طابق المرّ مجدّدًا: لا حلّ لأزمة السكن ومزيدٌ من المضاربة على أسعار الأراضي

أيلول 2021

اقتراح تعديل المادة 67 من القانون رقم 144 (قانون الموازنة)
 وضع على جدول أعمال جلسة 24/9/2019 وأُسقطت صفة العجلة. 
أحيل إلى لجنة الأشغال العامة التي أنجزته بتاريخ 18/12/2019 ورفعته إلى رئاسة المجلس.

منذ تشكيلها قبل انتفاضة 17 تشرين، انصبّ تركيز حكومة "الوحدة الوطنية" برئاسة سعد الحريري على إيجاد السّبل المناسبة لخفض الإنفاق. في المقابل، اجتهدَت الأخيرة لتأمين إيراداتٍ إضافيةٍ تغذّي الخزينة والمؤسّسة العامة للإسكان، فتوجّهت إلى قطاع البناء، واقتُرح بالإجماع قانونٌ يسمح بإضافة طابقٍ جديدٍ على الأبنية الموجودة أو المُستحدثة في كلّ المناطق اللبنانية من دون احتسابه ضمن معدّلات الاستثمار والارتفاع الأقصى. ليسَت هذه الخطوة سابقة في تاريخ التشريع اللبناني، فهي مستوحاةٌ بلا شكّ ممّا عُرف بــ "طابق المرّ" ومشروع "طابق الميقاتي".  تولّد مشاريع كهذه ضغطًا إضافيًا على شبكات البُنى التحتية والمواصلات، وينتج عنها مشكلاتٌ مثل زيادة استهلاك الكهرباء والمياه وشبكات الطرق، والنقص في مواقف السيارات، فضلًا عن تداعياتٍ كثيرةٍ عمرانيةٍ وبيئية. لم يحدّد القانون المذكور هدفًا سوى جمع المال بأيّ طريقةٍ ممكنة، من دون إجراء أيّ دراسةٍ واقعيةٍ لآثاره المُحتملة، ما يكشف عن قصورٍ حادٍّ في فهم مبادئ وشروط إدارة المالية العامة ودور البيئتَين الطبيعية والمبنيّة في دعم الاقتصاد الوطني.

باختصار، ما هو القانون المقترح؟: 

يُجيز اقتراح القانون إضافة طابق جديد، على الأبنية الموجودة أو المُستحدثة، وذلك في كلّ المناطق اللبنانية، من دون احتسابه في معدّلات الإستثمار وعدد الطوابق والارتفاع الأقصى، وفق شروط فنيّة معيّنة، إضافةً إلى شروطٍ أخرى بحسب المناطق. فيما تُستثنى المناطق التي تَفرض شروطاً خاصة للبناء، والمخصصة للفيلات أو للسكن الخاص، والأبنية التي استفادت من قوانين استثنائية بارتفاعات أو بعدد طوابق، وتلك التي خضعت لقوانين تسوية مخالفات البناء سابقاً. ويتوّجب على المستفيدين دفع نسبة مئوية من قيمة الأرض الوهمية المطلوبة لتأمين مساحة الطابق المذكور أعلاه، توّزع على الشكل التالي: 20% من الرسوم لحساب صندوق الخزينة المركزي، 60% لحساب المؤسسة  العامة للإسكان، 20% لحساب البلدية المعنية.

ما هي الأسباب الموجبة التي يذكرها القانون؟: 

- قانون البناء وضع شروط لارتفاع ثكنة القرميد مما لا يسمح السكن فيها ومنع فرزها واشترط تسجيلها ضمن الأقسام المشتركة.

- التحايل على القانون عبر إلحاق الثكنة بالطابق الأخير، أو رفع الثكنة لتأمين علو كاف لاستعمالها كمسكن إضافيّ.

- تشويه المنظر العام للمدن والقرى بسبب الطريقة العشوائية لبناء ثكنات القرميد بشكل غير قانوني.

- بناء ثكنات القرميد فوق الأبنية بشكل غير شرعي يحرم الخزينة من إمكانية الإستفادة من بعض العائدات.

- مساحة الأراضي القابلة للبناء محدودة، ما يؤدي إلى تفاقم مشكلة السكن.

- المؤسسة العامة للإسكان تعاني من عدم توفر المال، ما يوجب تأمين مداخيل إضافية.

- وضع معايير لاستفادة الراغبين ببناء ثكنة قرميد فوق سطح المبنى.

- تستفيد منه الأبنية المشادة قبل صدوره، ضمن شروط ومعايير هندسية، مع عن ضرورة موافقة مالكي الأقسام والشقق.

