إسقاط الأملاك العمومية أداة لتحقيق رغبات الحكّام

٠٨ نيسان ٢٠٢٢
المقال الثاني في إطار مشروع بحثي بعنوان «ويني (أراضي) الدولة؟»
 

كتابة: كريستينا أبو روفايل
بحث: كريستينا أبو روفايل، تالا علاءالدين، ريان علاءالدين، عبير سقسوق
إنتاج الرسوم البيانية والخرائط: كريستينا أبو روفايل

ينتشر اليوم خطاب واسع  ويطغى،  مسوّقاً لخصخَصة الأملاك العامة كوسيلةٍ لإنقاذ الدولة من الإفلاس.  هذه الأملاك هي جزء أساسي من محفظة أصول لبنان العامة، وقد تفوق قيمتها قيمة الأصول الأخرى مُجتمعة – كما هي الحال في معظم بلدان العالم، إلا أنها غير مفهومة بالشكل الكافي، بسبب عدم وجود نظام معلومات دقيق يحدّد بوضوح بيانات جميع هذه العقارات، بما في ذلك عددها، حدودها، مساحتها، ملكيتها، استخداماتها، وقيمتها السوقية.
في مواجهة هذا الخطاب وخطر الخصخصة المُحدق، وبسبب الحاجة إلى إتاحة هذه البيانات للعموم، كان لا بدّ لنا من خوض بحث معمّق عن أملاك الدولة العقارية، الخصوصية منها والعمومية. يشكّل هذا البحث أداة أساسية لفتح نقاشٍ عام واستراتيجي ضدّ خصخَصة هذه الأملاك، ولإطلاق مسار يسعى إلى صون المجال العام. إعتماداً على نتائج البحث، نطمح إلى صوغ مطالبة مستنيرة ومواجِهة لخطاب السلطة، تُبيّن وترسّخ القيمة الاجتماعية لتلك الأملاك، وتشرح المعاني المتعدّدة للمجال المشترك.

نتغنّى دائماً بفترة ما بين الاستقلال وبداية الحرب الأهلية، ونسمّيها العصر الذهبي للبنان، فنمدح وقتاً كانت فيه "البحبوحة" سِمة زمنٍ نريده أفضل، لا فقر فيه ولا مناطق محرومة. وما هذا الحنين المستمرّ، سوى فرار من الواقع المرير وعودة في الزمن نحو ماضٍ متخيّل، هو في الحقيقة مليء بالمظالم. ما نسميه اليوم بالعصر الذهبي الذي رُسم فيه دور لبنان الاقتصادي المبني على الخدمات ومهام الوساطة والتبادل التجاري، والتي كانت ملامحه قد ظهرت مع الانتداب الفرنسي، اتّسم في الوقت عينه بتصاعد اللامساواة والفوارق الاجتماعية وبنموٍ اقتصاديّ غير متوازن، وأحادي التوجّه،1 حصدت ثماره أقلية صغيرة (مرهج، ٢٠٢١). منذ ذلك الحين، ارتسمت حدودٌ داخلية واضحة بين المركز (بيروت وجبل لبنان والمدن الساحلية) والأطراف، وجرى توزيع ريعي غير عادل للمكاسب ولموارد الدولة. مازال النهجُ ذاته متبعاً حتى اليوم، ولم يتمّ إعادة النظر بالسياسات الاقتصادية وبالغياب المتعمّد للتخطيط وللسياسات التي ترعى الأراضي التي ساهمت في إنتاج الحرب الأهلية. فما التخلي عن أملاك الدولة العمومية من قبل الدولة نفسها، والذي نتناوله في إطار هذا المقال، سوى وجه من أوجه هذا النهج الذي يرى في الأرض حيزاً لتحقيق مصالح الطبقة الحاكمة والنفوذ الاقتصادي.
في هذا التقرير، نستعرض، إذاً الجزء الثاني من البحث، حيث نركّز على ماهية الأملاك العمومية وخصوصياتها، وعلى عملية الإسقاط كمخرج مقونن ابتكرته السلطة للتخلي عن هذا النوع من الأملاك. لهذه الغاية، قمنا بتعداد مراسيم الإسقاط منذ العام ١٩٢٢ لغاية تاريخه وتحليلها من ناحية المضمون والوتيرة والتوّزع الجغرافي.

