من أميريّة إلى مُلك: خَصخَصة أملاك الدولة وتكريس المُلكية الفردية

أيلول 2021

اقتراح قانون دمج الأراضي الأميرية بالأراضي الملك
تمّ التقدّم باقتراح القانون في 15/9/2020. أحيل الى لجنتي المال والموازنة والادارة العامة بتاريخ 15/7/2020 ولم يدرس لغاية تاريخه.

تقدّم كلّ من النائبين غازي زعيتر وحسين الحاج حسن (كتلة الوفاء للمقاومة) وكلاهما نائبان عن بعلبك الهرمل، باقتراح خطير في 15/7/2020 لدمج الأراضي الأميرية بالأراضي الملك وتوحيد نظام الملكية العقارية، وإلغاء حق الرقبة العائد للدولة في العقارات المعروفة بالأميرية. والأراضي الأميريّة هي من ضمن أملاك الدولة التي قد يجري عليها حقّ التصرّف، أي استخدام العقار والتمتّع به ضمن حدود القوانين والأنظمة، ما يعني أنّ لصاحبها (لا يُسمّى مالكها) حقٌّ عينيُّ عليها يدوم مدى الحياة، وينتقل إلى ورثته بالتساوي بين الذكور والإناث، ويجوز له البناء عليها والغرس فيها.  وبحجّة تحقيق التنمية المتوازنة والمساواة بين المناطق - لاسيّما أنّ محافظة البقاع تضمّ حوالي 78% من مجمل الأراضي الأميريّة في لبنان - يمثّل اقتراح القانون هذا خَصخَصةً لأملاك الدولة في ظلّ الحديث عن الخَصخَصة كإحدى وسائل إطفاء خسائر المصارف التي هي الدائن الأكبر للدولة المُفلسة.  إنّ الطابع الخطير لهذا القانون بذريعة تلبية حاجات الناس، يكرّس تحويل التنمية إلى خدمةٍ ظرفيةٍ يقدّمها هؤلاء النواب إلى أقلّيةٍ من السكان ذوي مصلحةٍ محددة، بدلًا من الاستجابة للحقّ في التنمية المتكاملة.

 

باختصار، ما هو القانون المقترح؟: 

دمج الأراضي الأميرية بالأراضي الملك وتوحيد نظام الملكية العقارية. وإلغاء حق الرقبة العائد للدولة في العقارات المعروفة سابقاً بالأميرية وتصبح هذه العقارات حكماً من نوع الملك ويتحوّل حق التصرف الجاري عليها إلى حق ملكية. واستبدال عبارة "تصرف" بعبارة "ملك" أينما وردت في قيود السجل العقاري عند أول معاملة عقارية تجري على العقارات الأميرية بعد نفاذ هذا القانون. 
وتعتبر العقارات "الخالية المباحة" أو "الأراضي الموات" من أملاك الدولة الخاصة وتخضع لأحكامها ما لم يكن قد جرى، قبل نفاذ هذا القانون، اكتساب حق أفضلية عليها، وفي هذه الحال تسجل مالكاً لصاحب حق الأفضلية.

ما هي الأسباب الموجبة التي يذكرها القانون؟: 
  •  
  • التمييز بين العقارات الملك التي يجري عليها حق الملكية والعقارات الأميرية التي يجري عليها حق التصرف ورثه لبنان عن الحكم العثماني وحافظ عليه عهد الانتداب الذي وضعت في ظله النصوص العقارية التي مازالت سارية حتى اليوم والت ميّزت بين شطري لبنان: شطر أبقى له شبه استقلال داخلي يتمتع سكانه بامتياز ملكية كاملة على أراضيهم، وشطر يخضع للحكم العثماني المباشر لا يتمتعون إلا بحقوق منقوصة على أراضيهم. 
  • لا بد من التذكير هنا أن ذلك يؤدي الى تفاوت الأسعار بين النوعين من العقارات. 
  • مقدمة الدستور: النظام الاقتصادي الحر يكفل الملكية الخاصة، الانماء المتوازن، الحقوق المدنية دون تفرقة
  • مواد الدستور تجعل كل اللبنانيين سواء لدى القانون وتجعل من الملكية في حمى القانون
  • النظام العقاري الساري قد ورث عن الحكم العثماني طابعاً شاذاً يكرس التمييز والتفريق وعدم المساواة إذ اعتمد نظام ملكية عقارية كامل في جبل لبنان ونظام منقوص في باقي المناطق
  • النظام الموروث غير العادل يتعارض مع وحدة الأرض والمواطنية والمساواة بين المناطق ولا يجوز استمراره
  • تمييز بين المناطق
  •  
أي نواب اقترحوا القانون؟: 