- تأمين عائدات مالية تذهب لتمويل المؤسسة العامة للإسكان، والقسم المتبقي من العائدات لصالح البلديات والخزينة العامة.

مذكرة تعليلية:

- لجنة الأشغال العامة والنقل والطاقة والمياه النيابية خلصت إلى إقرار قانون شامل لموضوع البناء المستدام.

- سقط سهواً استبدال المادة 67 من قانون الموازنة 2019 بالصيغة المتوافق عليها في هذه اللجنة.

- بعد صدور قانون الموازنة أصبح لزاماً على الحكومة إصدار المراسيم التطبيقيّة.

- المادة 67 مختصرة ولا تغطي موضوع البناء المستدام بشكلٍ كافٍ.

أي نواب اقترحوا القانون؟: 

- جوزف إسحق | نائب عن قضاء بشري | تكتل الجمهوريّة القويّة - القوات اللبنانيّة | مهندس مدنيّ، رئيس لفرع المهندسين المدنيين الإستشاريين وعضواً في مجلس نقابة المهندسين في الشمال منذ العام 2001 حتى عام 2004، عضو في لجنة صياغة المرسوم التطبيقي لقانون البناء عام 2004، نقيباً للمهندسين في الشمال وعضو في المجلس الأعلى للتنظيم المدني من عام 2008 حتى 2011، عضو في لجنة اعتماد المدققين الفنيين عام 2011 حتى 2017.

- فيصل الصايغ | نائب في دائرة بعبدا - عاليه (معقد الدرزي) | اللقاء الديمقراطي - حزب التقديميّ الإشتراكي | حاصل على بكالوريوس في العلوم الاقتصادية، محافظ للجنوب من عام 1996 حتى 2004، رئيس مجلس إدارة الفييق التي تصدر مجلة سنوب.

- حكمت ديب  | نائب في دائرة بعبدا - عاليه (مقعد ماروني) | تكتل لبنان القويّ - التيار الوطني الحرّ | مهندس مدنيّ، عضو مؤسس وناشط في "مؤسسة حقوق الإنسان والحقّ الإنساني" في لبنان، عضو في بلدية الحدث من عام 1999 إلى 2003، عضو في مجلس نقابة المهندسين في بيروت عام 1996، أمين سر نقابة المهندسين في بيروت عام 1997، أسس وترأس لجنة البيئة في النقابة.

- محمد خواجه | نائب عن دائرة بيروت الثانية (مقعد شيعيّ) | كتلة التنمية والتحرير – حركة أمل | باحث وكاتب في الشؤون العسكرية والإستراتيجية.

- نزيه نجم | نائب عن دائرة بيروت الثانية (مقعد الروم الارثوذكسي) | كتلة لبنان أوّلاً – تيّار المستقبل | رجل الأعمال، رئيس نقابة أصحاب مصانع الرخام والغرانيت ومصبوبات الإسمنت في لبنان، رئيس لجنة الأشغال العامة والنقل والطاقة والمياه النيابية.

- حسين جشي | نائب عن قضاء صور الدائرة الأولى صور - الزهراني (مقعد شيعيّ) | كتلة الوفاء للمقاومة – حزب الله | مهندس مدنيّ، سليل عائلة ميسورة، ملف الزراعة أساسي في جدول أعماله.

ما هو السياق العام للقانون؟: 
منذ تشكيل حكومة "الوحدة الوطنية" الأخيرة قبل ثورة 17 تشرين، ونيلها الثقة في شباط 2019، انصّب تركيزها، على موضوع العجز في الموازنة العامة. وتركّز نشاطها على إيجاد السبل المناسبة لخفض الإنفاق. وفي المقابل، اجتهدت هذه الأخيرة لتأمين إيرادات إضافية تغذي خزينة الدولة، فاتجّهت نحو قطاع البناء (مخالفات البناء، الاعتداءات على الأملاك العامة البحرية…) لتأمين بعض العائدات المالية. وبذلك خلصت لجنة الأشغال العامة والنقل والطاقة والمياه النيابية بعد جلسات عدّة إلى إقرار اقتراح قانون تحت شعار "البناء المستدام" لتأمين التمويل للمؤسسة العامة للإسكان، وتغذية صندوق الخزينة، كما ورد في أسبابه الموجبة. غير أنّه سقط سهواً استبدال المادة 67 من قانون الموازنة 2019 بالصيغة المتوافق عليها في هذه اللجنة، بحسب المذكرة التعليلية المرفقة بالقانون، ولكون المادة 67 مختصرة ولا تغطي موضوع البناء المستدام بشكلٍ كافٍ، تمّ اقتراح قانون معجل مكرر لتعديلها.
نوع القانون: 
اقتراح قانون معجّل مكرّر
الفاعلون: 
- وزارة المالية (صندوق الخزينة) - المؤسسة العامة للإسكان - البلديات - نقابة المهندسين - مالكي العقارات
المناطق المتأثرة: 
كلّ المناطق اللبنانية (باستثناء المناطق التي تَفرض شروطاً خاصة للبناء، والمخصصة للفيلات أو للسكن الخاص، والأبنية التي استفادت من قوانين استثنائية بارتفاعات أو بعدد طوابق، وتلك التي خضعت لقوانين تسوية مخالفات البناء سابقاً)