 

مراسيم الإسقاط: سطو مستمرّ على الأملاك العمومية

إنّ أملاك الدولة العمومية، أو ما يعرف قانونياً ب «الأراضي المتروكة المحمية»، هي نوع من أنواع أملاك الدولة العقارية، وقد عَرَّفَ نظام الملكية العقارية والحقوق العينية غير المنقولة في المادة ٨ منه الأملاك المتروكة المحمية بأنها: "هي التي تخصّ الدولة أو المحافظات أو البلديات وتكون جزءاً من أملاك الدولة"، ولا تُسجّل في سجل الملكية، ولا تُعطى لها أرقام عقارات. تُعرّفُ الأملاك العمومية أيضاً وبحسب التشريع الأساسي، القرار رقم ١٤٤ الصادر في ١٠ حزيران ١٩٢٥ بأنها جميع الأشياء المعدّة، بسبب طبيعتها، لاستعمال مصلحة عمومية، وهي لا تُباع ولا تُكتسب ملكيتها بمرور الزمن. تَضمُّ هذه الأملاك الطرقات والممرات والأرصفة العامة وسكك الحديد، الأنهار ومجاري المياه وضفافها والمجاري الشتوية، شواطئ البحار والغدران والشلالات والبحيرات، قنوات الري والتجفيف وأقنية الملاحة وطرقاتها، السدود البحرية والنهرية والخلجان وعقارات وأراضٍ عامة، وغيرها. على ذلك، تعتبر هذه الأملاك محمية، لاعتبار أن الدولة لا تستطيع التصرّف بها أو بيعها. ومن هذا المنطق، هي تختلف عن أملاك الدولة الخصوصية.
في هذا السياق، ابتكرت السلطة مخارج مقوننة تسمح لها بالتخلّي عن أملاكها العمومية، وذلك من خلال إصدار مراسيم – تُسمّى «مراسيم الإسقاط» – تُسقَط من خلالها صفة المنفعة العمومية عن هذه الأملاك ويُشرّع التصرّف بها.2 بذلك يشكّل إسقاط أملاك الدولة العمومية لصالح أملاك الدولة الخصوصية بهدف إزالة القيود أمام السلطات العامة للتصرّف بهذه الأملاك وربما خصخصتها، مثلاً يبيّن كيفية تعامل السلطات مع أملاكها، ونظرتها إلى كلّ ما هو عام، ومفاضلة توّجه اقتصادي معيّن وشبكة المصالح المتعلقة به. كما يُظهر مفهوم السلطات العامة للأرض كسلعة وضمانة تُستخدَم لتأمين الربح المالي، بهدف توزيعها كجزء من عملية توزيع المنافع والزبائنية. هذه المقاربة هي ما يسمح بالاعتداء الممنهج على الأملاك العامة، عبر ثغراتٍ، تعديلاتٍ، وتلاعباتٍ قانونيّةٍ محدّدة.3 قد يُبرَّر طلب الإسقاط أحياناً ضمن الأسباب الموجبة للمرسوم، بتحقيق المنفعة العامة، إذ من الممكن أن تطلب جهة رسمية إسقاط أملاك عامة بهدف بناء مشاريع محددة. إنما ما هو تعريفنا للمنفعة العامة، ومن يحدّدها؟ في سياقات عديدة حول العالم، كثيراً ما يتّسم  مفهوم المنفعة العامة التي توّفر الدولة من خلاله الصالح العام، بالطبقية أو العنصرية أو الجندرية. وهو بالتالي حُكماً مفهوم حصري أو ذو تعريف ضيق. أسئلة مثل "من هم العامة؟" تتحدّى أيضاً إمكانية وجود وصيّ نموذجي على الصالح العام، مرتبط بالدولة الحديثة (مادانيبور، 2010). بالنسبة للسياق اللبناني، لم تعرّف القوانين اللبنانية مفهوم الصالح العام، غير أنّ اجتهاد القضاء الاداري (مجلس شورى الدولة أو هيئة التشريع والاستشارات) أرسى عدداً من المبادئ المتعلقة بتعريف المنفعة العامة، من ضمنها (على سبيل المثال لا الحصر) ربطها بتحقيق فائدة اقتصادية كفائدة سياحية. فتبقى فكرة المنفعة العامة فضفاضة ومرنة، يتغيّر مدلولها وتتعدّد الاتجاهات في تحديدها بحسب من يتحّكم بها وبحسب الرؤية السياسية والاقتصادية السائدة. وقد انعكس ذلك في التحليل الذي أجريناه على مراسيم الإسقاط من خلال حصة الجهات الخاصة (فرد، شركة، وقف، نقابة، جمعية...)، التي عادةً ما تكون من مالكي العقارات المجاورة، المرتفعة من الاستفادة من هذه المراسيم (٨٣%) ما يبيّن أنّ مراسيم الإسقاط تأتي بأغلب الأحيان استجابةً على مصالح خاصة. قد يحدث الإسقاط نتيجة تحوير طريق أو مجرى أو قناة، حيث تسقط المنفعة العمومية عن القسم القديم بسبب استبداله بتحويرة جديدة أو مقابل تنازل عن أملاك خاصة لصالح الأملاك العمومية (٢٦% من هذه المراسيم). لكنّ غالباً ما تحمل هذه المراسيم خبايا، اذا دخلنا الى عمقها نجدها مرتبطةً بطريقةٍ أو بأخرى بنوعٍ من الزبائنية، عبر تقديم أقسام من الأملاك العمومية على طبقٍ مفضض للمقتدرين أصحاب النفوذ، للمقربين من الجهات السياسية أو لشراء الولاءات السياسية. 