غازي زعيتر – كتلة الوفاء للمقاومة، بعلبك الهرمل
حسين الحاج حسن - كتلة الوفاء للمقاومة، بعلبك الهرمل

ما هو السياق العام للقانون؟: 
منذ سنوات، تصاعد خطاب عام مفاده أنّ منطقة بعلبك الهرمل تعيش حالة من الشلل الاقتصادي شبه التام بسبب توقّف عمليات البناء وأنّ إشكاليّات الملكية تُنتج شللاً في الحركة "الإنمائية" والاقتصادية على صعيد التطوير العقاري. فاقترح نوّاب المنطقة مؤخّراً قانوناً لتسوية مخالفات البناء وآخر للضمّ والفرز في المنطقة والاقتراح الحالي لتحويل الأراضي الأميرية (المتواجدة بشكل كبير في قضاء بعلبك)، وذلك لأنّه وبحسب النائب إيهاب حمادة "في الموضوع الاقتصادي الرّاهن، ارتأينا أنّ حلّ مشكلة الأرض يساهم بحلّ الأزمة الاقتصادية. يحرّك الاقتصاد".
نوع القانون: 
إقتراح قانون
الفاعلون: 
- وزارة الأشغال (المديرية العامة للتنظيم المدني) - وزارة المالية (المديرية العامة للشؤون العقارية) - البلديات في المناطق التي يشمل نطاقها أراضٍ أميرية - مالكو العقارات الملاصقة للأراضي الأميرية - ذوي حقّ التصرّف في الأراضي الأميرية - هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل
المناطق المتأثرة: 
الأقضية التّي تحتوي على أراضٍ أميرية وهي: عكّار، طرابلس، الهرمل، بعلبك، البقاع الغربي، راشيا، حاصبيا، صيدا، النبطية، صور، بنت جبيل، مرجعيون، زحلة.

قُدّم في كانون الثاني 2012، اقتراح قانون يرمي إلى توحيد نظام الملكية العقارية ودمج الأراضي الأميرية بالأراضي الملك. لكنّ هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل ارتأت عدم قبول الاقتراح لأنّه يؤدّي إلى تنازل الدولة عن حقّ الرقبة الذي تملكه، ولأنّ أحكام مرور الزمن المكتسب لا تطبّق على الأملاك العائدة للدولة، ولأنّ اقتراح القانون يجيز التنازل عن ملكية عقارية من دون أي مقابل وهذا غير جائز في ملكية عائدة للدولة بل يجب أن يكون هذا التنازل لقاء بدل لا يقلّ عن ثلث قيمة الأرض.
اليوم يعود طرح هذا القانون بالغ الخطورة الذي يمهّد فعلياً إلى خصخصة أملاك الدولة تحت ذريعة إحقاق المساواة ما بين المناطق وعدم التمييز في ما بينها لناحية حقّ الملكية المكرّس دستورياً، كما تذكّر الأسباب الموجبة للقانون. ولفهم ما يعنيه النائبان اللذان اقتراحا القانون، لا بدّ من تقديم سياق تاريخي لأنواع الأرض منذ الحقبة العثمانية حتى اليوم. 
في أيام السلطنة العثمانية، كان لمنطقة جبل لبنان، الممتدّة من بشرّي إلى جزّين، حقّ إدارة ذاتية. تركت السلطات العثمانية لأهالي هذه المنطقة، إدارة أحوالهم الشخصية المتعلّقة بالزواج والإرث وتقاليدهم وأعرافهم إلخ، كما تركت لهم ملكيّتهم لأموالهم المنقولة وغير المنقولة، حسب ما كانت تلك الملكية قائمة. أمّا بقيّة المناطق، فاعتبرها السلطان ملحقة بالسلطنة، واعتبرت أراضيها أراضٍ أميرية، أي تخصّ الحاكم (استناداً الى مقابلة أجريناها مع الباحثة بترا سماحة في تموز 2021). هي من النوع الأميري، أي أنّ صاحبها، (ولا نقول مالكها) له عليها حقّاً خاصّاً يسمّى حقّ التصرّف يسقط إذا تخلّى صاحب الأرض الأميرية عن استعمالها مدّة خمس سنوات متتالية. ففي هذه الحالة، يسقط حقّه، وتعود الأرض، رقبة وتصرّفاً إلى الدولة، كملك خاص لها.
وبصدور تشريعات متلاحقة، تطوّر حقّ التصرف على الأراضي الأميرية واتّسعت تدريجياً حقوق المتصرّف. فبعد أن كان حقّه شخصياً ومؤقّتاً لا يجيز له البناء والغرس والرهن، أصبح حقّاً عينياً يدوم مدى الحياة وينتقل إلى ورثته بالتساوي بين الذكور والإناث مع حق التمثيل، وأصبح يجوز له البناء والغرس والرهن وأنشئت "الدفتر خانة" وأصبح سند الطابو (أي قطعة الأرض) سنداً رسمياً.