ليست هذه السابقة الأولى في تاريخ التشريع اللبناني التي يُطرح فيها مثل هذا القانون، فهو مستوحى بلا شكّ، بما عُرف بــ"طابق المرّ"، و مشروع "طابق الميقاتي" الذي ذهب أدراج الرياح ولم يصل الى خواتيم الإقرار. ولعلّ تبعات "طابق المرّ" تشكّل خير  دليل على التداعيات السلبية التي تخلّفها مثل هذه القوانين، التي تقوم على مبدأ "شراء أرض وهمية"، أي إن الدولة تستوفي ثمن الأرض الإضافية التي خلقتها بموجب القانون. إن مبدأ الاستثمار في مقابل ثمن لا يتلاءم بتاتاً مع مبدأ التنظيم المدني لأنه يكرّس منطق تسوية المخالفات كما حصل في التجارب السابقة. فإن عامل الاستثمار هو "أداة في يد الدولة لتنفيذ خطة تنظيم لعدد الكثافة المسموح بها وأفضل الطرق لاستعمال الأرض ورسم سياسة الامتداد الطبيعية للتجمعات الإنسانية في حقلي الاجتماع والإنماء مما يسهل تنفيذ التجهيزات التحتية في طريقة مناسبة". وإن انتهاك هذا المبدأ يجرنا إلى سلسلة من التنازلات على حساب المصلحة العامة. إضافةً إلى ذلك، استند اقتراح القانون، بحسب الأسباب الموجبة، على كون شروط ارتفاع ثكنة القرميد الواردة في قانون البناء لا تسمح السكن فيها، وتمنع فرزها، أو تسجيلها ضمن الأقسام المشتركة، ما يدفع إلى التحايل على القانون وبناء ثكنات القرميد بشكل غير قانوني وعشوائي، ما يشوّه المنظر العام للمدن والقرى ويحرم الخزينة إمكانية الإستفادة من بعض العائدات. فلا تشكلّ هذه الأعذار، إلّا أعذارٍ واهية لتشريع مخالفة القانون. 

يتّخذ هذا القانون "البناء المستدام" شعاراً وتبريراً له لبناء طابق إضافيّ. وهو بذلك يفرغ موضوع الاستدامة من مضمونه. فالقانون يتضمن تصنيفات سطحيّة متعلّقة بالاستدامة، وقد مرّ عليها الزمن، إذ أن وصف البناء المستدام يدخل ضمن مفهوم التنمية المستدامة. هو يسمح بزيادة طابق على الأبنية بشكلٍ عشوائي، ما يزيد الكثافة والاكتظاظ السكاني، والتلوّث، ويشوّه البيئة المبنية في المدن والبلدات والقرى، ويفرض بالتالي عبئًا إضافيًا على شبكات البنى التحتية المتوّفرة من شبكات مياه، كهرباء، صرف صحيّ وشبكات الطرق كما ومواقف السيارات، وبالتالي ستترتّب أعباء إضافية على الدولة والبلديات لاستيعاب هذه الكثافة المتزايدة. فنتائجه كارثية هي الأخرى على حياة الناس في رفاههم، وصحتهم، وراحتهم، وسكنهم، وسهولة تنقلّهم...  وهو لا يأخذ بعين الاعتبار الجانب الاقتصاديّ - الاجتماعيّ والبيئيّ، ما يَنقُدُ بشكلٍ صارخ، و يضرب بعرض الحائط المبادئ الأساسية للإستدامة. 