 

مراسيم الإسقاط: الوتيرة والتباين بحسب المناطق اللبنانية 

لم تكن صدفةً أن تكون الفترة التي شهدت العدد الأكبر من مراسيم إسقاط لأملاك الدولة العمومية لصالح أملاك الدولة الخصوصية، هي الفترة عينها التي أطلنا الحديث عنها في البداية، والتي تسارعت فيها دورة الإنماء الاقتصادي والنمو القائمة على أساسٍ ريعيّ، حيث بلغت عملية إصدار مراسيم الإسقاط أوجها بين عام ١٩٥٠ و١٩٥٥. 
أُصدر المرسوم الأوّل الذي يقضي بإسقاط أملاك الدولة العمومية لصالح أملاك الدولة الخصوصية عام ١٩٣٣ خلال الانتداب الفرنسي بقرار من المفوض السامي. بقيت هذه الوسيلة معتمدّة حتى فترة ما بعد الاستقلال، وشهدت فترة ما بين الاستقلال واندلاع الحرب الأهلية العدد الأكبر من مراسيم الإسقاط (٤٠٣ مرسوم من مجموع  ٨٣١ مرسوم، مقابل ٣٢ مرسوم خلال الانتداب الفرنسي، ١٢٤ مرسوم خلال الحرب الأهلية و٩٩ مرسوم بين نهاية الحرب الأهلية وخروج الجيش السوري من لبنان و١٧٢ مرسوم بعد خروج الجيش السوري من لبنان). وكان عدد مراسيم إسقاط الأملاك العمومية البلدية ملحوظ خلال هذه الفترة خصوصاً في مدينتي طرابلس وزحلة، وعاد وتركزّ إصدار هذه الأخيرة بين عام ٢٠٠٦ و٢٠١٢، لاسيما اسقاط الأملاك العمومية النهرية، وإن بشكلٍ متباين بين المناطق. 