اليوم، وبحسب قانون الملكية العقارية (القرار 3339 \ 1930) في لبنان، هناك خمس أنواع من الأراضي:

  • الأراضي المُلك هي العقارات الكائنة داخل مناطق الأماكن المبنية كما هي (أي المناطق) محددة اداريا والتي يجري عليها حق الملكية المطلقة. الملكية العقارية هي حق استعمال عقار ما، والتمتع والتصرف به ضمن حدود القوانين والقرارات والانظمة. وهذا الحق لا يجري إلا على العقارات الملك، ويخول أصحابها الحق في جميع ما ينتج العقار.
  • الأراضي الأميرية هي الأراضي التي تكون رقبتها للدولة والتي يمكن أن يجري عليها حق تصرف. التصرف هو حق استعمال عقار ما والتمتع والتصرف به ضمن الشروط المعينة وضمن حدود القوانين والقرارات والانظمة، ولا يجري هنا الحق إلا على العقارات الأميرية، ويخول صاحبه الحق في جميع ما ينتجه العقار. لصاحب حق التصرف بالأرض أن يغرس فيها ما شاء من الأغراس، وأن يبني ما شاء من الابنية وأن يجري فيها حفريات الى أي عمق يشاء وأن يستخرج من هذه الحفريات كل ما يشاء من مواد البناء وأن يتصرف بهذه المواد بملء حريته، ما خلا جميع المنتوجات الاخرى، وكل ذلك ضمن التقييدات المفروضة بالقوانين والقرارات والانظمة. يسقط حق التصرف بعدم زراعة الأرض أو بعدم استعمالها مدة خمس سنوات.
  • الأراضي المتروكة المحمية هي أراضي تخص الدولة أو البلديات وتكون جزءا من الاملاك العامة، أيّ أملاك الدولة العمومية. 
  • الأراضي المتروكة مرفقة هي أراضي تخص الدولة ويكون عليها لإحدى الجماعات (كأهالي بلدة) حق استعمال محددة ميزاته ومداه بالعادات المحلية أو بالانظمة الادارية.
  • الأراضي الخالية المباحة أو الأراضي الموات هي الاراضي الاميرية التي تخص الدولة إلا أنها لم يجر التعرف إليها وتحديدها فيصبح لمن يشغلها أولا، بموجب رخصة من الدولة، حق أفضلية فيها ضمن الشروط المعينة في أنظمة أملاك الدولة.

إذاً، تشكّل الأراضي الأميرية جزءاً من أملاك الدولة الخصوصية، وهي التي تملكها الدولة بصفتها شخصاً معنوياً ولا تكون مخصّصة للمنفعة العامّة، سواء كانت تحت تصرّف الدولة الفعلي أو كانت تحت تصرّف أشخاص آخرين، كالأراضي المتروكة المرفقة الموضوعة تحت تصرّف الجماعات. ونشير إلى أنّ مديرية الشؤون العقارية ولا سيما دائرة أملاك الدولة الخاصّة التابعة لها مكلّفة بإدارة هذه الأملاك والإشراف عليها (باستثناء الأحراج التي تدار من قبل وزارة الزراعة).