"مساحة الأراضي القابلة للبناء في لبنان محدودة، الأمر الذي يؤدي إلى تفاقم مشكلة السكن" هذا ما تضمنته أيضاً الأسباب الموجبة للقانون. فهو بالتالي يزعم تأمين شقق سكنيّة إضافية، فيما أكثر من 150 ألف شقة لا تجد من يشتريها1 من جهة، ومن جهةٍ أخرى سيترافق إضافة طابق جديد مع زيادة حركة المضاربة العقارية، وارتفاع أسعار الأراضي ومعها أسعار الوحدات السكنية. الإدعاء بأن زيادة الكثافة السكانية تزيد العرض من الوحدات السكنية وبالتالي تقلل من ثمنها، إدعاءٌ خاطئ. في لبنان، لا تُحدد أسعار الوحدات السكنيّة على أساس العرض والطلب، بل تقوم على حماية الإستثمارات، بما في ذلك المضاربة العقارية. فنلاحظ أنه في عام 2004، تمّ اقتراح حجة مماثلة لتبرير معدلات البناء المرتفعة التي تم تبنيها. وفي عام 2006، تضاعف سعر المتر المربع من الأراضي المبنية. كما يعطي اقتراح هذا القانون امتيازًا لمالك الأرض والمطوّر العقاري ومتعهدي البناء عبر إعطائهم فرصة الاستفادة من طابقٍ إضافيّ. ما يؤدي أيضاً إلى رفع قدرة المتمولين على حساب ذوي الدخل المحدود، وعلى حساب البيئة المبنيّة والحياة اللائقة والصحية للسكان.

وأخيراً، يؤدي اقتراح هذا القانون إلى تشويه الطابع العمراني في المناطق، إذ يفرض طابق جديد ذو سقف منحدر على شكل ثكنة مُغطّاة بالقرميد في المناطق المحدّد فيها عدد الطوابق والارتفاع، ما يؤدّي إلى فرض طابع معماري واحد في عددٍ من المناطق، بمعزل عن خصائصها ونوعية البناء فيها (التراث المعماري الحديث، البنايات المرتفعة والأبراج). بالمقابل، من اللافت أن يَستثني مشروع القانون "المناطق التي تَفرض شروطاً خاصة للبناء" مثل منطقة سوليدير، لا بل بدا المشروع كأنه يهتمّ بهذه المنطقة ويميّزها عن غيرها. إن إبقاء منطقة وسط بيروت خارج هذه المعادلة له هدف واضح يكمن في الحفاظ عليها كمرتع للمالكين فيها من أثرياء القوم وكبارهم في لبنان والدول العربية، كما وحمايتها من التشويه الذي قد يطالها. فكان من الأبدى إظهار نفس الحرص في حماية البيئة المبنية في كافة أنحاء البلاد.

عندما يتفقّ صنّاع القرار من مختلف الكتل النيابيّة المتناحرة أساساً، عبر ممثلها في اللجان2، ويقترحون مثل هذا القانون، فإنّ ما يجمعهم لا يكون عادةً المصلحة العامة. إنّ فكرة إنتاج أراضٍ وهمية على مجمل مساحة الوطن بهدف تأمين إيرادات مالية ملحة، تحت ضغط الأزمة المالية، يأخذ بعين الاعتبار جانباً وحيداً من الدينامية التنظيمية ويهمل الجوانب الأخرى سواء كانت اجتماعية، بيئية أو طبيعية. لم يرسم هذا القانون أي هدف سوى جمع المال بأي طريقة ممكنة، دون أي دراسة واقعية لأثاره. وهو يبيّن القصور في فهم مبادئ وشروط إدارة المالية العامة ودور البيئة الطبيعية والبيئة المبنيّة في دعم الاقتصاد الوطني.3 السلطات تنظر إلى العقارات كمواد استهلاك تطبيقاً لأسس الريع العقاري. فإنه كان من الأجدى، أن يتم فرض ضرائب على المضاربة العقارية على سبيل المثال، عوضاً عن اقتراح مثل هذا القانون. كما تعطي السلطات الأولية لجباية ضرائب قد تنفع آنياً وعلى المدى القريب لتغطية جزء من العجز المزمن في الموازنة العامة، ولكن على حساب الاستثمار في تكوين بيئة صحية مفيدة نحصد نتائجها على المدى البعيد. 

 

  • 1. «طابق المرّ» مجدداً: «تركيب طرابيش» لتمويل الإسكان، الأخبار، 4 آذار 2019.
  • 2. النواب الذين اقترحوا هذا القانون هم: النائب جوزف إسحق (القوات اللبنانية)، النائب فيصل الصايغ (الحزب التقديميّ الإشتراكيّ)، النائب حكمت ديب (التيار الوطنيّ الحرّ، النائب محمد خواجه (حركة أمل)، النائب نزيه نجم (تيّار المستقبل) والنائب حسين جشي (حزب الله).
  • 3. منى فواز، تفضيل المكاسب السريعة على التنمية الطويلة الأمد للبيئة المبنية في لبنان، المركز اللبناني للدراسات، حزيران 2019.