حصدت محافظة جبل لبنان ومحافظة كسروان جبيل النسبة الأكبر من مراسيم الإسقاط، تليهما محافظة الشمال، ثمّ البقاع، ثمّ الجنوب. كما نلاحظ تركز هذه الأخيرة في قضاء المتن (١٥١ مرسوم)، زحلة (٩٤ مرسوم)، كسروان (٩٣ مرسوم)، بعبدا (٩١ مرسوم)، طرابلس (٦٦ مرسوم) وصيدا (٥٤ مرسوم) على التوالي. كذلك، كانت مدينتي زحلة (٤٠ مرسوم) وطرابلس (٥٦ مرسوم) الأبرز لجهة أعداد مراسيم الإسقاط. يجدر التوضيح هنا بأنّ عدد المراسيم لا يدّل على المساحة التي تمّ اسقاطها من أملاك الدولة العمومية إلى أملاك الدولة الخصوصية، إذ إنّه باستطاعة مرسوم واحد إسقاط أقسام شواطئ بحرية وضفاف مجاري و ممرات وطرق عامة في الوقت عينه. بالمقابل، لم تطرق عملية إصدار مراسيم الإسقاط هذه، أبواب الأطراف بشكلٍ ملحوظ. فقد نالت أقضية حاصبيا (مرسوم)، مرجعيون (مرسوم)، الضنّية (مرسوم)، بنت جبيل (مرسومين)، الهرمل (مرسومين)، بشري (٣ مراسيم)، راشيا (٣ مراسيم)، جزين (٥ مراسيم)، النبطية (٥ مراسيم)، بعلبك (١٢ مرسوم) والبقاع الغربي (١٣ مرسوم) العدد الأقلّ من مراسيم الإسقاط. على الرغم من اعتماد الإنماء الذي طبّقته الدولة لسنوات عدّة على مقاربة رأسمالية تمنع النمو الحقيقي للمناطق وتوزيع الثروة، وفي ظلّ السياسة الاقتصادية الريعيّة التي عكست إصرار الطبقة المهيمنة على ترك فجوات إنماء هائلة، وسمحت لقطاعات ومناطق محددة بامتصاص لمعظم شطور التوسع المالي، أضحت الأطراف خارج كلّ المعادلات، حيث كرّست الوسط والمدن الساحلية مراكز استقطاب اقتصادي، في حين تفاقم إهمال المناطق الريفية والأطراف. صحيح أن هذه المناطق ظُلمت تاريخياً مع تجويف سياسة الانماء المتوازن، لكنّ لعلّ الإمعان في سياسة الإهمال والتهميش والغبن المتعمّد، جعل الأطراف بمنأى عن أطماع المستثمرين بأملاكها العامة، حتى الآن.

