعية للمدينة والملكية". من هذا المنطلق، فإنّ مفهوم التعويض على مالكي العقارات في حال نُفذت تنظيمات للصالح العام هو بمثابة خرق لمبدأ التنظيم المُدني. 
إلى جانب ذلك، تكمن إشكاليته الإضافية في خطورة "تحصيل هذه الضريبة لصالح صندوق مستقل ينشئه مجلس الوزراء"، مع ما للبنان من تجارب مريرة مع "الصناديق" المختلفة التي شكّلت أرضية خصبة للفساد والتنفيعات، كمجلس الإنماء والإعمار ومجلس الجنوب وصندوق المهجرين والهيئة العليا للإغاثة. فلطالما استخدمت السلطة الصناديق والمجالس كمظلّة للإنفاق الموازي خارج الآليات الإدارية والقانونية والأطر الرقابية. 

خلافاً للاعتبار السائد أن عامل الاستثمار هو جزء من سعر الأرض وعلى عكس تقديم التعويضات، علينا إرساء سياسة للأرض تقرّ بقيمتها الاجتماعية

خلافاً للاعتبار السائد أن عامل الاستثمار هو جزء من سعر الأرض وعلى عكس تقديم التعويضات، علينا إرساء سياسة للأرض تقرّ بقيمتها الاجتماعية، وذلك عبر:

- جعل الوظيفة الاجتماعية للملكيّة أحد المبادئ الرئيسة للاقتصاد الوطني، بحيث نضمن تمتع الجميع بحياةٍ كريمةٍ تتوافق ومبادئ العدالة الاجتماعية؛
- تطبيق "الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية" باعتبارها تتضمن سياسةٍ تنمويةٍ متكاملة تحدد الاستخدام الملائم للأرض والموارد البيئية والمصادر الطبيعية على أساس قيمتها الاجتماعية؛
- ضمان حق جميع سكان المدن في الانتفاع الكامل من كافة مواردها من دون تمييز، بما في ذلك إتاحة الوصول إلى المواقع الطبيعية، والمرافق العامة، والمساحات المشتركة والخدمات الأساسية؛
- منح الأولوية للسكن والعمل في الأرض بدلًا من إخضاعها للمضاربة العقارية؛
- جعل تنظيم الأراضي وإدارتها عمليةً ديموقراطيةً وتشاركيةً بهدف الحفاظ على الإطار السياسي الذي يرعى القيمة الاجتماعية للأرض؛
- تغليب الوظيفة الاجتماعية للمُلكيّة لدى التصرّف بها، بما في ذلك إصدار رخص البناء والهدم والاستملاك؛
- وضع نظامٍ ضريبي عادلٍ يحدّ من المضاربات العقارية ويشمل الضرائب التصاعدية على الأراضي الموجودة في المناطق العمرانية، والضرائب على الأراضي غير المبنية أو غير المستخدمة، والضرائب على الأملاك المبنية الشاغرة.

 

 

  • 1. هذا التعليق جزء من مشروع تطلقه "أشغال عامة" قريباً تحت عنوان "تشريعات 2019 - 2020: كيف يُنتهك الحق في المدينة؟"
  • 2. في هولندا على سبيل المثال، هناك نوعين من الأرض: الأراضي الزراعية والأراضي المخصصة للبناء. اليوم الذي يسمح في البناء في الأرض الزراعية، تستملكها الدولة بسعر الأرض الزراعية وتأجرها لمن يريد البناء فيها مقايل أجار سنوي. هكذا تمنع المضاربات وانعكاسها على السكن، فلا ترتفع أسعار المساكن. النظام الفرنسي لمكافحة غلاء الأراضي: صنفوا أراضي فرنسا على أساس أن 25% منها أحراش، 65% زراعية ممنوع البناء فيها، 4% مسموح بشروط، 6% مسموح. للأراضي المسموح فيها البناء، وهي قليلة جداً، أخذت السلطة العامة حق الشفعة وهو الذي جمّد أسعار الأراضي. أي أنه اذا أراد صاحب الأرض بيعها، عليه التصريح بذلك للسلطة العامة، والسلطة العامة تقرر بالسماح بالبيع أو لأ. وفي أكثر الحالات ترفض وتعطي صاحب الأرض الخيار بأن يبيعها للسلطة العامة نفسها. وبذلك تم منع ارتفاع سعر الأرض. في البلاد الاسكندنافية مثلا، ممنوع قانونياً أن تجني ثروة من الأراضي. في ايطاليا، هناك فصل تام بين الأرض وحق البناء. فالبلدية التي تحدد السعر وتبني.
  • 3. الميثاق العالمي للحق في المدينة، من أجل بناء موئل يتلاءم مع حقوق الإنسان (المنتدى الاجتماعي العالمي – يناير 2001 \\ المنتدى العالمي/مشاورات التحالف الدولي للموئل - يناير 2002 \\ المنتدى العالمي/مشاورات التحالف الدولي للموئل - يناير 2003 \\ المنتدى الاجتماعي العالمي للأمريكتين –كيوتو –يوليو 2004 \\ المنتدى العالمي للحضر -برشلونة -أكتوبر 2004 \\ المنتدى الاجتماعي العالمي –بورتو أليغري –يناير 2005 \\ وما تم من نقاشات خالل مرحلة التحضير في برشلونة –سبتمبر 2005)