كيف تتوزع الأراضي الأميرية على المناطق وما هي استخداماتها؟ 

هناك 31,849 عقار أميري في لبنان. تشير الخريطة التي أنتجها استوديو أشغال عامة استناداً الى بيانات من وزارة المالية أنّ حوالي 34% منها تقع في قضاء بعلبك، 23% في قضاء البقاع الغربي، 17% في قضاء راشيا، أيّ أنّ 74% منها يقع في منطقة البقاع، أيّ في محيط زراعي بامتياز. وبسبب تواجد حق تصرف على هذه الأراضي (لا ملك) وبالتالي سقوط هذا الحق مع عدم الاستخدام لمدة خمس سنوات، فقط استمر استخدام هذه الأراضي زراعياً، وتم حمايتها من مضاربات السوق لأنها من أملاك الدولة. من هذا المنطلق، يشكل اقتراح القانون هذا ضرباً للأراضي الزراعية وخصخصة لأملاك الدولة، وذلك في ظل الحديث عن الخصخصة كأحد السبل لإطفاء خسائر المصارف التي شكلت الدائن الأكبر للدولة المفلسة. 

في واقع الأمر، تملك الدولة اللبنانية جزءً كبيرً من الأراضي في لبنان، وتقدر أنها تتراوح بين 20-25 ٪ من إجمالي مساحة لبنان. تشكل هذه الأراضي المملوكة من القطاع العام - تحديداً تلك غير المبنية - بيئتنا الطبيعية والزراعية. إنها ثروة وطنية مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بأساليب حياتنا وسبل عيشنا المتنوعة عبر المناطق اللبنانية. في البقاع الشمالي على سبيل المثال - حيث النسبة الأكبر للأراضي الأميرية - تعتبر المنطقة محيطاً زراعياً بامتياز، وتستمدّ أهميتها من كونها أغنى المناطق اللبنانية بالموارد الطبيعية وعوامل الإنتاج، ففيها مصادر المياه وتضمّ ٦٢% من المساحة القابلة للزراعة في البقاع و٢٥،٧ % في لبنان. ويعتمد ٧٠ إلى ٧٥% من سكانها على الزراعة في تكوين مدخولهم، إضافة إلى مساهمته بنسبة كبيرة من الإنتاج الزراعي الإجمالي في لبنان. 

والبارز أيضاً في هذا القانون هو أن النائبين اللذين اقترحوه هم من محافظة بعلبك الهرمل، مما يذكرنا بمطالبات نواب المنطقة لسنوات بضم وفرز الأراضي في محافظة بعلبك الهرمل تحت شعار "حماية الملكية الفردية وتحفيز للواقع الإقتصادي" عبر السماح للمضاربة العقارية وقطاع البناء بالازدهار. لطالما تحدث نواب المنطقة عن تحديد الملكيات وفرز الأراضي على أنهما الحلّ لمشكلات التنمية التي تواجهها المنطقة. 

خصخصة هذه الأراضي ستؤدي الى تراكمها بيد الأقليّة المقتدرة ماديّاً وتشريعيّاً وسياسياً التي ستوظفها ضمن القطاعين العقاري والسياحي الذين لا يقدمان لمن يكون قد خسر امكانية الوصول الى الارض الّا فرص عمل تعاقدي هش لا يضمن العيش الكريم. من هذا المنطلق نقول ان هذا القانون يحمل مفهوماً ضيّقاً للتطور والنمو لا يقيسهما الا بالأرباح الإجمالية، دون أي اعتبار لتوزيع هذه الأرباح أو توفير فرص العمل المستدام للمجتمع الأوسع. في واقع الأمر، إنّ الطابع الخطير لهذا القانون بحجة الاستجابة لحاجات الناس يكرّس في آخر المطاف وضعاً يحوّل التنمية إلى خدمة ظرفية يقدمها هؤلاء النواب لأقلّية ذات مصلحة محددة بدلاً من الاستجابة الى الحق في التنمية المتكاملة.