إذا أردنا أن نتعمّق أكثر في هذه الممارسات وتوزيعها الجغرافي على مختلف الحقبات الزمنيّة، بربطها ببعض الظروف السياسية أو بوجود جهات سياسية معيّنة، نلاحظ أوّلاً أنّ قضاء المتن حصد في أغلب الأحيان، النسبة الأعلى من مراسيم الإسقاط. فمن جهة، تسارعت نسبة إسقاط الأملاك النهرية بشكلٍ خاص في قضاء المتن بعد عام ٢٠٠٦، حيث استلم وزارة الطاقة والمياه منذ عام ٢٠٠٨، التيار الوطني الحرّ وحيث يعتبر هذا القضاء احد الدوائر الانتخابية الأساسية لهذا التيار. وقد كان الأمر مشابه بالنسبة لقضائَي كسروان وبعبدا خلال الفترة ذاتها. كما يمكن ربط هذه النسبة المرتفعة في قضاء المتن خلال المراحل السابقة، ببعض القيادات المحلية كبيت المرّ والجميّل. بالنسبة لقضاء صيدا وصور، نلاحظ أن معظم مراسيم الإسقاط فيها كانت بين عام ١٩٤٣ وعام ١٩٧٥، وبشكلٍ خاص بين عام ١٩٥٣ وعام ١٩٥٩، حيث كان رئيس مجلس النواب حينها عادل بك عسيران، من مواليد صيدا. وفي أحد المراسيم، طلب شخصياً إسقاط أملاك عمومية بحرية في عين أبي عبدالله في قضاء صور، باقتراح من سامي الصلح الذي كان وزيراً لوزارة التصميم العام آنذاك. أمّا بالنسبة لمدينة طرابلس فقد شهدت إسقاطاً لأملاكها العمومية (أملاك بلدية وأملاك بحرية) بين عام ١٩٤٦ وعام ١٩٥٦، بدعم من الزعامات المحلية (بيت كرامي، كبارة) خصوصاً أنّ جميع أعضاء المجلس كانوا من أصحاب الأراضي البارزين والمطورين العقاريين. كذلك كان الأمر في مدينة زحلة، التي شهدت إسقاطاً لأملاكها العمومية البلدية بنسب مرتفعة بين عام ١٩٤٩ وعام ١٩٧٥، إذ برزت عائلة السكاف مع بداية الانتداب الفرنسي، بشخص الياس طعمه السكاف، الزعيم الأول في زحلة ومالك الأراضي الكاثوليكي. واستمرّ تأثير هذه النسب إلى ما بعد الاستقلال، حيث كان السكاف عضواً شـبه ثابت في حكومات الحقبة الاستقلالية. يجدر الإشارة هنا، أنّ الحرب الأهلية أدّت الى تدهور الزعامات التقليدية وبالتالي إضعاف قدرتها على تقديم الخدمات.
من المهمّ أيضاً التأكيد على أنّ مراسيم إسقاط الأملاك العمومية لا تصدر إلا بتوقيع من رؤساء مجلس الوزراء ورؤساء الجمهورية وبالتالي، كان لهؤلاء أيضاً دورٌ مركزيٌ في هذه العملية. ويتّحمل كذلك وزراء الطاقة والمياه (الأملاك النهرية)، وزراء المالية، وزراء الداخلية والبلديات المعنية (الأملاك البلدية العمومية)، وزراء الاشغال العامة والنقل (الأملاك العمومية والأملاك البحرية)، وزراء التصميم العام المتعاقبين، المسؤولية المباشرة لهذه الإجراءات، كونهم المؤتمنون على هذه الأملاك وكون هذه المراسيم لا تصدر إلاّ بموافقتهم.
تعبّر هذه الأمثلة اذاً، عن حقيقة استعمال السلطة السياسية لهذه الأداة لغاياتٍ ملتبسة، بهدف تقوية شبكتها الزبائنية وزيادة هيمنتها السياسية في مناطق نفوذها الأساسية، وفي بعض الأحيان حتى، الاستفادة من هذه المراسيم لتحقيق مصالح خاصة شخصية.

 

حالات الاستيلاء على الأملاك العمومية: اللائحة تطول

لا بدّ هنا من عرض بعض من هذه المراسيم. منذ فترة الأربعينيّات، صدرت عدّة مراسيم قضت بإسقاط أجزاء واسعةٍ من الشواطئ والأملاك العامّة البحريّة لصالح أملاك الدولة الخصوصيّة، ما سبّب تغييراتٍ جذريّةٍ في مناطق ساحليّة عدّة مثل بيروت وصيدا وجونيه وغيرها. في صيدا، بقيت عقارات تابعة للأملاك البحرية شمال مدينة صيدا القديمة (ضمن منطقة الوسطاني العقارية) على حالها حتى عام ١٩٤٨، عندما صدر المرسوم رقم ١٠٨٣٠ الذي غيّر عقارات هذا الشاطئ بالكامل. من خلال هذا المرسوم، أُسقطت أقسام من شواطئ بحرية و ضفاف مجاري وطرق عامة (مساحة حوالي ٢٠٠ ألف متراً مربعاً) لصالح أملاك بلدية صيدا الخصوصية. بذلك فُتحت هذه الأخيرة للاستثمار والتطوير العقاري، ومن ضمنها العقار رقم ٣٧٥ حيث أُنشُئَ فندق صيدون الفخم الذي بُنيَ في أوائل الخمسينيات، و هُدم خلال القصف الإسرائيليّ في العام ١٩٨٢، ثم حصلت مساعٍ لإعادة إحيائه في العام ٢٠٠٩. فبدل أن يكون الشاطئ والمساحات المحاذية له لكلّ أبناء المدينة وسكانها، تنهشه حالياً المشاريع الاستثمارية بمعزل عن قيمته الاجتماعية والاقتصادية. 
أمّا في بيروت، وخلال الحرب الأهلية، وتحديداً في العام ١٩٨٦، صدر المرسوم رقم ٢٠٨٤ القاضي بإسقاط عدد من الأملاك العمومية البحرية لحساب املاك الدولة الخصوصيّة في منطقة عين المريسة العقارية. في المرسوم، سُمّيت مساحةٌ شاسعة بحجم ١،٧١٠ متراً مربعاً بـ"الفضلة"، ووقّع على المرسوم حينها رئيس الجمهورية أمين الجميل، رئيس الوزراء رشيد كرامي، ووزير الأشغال العامّة والنقل وليد جنبلاط الذي كان صاحب الاقتراح، كون وزير الأشغال هو المؤتمن الأوّل على الأملاك البحريّة وفق القانون. يعود سبب إسقاط أراضٍ معيّنة من فئة "الأملاك البحريّة" إلى النيّة في بيعها. 
بهذه الطريقة تمّ أيضاً إسقاط الأقسام المتبقية من خطّ الترامواي اللبناني من المدوّر إلى ساحل علما مروراً ببرج حمود، البوشرية، ضبية، ذوق مصبح، ذوق مكايل، جونيه صربا، جونيه و غادير من خلال مرسوم رقم ١٩٤٣٧ عام ١٩٥٨(مساحة ٥٦،١٢٠ متراً مربعاً)، بدلاً من التفكير في سبل إحيائه وتنمية وسائل النقل العام. وتمّ إسقاط عقارات وفضلات من الأملاك النهرية على طول مجرى نهر جلالا في قضاء زحلة أبرزها من خلال مرسوم رقم ١٦٦٢ عام ١٩٥٩ (مساحة ٣٤،٦٨٣ متراً مربعاً) ومجرى نهر سينيق في قضاء صيدا ومجرى نهر البردوني في قضاء زحلة، وكذلك على طول مجرى نهر بيروت، وتمّ إسقاط عقارات من الأملاك البحرية في عين أبي عبدالله، قضاء صور (مرسوم رقم ٨٤٩٢ عام ١٩٥٥ مساحة ١٢٧،٧٠٠ متراً مربعاً و مرسوم رقم ١٦٦١ عام ١٩٥٩ مساحة ٣٧،٥٢٠ متراً مربعاً). واللائحة تطول.
تُظهر هذه الأمثلة استخدام الدولة لأداة قانونية تنظيمية بهدف إعادة توزيع المكاسب فيما بين ممثّلي الطبقة المهيمنة، مفرّطةً بثروات الأجيال القادمة وحقوقها. وقد استطاعت فعل ذلك بشكل كبير، اعتماداً على إخفاء الوضع القانوني لهذه الأراضي من جهة، والضغط باتجاه ثقافة عامّة لا ترى القيمة الاجتماعية الثقافية للأرض، ولا تعطي أهمية للاستخدام العام للمساحات العامة أو لمفهوم المنفعة العامة. سمح هذا الزايتغايست بتمرير قرارات وإجراءات وقوانين درّت الثروات الهائلة على الطبقة المهيمنة، وغضّ النظر عنها في ظل غياب (على الرغم من عدد من حركات الاعتراض) اعتراض شعبي عام على قوننة محو مفهوم القيمة الاجتماعية للأرض. 
اليوم، وفي ظل الانهيار الاقتصادي والحديث عن عملية توزيع الخسائر، أضحت الأملاك العمومية وسائر أملاك الدولة مهددّة، أكثر من أي وقت مضى. ننشر هذا المقال والمقالات التي تليه، سعياً منّا لعرض الحقوق المسلوبة وفتح نقاش حولها، أملاً بوقف نهب آخر حقوقنا العامة، بل وتصويره كحبل النجاة الوحيد المطروح أمامنا. ما نحتاجه ونحن في قعر هذا الانهيار، هو تماماً عكس ما تطرحه الخصخصة، من توزيع للخسائر وإعادة توجيه الأرباح إلى الملك العام.

 

 

  • 1. في ظلّ السياسة الاقتصادية الريعيّة التي عكست إصرار الطبقة المهيمنة على ترك فجوات إنماء هائلة، غلبت مهام الوساطة والتبادل على الوظيفة الاقتصاديّة في لبنان، ممّا كرّس المدن الساحلية مراكز استقطاب اقتصادي. تمركزت الأنشطة الاقتصادية في الوسط، فتوزّع الإنفاق والاستثمار الحكوميين بالتالي على بيروت ومحيطها، في حين تفاقم إهمال المناطق الريفية والأطراف، وأُهمل القطاع الزراعي والمهن الحرفية المتّصلة به. وقد تبيّن ذلك، في العام ١٩٥٩، عندما كلّف الرئيس فؤاد شهاب بعثة إيرفد، إجراء دراسة للظروف الاجتماعية والاقتصادية للبلاد في المدن الكبرى والمناطق الريفية، حيث اعتبرت نتائجها، بمثابة اتهام دامغ للسياسات الاقتصادية للحكومات اللبنانية الأولى بعد الاستقلال. وقد تبيّن أنّ مناطق عكار وبعلبك وجبل عامل كانت الأقلّ نمواً، حيث يعاني سكانها من ضعف شديد في البنية التحتية والتعليم والخدمات الصحية. حتى في بيروت، عانت بعض الأحياء من عدّة مشاكل في هذا المجال. كان الإنماء غير المتوازن بين المناطق اللبنانية يقابله أيضاً عدم المساواة في الدخل بين الأسر. فوفقاً لبعثة إيرفد، عاشت نصف الأسر في لبنان في فقر وعوز في عام ١٩٦٠. تتجاهل الروايات عن لبنان المزدهر قبل الحرب التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية الشديدة، كما تمحو الصراع الطبقي والاستياء المنتشر في ذلك الوقت.
  • 2. استناداً إلى موقع الجريدة الرسمية الالكتروني الذي يحتوي على جميع أعداد الجريدة (www.jo.pcm.gov.lb). في بحثنا، تمّ استخدام كلمة "إسقاط" في خانة العنوان للبحث عن المراسيم التي تمّ من خلالها إسقاط أملاك الدولة العمومية لصالح أملاك الدولة الخصوصية. من هنا، هناك إمكانية وجود معلومات منقوصة، في حال وجود بعض المراسيم غير الموّثقة.
  • 3. أشغال عامة. (١٣ كانون الثاني، ٢٠١٧). الاستيلاء الممنهج على الأملاك العامّة البحريّة. العدد ٤٦ من مجلة المفكرة القانونية، العدد ٢: الأملاك البحرية.